فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩١ - بحث في التعليق
و كذلك الأفعال الاعتباريّة بمقتضى تطابق الاعتبار مع التكوين و المقصود من الفعل الاعتباري ليس هو التلفّظ و الاستعمال، فإنّه فعل تكويني لا يقبل التعليق، و من ثمّ تطابقت كلماتهم على استحالة التعليق في الإنشاء، بل المراد من الفعل الاعتباري هو المنشأ، فإذا لم يكن المتكلّم المنشئ مريداً له بنحو البتّ فلا يصدر منه، بمعنى أنّ العقلاء لا يعتبرون أنّ الفعل قد أوجد من قبله، و هذا الوجه لا بأس به في الجملة، و سيأتي تتمّة له ترميماً، و هو قريب لما ذكره السنهوري في مصادر الحقّ.
و منها: إنّ التردّد لا يجتمع مع الالتزام و التعهّد المفروض في العقود و المعاملات؛ إذ العقود مركّبة من أمرين: (الصحّة و اللزوم)، و الصحّة هي وجود ماهيّة المعاملة، و أمّا اللزوم فهو بقاؤها من دون قابليّتها للانتقاض، و من البيّن مضادّة الترديد- سواء حصل من التعليق أم غيره- للجزم المأخوذ في ماهيّة التعهّد و الالتزام، فالجزم في العقد ذاتي، غاية الأمر الجزم معلّق على شرائط العقد.
أمّا الإشكال الأخير، و هو أنّ التعليق لا ينافي الجزم، فهو تامّ، حيث أنّ الموجب يريد جدّاً و بتّاً ماهيّة البيع التي تتقوّم بأركان منها المعلّق عليه. و الوجه في ذلك أنّ الموجِب يلتزم بالبيع مع حصول المعلّق عليه في قوله: «إن جاء زيد فبعت هذا بهذا» فهو إنشاء للالتزام، و لكن مقدّر لا مطلق، و لذلك ترى العرف يلومون الموجِب لو لم يلتزم بما أنشأه كما لو قال: «إن جاء زيد فكتابي هذا- الموجود عندك- هديّة لك»، ثمّ لم يلتزم الموجِب بذلك، فإنّه يقال له: «أ لم تعد و تتعهّد بهديّة الكتاب إذا جاء زيد؟» و هذا القول منه كاشف عن كون الإنشاء المزبور التزام معلّق و إن كان غير فعلي محقّق، كما في الجعالة (من ردّ عبدي فله كذا) حيث يعلّق التزامه الجدّي على العمل.
فهذا الإشكال و إن كان تامّاً على الوجه المزبور، لكنّه لا يخدش في الكبرى شرطيّة الجزم في العقود. و على أي حال، هذا الوجه بمفرده لا يثبت تمام المدّعى إلّا مع تماميّة الوجوه الآتية.
الوجه الثاني: في بطلان التعليق هو الإجماع، و كثير ممّن ناقش في الوجوه