ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٦٨٨
عليه من الأخبار و روى الشيخ عن زرارة بإسناد فيه جهالة عن أبي عبد اللّٰه٧قال لا بأس أن ينفر الرّجل في النفر الأوّل قبل الزّوال و حملها الشيخ على حال الاضطرار
و ينبغي التنبيه على أمور الأوّل لا أعرف خلافا بين أصحابنا في أنّ من بقي في منى إلى أن تغرب الشّمس وجب عليه أن يبيت بها و قد مرّ ما يدلّ عليه و لو ارتحل فغربت الشّمس قبل تجاوز الحدود ففي وجوب المبيت قولان و الوجوب لا يخلو عن ترجيح لصدق الغروب عليه بمنى و استقرب المصنف في التذكرة عدم الوجوب عليه لمشقة الرّفع و الحطّ و هو تعليل ضعيف الثاني يجوز في النّفر الثاني المضيّ إلى مكة قبل الزّوال لا أعرف في ذلك خلافا بين الأصحاب و قد مرّ ما يدلّ عليه
و يزيده تأكيدا ما رواه الشيخ بإسناده عن الكليني عن معاوية بن عمّار في الحسن بإبراهيم عن أبي عبد اللّٰه٧قال يصلّي الإمام الظهر يوم النفر بمكّة و لم أجده في الكافي بل وجدت متن الحديث فيه مرويا عن الحلبي في الحسن عنه ع
و عن أيّوب بن نوح في الصّحيح قال كتبت إليه أنّ أصحابنا قد اختلفوا علينا فقال بعضهم إن النفر يوم الأخير بعد الزّوال أفضل و قال بعضهم قبل الزّوال فكتب أ ما علمت أنّ رسول اللّٰه٦صلى الظهر و العصر بمكة و لا يكون ذلك إلّا و قد نفر قبل الزّوال الثالث قطع الشهيد بجواز تقديم رحله قبل الزوال في النفر الأوّل و هو متّجه لعدم تحقق النّفر بذلك و لصحيحة الحلبيّ السابقة
و روى الكليني عن أبان بن تغلب بإسناد فيه جهالة قال سألته أ يقدم الرّجل رحله و ثقله قبل النفر فقال لا أ ما يخاف الذي يقدم ثقله أن يحبسه اللّٰه تعالى قال و لكن يخلف منه ما شاء لا يدخل مكّة قلت أ فأتعجل من النسيان أقضي مناسكي و أنا أبادر به إهلالا و إحلالا فقال لا بأس و لعلّه محمول على الكراهة
الرابع ذكر في الدروس أنه لو قدم رحله في النّفر الأوّل و بقي هو إلى الأخير فهو ممن تعجّل في يومين على الرّواية و كان ذلك إشارة إلى قول الصدوق بعد إيراد صحيحة الحلبي السّابقة و روي أن من فعل ذلك فهو ممّن تعجّل في يومين و فيه إشعار بعدم جواز تقديم الرّحل قبل الزّوال و التعويل على الرّواية الصّحيحة الدالّة على الجواز
الخامس ذكر بعض الأصحاب أن المراد باتقاء النّساء عدم إتيانهنّ لا مطلق ما حرم بالنسبة إليهنّ كالقبلة و اللمس بشهوة نظرا إلى ظاهر الحديث و باتقاء الصّيد عدم قتله و احتمل التعميم و رجّح الأوّل و كلام المصنف في المنتهى لا يخلو من إشعار به
و لو بات الليلتين بغيرها أي منى وجب عليه شاتان إلا أن يبيت بمكة مشتغلا بالعبادة عن المفيد و سلّار لا يبيت أيام التشريق إلّا بمنى فإن بات بغيرها فإنّ عليه دم شاة و عن ابن أبي عقيل و لا يبيت أيّام التّشريق إلّا بمنى و لا يبيت بمكّة فإن بات بمكة فعليه دم و عن الشّيخ في النّهاية من بات الليالي الثلاث بغير منى متعمدا كان عليه ثلاثة من الغنم و مثله عن ابن الجنيد و هو قول ابن إدريس و استقربه المصنف في المختلف و عن الشّيخ في المبسوط و الخلاف من بات عن منى ليلة كان عليه دم فإن بات عنها ليلتين كان عليها دمان فإن بات اللّيلة الثّالثة لا يلزمه شيء لأن له النفر في الأوّل
و قد روي في بعض الأخبار أن من بات ثلاث ليال عن منى فعليه ثلاث دماء و ذلك محمول على الاستحباب أو على من لم ينفر في النفر الأوّل حتى غابت الشّمس و هو المنقول عن ابن حمزة و أشهر الأقوال بين الأصحاب أنّه يلزمه الكفّارة عن كلّ ليلة إن لم يبت بمنى و مستنده صحيحة صفوان و صحيحة عليّ بن جعفر السّابقتان في أوائل المقصد
و يعارضه ما رواه الشيخ عن سعيد بن يسار بإسناد فيه توقف قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧فاتتني ليلة المبيت بمنى من شغل قال لا بأس و عدّه بعضهم من الصّحاح و فيه تأمّل و أولوه على من بات بمكة مشغولا بالدّعاء و المناسك أو على من خرج من منى بعد بعد انتصاف الليل و فيه بعد
و ما رواه الشيخ عن عيص بن القاسم في الصّحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل فاتته ليلة من ليالي منى قال ليس عليه شيء و قد أساء و أولوه بالتأويلين المذكورين و فيه بعد سيّما التأويل الأول و لا يخفى أن المستفاد من الصّحيحتين اللّتين هما مستند الحكم ترتب الحكم على من بات بمكة لا مطلقا و يؤكد هذا الاختصاص غير واحد من الأخبار المذكورة في أوائل المقصد في بحث وجوب البيتوتة بمنى لكن الأصحاب لم يفرقوا بين أن يكون بمكة أو غيرها و قد سبق هناك صحيحة معاوية بن عمار الدالّة على التعميم و كذا رواية علي لكن الأصحاب لم يفرقوا بين أن يكون بمكة و غيرها و أيضا المتبادر من الخبر الأوّل ترتب الحكم على من بات تمام اللّيلة بمكة كما هو المصرح به في الخبر الثاني لا بعضه
