ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٠٣
الحضر فذهب الأكثر منهم المرتضى و الشيخ في الخلاف و ابن الجنيد و ابن إدريس إلى وجوب التقصير سفرا و حضرا جماعة و فرادى و قال الشيخ في المبسوط أنها إنما تقصر في الحضر بشرط الجماعة و به صرح ابن إدريس و نسبه الشهيد إلى ظاهر جماعة من الأصحاب
و حكى الشيخ و المحقق عن بعض الأصحاب قولا بأنها إنما تقصر في السفر خاصة و استدل الأولون بقوله تعالى وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ و الظاهر أنه ليس المراد بالضرب سفر القصر و إلا لم يكن في التقييد بالخوف فائدة وَ إِذٰا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلٰاةَ فَلْتَقُمْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذٰا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرٰائِكُمْ وَ لْتَأْتِ طٰائِفَةٌ أُخْرىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ فإنها مطلقة في الاقتصار على الركعتين و بما رواه ابن بابويه عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر٧قال قلت له صلاة الخوف و صلاة السفر يقصران جميعا قال نعم و صلاة الخوف أحق أن تقصر من صلاة السفر الذي لا خوف فيه
و في الاستدلال بالآيتين نظر أما الأولى فلأن في حمل الضرب في الأرض على غير سفر القصر عدول عن الظاهر مع أنه غير نافع فإن مجرد الخوف كاف للقصر على قولهم من غير التوقف على الضرب في الأرض
و الظاهر أن المراد بالضرب سفر القصر و التقييد بالخوف إما لوجود الخوف في السفر حين نزول الآية أو يكون قد خرج مخرج الأعم الأغلب في أسفارهم فإنهم كانوا يخافون الأعداء في عامتها و ربما يدعى لزوم الخوف في السفر غالبا
و بالجملة المفهوم إنما يعتبر إذا لم يكن للتقييد فائدة أخرى و هاهنا ليس كذلك و يؤيد ما ذكرناه القراءة بترك إن خفتم و على قول من يقول إن التقصير في الخوف ليس كالتقصير في السفر كما سيجيء فأثر التقييد واضح و كذا على القول بأن المراد بالقصر في الآية القصر من حدود الصلاة كما يصلى في شدة الخوف و أما الثانية فإنها تتمة الآية السابقة
و الظاهر أن معناها و إذا كنت يا محمد فيهم يعني في أصحابك الضاربين في الأرض الخائفين عدوهم كما قاله الطبرسي في مجمع البيان و هو يقتضي اتصالها بما قبلها و سياقها مع شأن نزولها فلا عموم لها مع أنه لا دلالة فيها على القصر فرادى و أما الرواية فيمكن المناقشة فيها بأنه يجوز أن يكون المراد بالتقصير القصر في حدود الصلاة لا في ركعاتها كما قيل في الآية لكنه بعيد فالقول المشهور متجه
و المشهور بين الأصحاب أن هذا التقصير كتقصير المسافر يرد الرباعية إلى ركعتين و يبقى الثلاثية و الثنائية على حالهما
و يدل عليه الأخبار المستفيضة المتضمنة لكيفية صلاة الخوف و أما ما رواه الشيخ عن حريز في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧في قول اللّٰه عز و جل فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا قال في الركعتين ينقص كل منهما واحدة فمحمول على التقية أو على أن كل طائفة إنما يصلي مع الإمام ركعة فكان صلاته ردت إليها
