الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٨ - المسألة ٢٦ إذا اعتقد أنّه غير مستطيع فحجّ ندبا
..........
علم بالوجوب، و تخيل عدم فوريته فحجّ ندبا- قائلا: إنّ في المقام أمرين: أحدهما وجوبي و الآخر ندبي مترتب على الأوّل و في طوله لا في عرضه، فإنّ الأمر بالضدين إذا كان على نحو الترتّب لا استحالة فيه، لأنّ الأمر الثاني مترتب على عدم الإتيان بالأوّل و لو كان عن عصيان، و قد ذكرنا في محلّه انّ كلّ مورد أمكن جريان الترتّب فيه، يحكم بوقوعه، لأنّ إمكانه مساوق لوقوعه فما حجّ به صحيح في نفسه، إلّا أنّه لا يجزي عن حجّة الإسلام، لأنّ الأمر الفعلي لم يقصد و إنّما قصد الأمر الندبي المترتّب على مخالفة الأمر الفعلي، و لا يقاس هذا الفرض بالفرضين السابقين، لوحدة الأمر [١] فيهما، بخلاف المقام الذي تعدّد الأمر فيه على نحو الترتّب. [٢]
أقول: إنّ الداعي الواقعي في عامة الصور، هو امتثال أوامره سبحانه، فهو حسب الإرادة الجدية الباطنية، لا يقصد سوى الامتثال، و الداعي الحقيقي إلى قصد الأمر المندوب، إنّما هو تلك الإرادة اللبيّة و المشيئة الواقعية، فهو في جميع الصور، بصدد كسب رضاه سبحانه من خلال امتثال ما أمر به، و بلغه رسوله، دون أن يتخلّف عنه قدر أنملة، لكن تفانيه في طاعة اللّه، صار سببا، لأن يأتي بغير الواقع، بنية انّه الواقع، على نحو لو وقف قبل العمل أو أثنائه، انّه غير مأمور به لرفضه.
و بذلك يظهر الفرق بينه و بين الترتّب، فانّ المكلّف عند الابتلاء بالأهم و المهمّ، عالم بأنّ الواجب و المطلوب منه هو الأهم دون المهم، فهو مع العلم به،
[١]. عدّ الصورة الثانية من أقسام وحدة الأمر، مع أنّ المصنّف عدّها من باب تعدّد الأمر، حيث قصد الأمر الندبي على وجه التقييد، لأجل اعتقاده بأنّ الأمر الجزئي لا يقبل التقسيم، فلا يتصوّر فيه التقييد. لاحظ ص ١٣٨.
[٢]. معتمد العروة، قسم الحجّ: ١/ ١٣٩.