احتج من زعم أن من بات بغير منى في اللّيالي الثلاث كان عليه ثلاثة دماء بما رواه الشيخ عن جعفر بن ناجية في الضعيف و الصدوق عنه في القوي قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عمن بات ليالي منى بمكة فقال ثلاثة من الغنم يذبحهنّ و الرّواية غير نقيّة لا يستند لإثبات الحكم الشرعي
قال ابن إدريس متعرضا على الشيخ في النهاية حيث ذهب إلى اختصاص الفدية بالليلتين التخريج الذي خرجه الشّيخ لا يستقيم و ذلك أن من عليه كفّارة لا يجوز له أن ينفر في النفر الأوّل بغير خلاف فقوله (رحمه اللّٰه) أن ينفر في النفر الأوّل غير مسلم لأن عليه كفّارة لأجل إخلاله بالمبيت ليلتين انتهى و هذا مبني على أن الاتقاء المعتبر في جواز النفر بعد اللّيلتين الاجتناب عما يوجب الكفّارة مطلقا لا الصيد و النّساء كما هو المشهور بين الأصحاب و قد سبق الكلام في هذا
و اعلم أن إطلاق النص و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في لزوم الكفّارة بين العالم و الجاهل و في بعض الحواشي المنسوبة إلى الشهيد (رحمه اللّٰه) أنه لا شيء على الجاهل لعل مستنده عموم رواية عبد الصّمد بن بشير الدالّة على أن الجاهل لا شيء عليه مطلقا و قد قطع الأصحاب بسقوط الفدية عن أهل السّقاية و الرّعاية و في سقوطها عن المضطر وجهان أقربهما السقوط نظرا إلى الأصل السّالم عن المعارض لعدم ظهور العموم بالنّسبة إلى المضطر في الأخبار الدالة على الفدية و وجوب الفدية على من بات بغير منى ثابت مطلقا إلّا أن يبيت بمكة مشتغلا بالعبادة و هذا هو المشهور بين الأصحاب
و نقل عن ابن إدريس أنّه أوجب الكفّارة على المشتغل بالعبادة كغيره و الأوّل أقرب لنا صحيحتا معاوية بن عمّار و حسنته السّابقات في بحث وجوب البيات بمنى و ما رواه الشيخ و الصدوق عن معاوية بن عمار في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل زار البيت فلم يزل في طوافه و دعائه و السّعي و الدّعاء حتى يطلع الفجر فقال ليس عليه شيء كان في طاعة اللّٰه عز و جلّ و اعتبر الشّهيدان استيعاب اللّيلة بالعبادة إلّا ما يضطر إليه من غذاء أو شراب أو نوم يغلب عليه و صرّحا بأنه إذا أكمل الطواف و السّعي قبل الفجر وجب عليه إكمال اللّيلة بما شاء من العبادة و احتمل في الدروس كون القدر الواجب ما كان يجب عليه بمنى و هو التجاوز عن نصف الليل و الأخبار لا تساعد شيئا من ذلك و الأظهر أنه يجوز له الرّجوع ليلا إلى منى بعد الفراغ من العبادة و لو علم أنه لا يدركها قبل الانتصاف و هو اختيار بعض المتأخرين و المحكى عن ظاهر الشهيد في الدروس و يدل عليه صحيحة جميل و صحيحتا معاوية بن عمّار و حسنته السابقات في بحث وجوب البيات بمنى
و الظاهر أن العود إلى منى قبل الفجر أفضل من البقاء في مكة للعبادة لصحيحة صفوان المتقدّمة في البحث المشار إليه و ظاهر صحيحة محمّد بن مسلم و صحيحة عيص السّابقتين هناك
و لو بات غير المتقي الثلاث في غير منى وجب عليه ثلاث شياه و تظهر الحجّة عليه عما سلف و يستثنى من ذلك أيضا المشتغل في مكّة للعبادة و يجوز أن يخرج من منى بعد نصف الليل فيكفي في المبيت بمنى أن يكون فيها إلى أن يتجاوز نصف اللّيل و حكي عن الشيخ أنّه قال لا يدخل مكة حتى يطلع الفجر و الأقرب الأوّل و قد مر في بحث وجوب المبيت بمنى أخبار دالة عليه
و يجب
أن يرمي كل يوم من أيّام التشريق كل جمرة من الثلاث هذا هو المعروف بين الأصحاب و نسبه في المختلف إلى الشهرة بل قال المصنف في التذكرة إنه لا يعرف فيه خلافا نحوه و قال في المنتهى ثم قال و قد يوجد في بعض العبارات أنّه سنة و ذلك في بعض أحاديث الأئمّة : و في لفظ الشيخ في الجمل و العقود و هو محمول على الثّابت في السّنة لا أنّه مستحبّ و في السرائر لا خلاف بين أصحابنا في كونه واجبا و لا أظن أحدا من المسلمين يخالف فيه و قد نسبه على بعض أصحابنا و يعتقد أنه مسنون غير واجب لما نجده في كلام بعض المصنفين عبارة موهمة أوردها في كتبه ثم أخذ في التشنيع على هذا الفهم و إثبات خطئه لكلام طويل و نقل