و يحكى عن ابن الجنيد أنه عمل بمضمون هذه الرواية و هو المحكي عن جماعة من الصحابة و التابعين في تفسير التقصير المذكور في الآية و قال ابن بابويه في كتابه سمعت شيخنا محمد بن الحسن يقول رويت أنه سئل الصادق٧عن قول اللّٰه عز و جل وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فقال هذا تقصير ثان و هو أن يرد الرجل الركعتين إلى الركعة و كيفية صلاة ذات الرقاع أن
يصلي الإمام
بالطائفة الأولى ركعة و الثانية تحرسهم عن العدو ثم يقوم الإمام و الطائفة إلى الثانية فينفرد الجماعة و يقرءون لأنفسهم و يطول الإمام القراءة فيتم الجماعة صلاتهم و هو قائم
و يمضون إلى موقف أصحابهم و تجيء الطائفة الثانية فيكبرون للافتتاح ثم يركع الإمام بهم و يسجد و تقوم الجماعة فيصلي ركعة أخرى و يطيل الإمام تشهده و يتمون و يسلم الإمام بهم لمستند لهذه الكيفية روايات منها ما رواه الشيخ عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه٧قال صلى رسول اللّٰه٦بأصحابه في غزاة ذات الرقاع صلاة الخوف ففرق أصحابه فرقتين أقام فرقة بإزاء العدو و فرقة خلفه فكبر و كبروا فقرأ و أنصتوا فركع و ركعوا فسجد و سجدوا ثم استتم رسول اللّٰه٦قائما فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلم بعضهم على بعض ثم خرجوا إلى أصحابهم و قاموا بإزاء العدو و جاء أصحابهم فقاموا خلف رسول اللّٰه٦فصلى بهم ركعة ثم تشهد و سلم عليهم فقاموا فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلم بعضهم على بعض
و عن الحلبي في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن صلاة الخوف قال يقوم الإمام و تجيء طائفة من أصحابه فيقومون خلفه و طائفة بإزاء العدو فيصلي بهم الإمام ركعة ثم يقوم و يقومون معه فيمثل قائما و يصلون هم الركعة الثانية ثم يسلم بعضهم على بعض ثم ينصرفون فيقومون مقام أصحابهم و يجيء الآخرون فيقومون خلف الإمام فيصلي بهم الركعة الثانية ثم يجلس الإمام و يقومون هم فيصلون ركعة أخرى ثم يسلم عليهم فينصرفون بتسليمه قال و في المغرب مثل ذلك يقوم الإمام و يجيء طائفة فيقومون خلفه و يصلي بهم ركعة ثم يقوم و يقومون فيمثل الإمام قائما و يصلون الركعتين و يتشهدون و يسلم بعضهم على بعض ثم ينصرفون فيقومون في موقف أصحابهم خلف الإمام فيصلي بهم ركعة يقرأ فيهما ثم يجلس و يتشهد و يقوم و يقومون معه فيصلي بهم ركعة أخرى ثم يسلّم عليهم و ينبغي التنبيه على أمور
الأول هل يجب على الفرقة الأولى نية الانفراد عند مخالفة الإمام قيل نعم و هو خيرة الشهيد في الدروس و قيل لا و قواه الشهيد في الذكرى حجة الأول وجوب الانفراد و وجوب نية كل واجب و ما تقدم من عدم جواز مفارقة المأموم الإمام بدون النية و يرد على الأول منع وجوب نية كل واجب و على الوجهين أنهما إنما يتمان مع إطلاق نية الاقتداء أما إذا تعلقت بالركعة الأولى خاصة فلا و حجة الثاني الأصل و انقضاء ما تعلق به نية الايتمام و المسألة محل تردد
الثاني ظاهر أكثر الأصحاب بقاء اقتداء الفرقة الثانية في الركعة الثانية حكما و إن استقلوا بالأفعال فيحصل لهم ثواب الايتمام و يرجعون إلى الإمام في السهو و حينئذ لا ينوون الانفراد عند القيام إلى الثانية و قد صرح به المصنف في المختلف و صرح ابن حمزة في الوسيلة و الواسطة بأن الثانية ينوي الانفراد في الركعة الثانية و هو ظاهر الشيخ في المبسوط و اختاره بعض المتأخرين لقوله٧في صحيحة عبد الرحمن المتقدمة ثم يتشهد و يسلم عليهم فقاموا فصلوا لأنفسهم ركعة و سلم بعضهم على بعض
و يؤيده أنه لا معنى لثبوت القدوة إلا ترتب آثارها كالثواب و تحمل الإمام سهوهم و لا يمكن القول بذلك إلا بدليل يدل عليه مع انتفائه هاهنا احتج المصنف للأول بقوله٧في صحيحة زرارة فصار للأولين التكبير و افتتاح الصلاة و للآخرين التسليم و فيه أنه يستفاد من تلك الرواية أن الإمام يوقع السلم بعد الفراغ من التشهد من غير انتظارهم و لعل معنى قوله٧و للآخرين التسليم أنهم حضروه مع الإمام
الثالث الظاهر أن ما ذكره المصنف و غيره من أن الإمام يطيل تشهده و يتمون و يسلم بهم على سبيل الاستحباب لدلالة صحيحة عبد الرحمن على جواز تسليمه قبل إتمامهم الركعة
الرابع ذكر جماعة من الأصحاب أنه يحصل المخالفة في هذه الصلوات في ثلاثة أشياء انفراد المؤتم و توقع الإمام للمأموم حتى يتم و إمامة القاعد بالقائم و لا يخفى أن انفراد المؤتم لا يحصل به المخالفة على المشهور بينهم من جوازه اختيارا و إنما يتم على قول الشيخ حيث منع من ذلك إلا أن يقال بوجوب الانفراد هنا فيحصل المخالفة بهذا الاعتبار و أما توقع الإمام المؤتم حتى يتم فإنه غير لازم هنا على ما ذكرنا مع أنه جائز اختيارا و أما إمامة القاعد بالقائم فإنما يتحقق إذا قلنا ببقاء اقتداء الفرقة الثانية في الركعة الثانية و قد عرفت أن الأمر ليس كذلك
الخامس قال في الذكرى يستحب تطويل الإمام القراءة في انتظار الثانية و لو انتظرهم بالقراءة ليحضروها كان جائز فحينئذ يشتغل بذكر اللّٰه تعالى إلى حين حضورهم و الأول أجود لأن فيه تخفيفا للصلاة و قراءته كافية في اقتدائهم و إن لم يحضروها كغيرهم من المؤمنين و إذا انتظرهم لفراغ ما بقي عليهم في تشهده طوله بالأذكار و الدعوات حتى يفرغوا و لو سكت أيضا فالأقرب جوازه
و في الصلاة الثلاثية و هي المغرب يتخير الإمام بين أن يصلي بالأولى ركعة و بالثانية ركعتين و بالعكس لما فيه من الجمع بين حسنة الحلبي السابقة و بين ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر٧أنه قال إذا كان صلاة المغرب في الخوف فرقهم فرقتين فيصلي بفرقة ركعتين ثم جلس بهم ثم أشار إليهم بيده فقام كل إنسان منهم فيصلي ركعة ثم سلموا أو قاموا مقام أصحابهم و جاءت طائفة أخرى فكبّروا و دخلوا في الصلاة و قام الإمام فصلى بهم ركعة ثم سلم ثم قام كل رجل منهم فيصلي ركعة فشفعها بالتي صلى مع الإمام ثم قام فصلّى ركعة ليس فيها قراءة فتمت للإمام ثلاث ركعات و للأوليين ركعتان في جماعة و للآخرين واحدة فصار للأولين التكبير و افتتاح الصلاة و للآخرين التسليم
و روى الشيخ عن زرارة و فضيل و محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر٧مثل ذلك و اختلف الأصحاب في الأفضلية فقيل إن الأول أفضل لكونه مرويا عن علي٧فيترجح للتأسي به و لأنه يستلزم فوز الفرقة الثانية بالقراءة و بالزيادة لتوازي فضيلة تكبيرة الافتتاح و التقدم و التقارب الفرقتين في إدراك الأركان و نسب هذا القول