ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٩٦
أعمى يؤذن بليل و يؤذن بلال حين يطلع الفجر فقال النبي٦إذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام و الشراب فقد أصبحتم و أما كون آخر وقت الإمساك ذهاب الحمرة المشرقية فهو المشهور بين الأصحاب فخالف فيه بعض الأصحاب و الأقرب عندي أن آخر وقت الإمساك غروب الشّمس و هو استتار القرص
و يدلّ عليه ما رواه الشيخ عن زرارة في الصّحيح قال قال أبو جعفر٧وقت المغرب إذا غاب القرص فإن رأيته بعد ذلك و قد صليت فأعدت الصلاة و مضى صومك و تكف عن الطّعام إن كنت قد أصبت فيه شيئا و روى الصّدوق عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر٧قال قال رسول اللّٰه إذا غاب القرص أفطر الصّائم و دخل وقت الصلاة
و روى الشيخ عن زرارة في الصّحيح قال سألت أبا جعفر٧عن وقت إفطار الصّائم قال حين تبدو ثلاثة أنجم و قال الرجل ظن أنّ الشّمس قد غابت فأفطر ثم أبصر الشّمس قال ليس عليه قضاء و ظاهر الصّدوقين العمل بمضمون الخبر من اعتبار رواية الأنجم قال في الفقيه قال أبي في رسالته إلي يحل لك الإفطار إذا بدت ثلاثة أنجم و هي تطلع مع غروب الشمس و هي رواية أبان عن زرارة عن أبي جعفر٧و طريق الصّدوقين إلى أبان صحيح و ذكر الشيخ بعد إيراد هذا الحديث ما تضمنه هذا الخبر من ظهور ثلاثة أنجم لا معتبر به و المراعى ما قدّمناه من سقوط القرص و علامته زوال الحمرة من ناحية المشرق و هذا كان يعتبره أصحاب أبي الخطاب لعنهم اللّٰه قال في المنتقى و نسبته ذلك إلى أصحاب أبي الخطاب وهم ظاهر لاستفاضة أحاديث أهل البيت٧بأرجحيّة التأخير إلى هذه الغاية و إن كان أصل الوقت يتحقق بسقوط القرص و المنسوب إلى أصحاب أبي الخطاب أنّهم كانوا يؤخرون المغرب إلى أن تشبّك النّجوم و بين الاشتباك و ظهور ثلاثة أنجم فرق بعيد انتهى و هو حسن
و بالجملة الظاهر عندي أن المغرب يتحقق بسقوط القرص و هو وقت الإفطار للصّحيحين المذكورتين و غيرهما و ما دل على اعتبار غيبوبة الحمرة محمول على الاستحباب جمعا بين الأدلّة و قد أشبعنا الكلام في هذا الباب في كتاب الصلاة
و يجب في الزمان المذكور الإمساك عن الأكل و الشرب المعتاد كالخبر و الفواكه و غيره أي غير المعتاد كالتراب و الحجر و الفحم و الخزف و البرد و ماء الشجر و الفواكه و ماء الورد أمّا وجوب الإمساك عن الأكل و الشرب المعتاد فلا خلاف فيه بين العلماء في كون فعلهما موجبا للقضاء و الكفارة و يدل عليه مضافا إلى الإجماع الآية و الأخبار و كذلك لا خلاف بين العلماء في كون فعلهما موجبا للقضاء و الكفارة
و يدلّ عليه مضافا إلى الإجماع و الأخبار الدّالة على وجوب الكفارة بالإفطار و أمّا غير المعتاد فاختلف فيه الأصحاب فالمشهور بينهم وجوب الإمساك عنه و وجوب القضاء و الكفّارة بفعله و نقل عن السّيد المرتضى أنّه قال الأشبه أنه ينقض الصّوم و لا يبطله و هو المنقول عن ابن الجنيد أيضا و نقل السّيد عن بعض أصحابنا أنه يوجب القضاء خاصة و نقل عن السيّد أنه قال في المسائل الناصرية لا خلاف فيما يصل إلى جوف الصّائم من جهة فمه إذا اعتمده أنه يفطره مثل الحصاة و الخزرة و ما لا يؤكل و لا يشرب و إنما خالف في ذلك الحسن بن صالح و قال إنه لا يفطر روي نحوه عن أبي طلحة و الإجماع متقدّم و متأخر عن هذا الخلاف فسقط حكمه
حجّة الأوّل أن تحريم الأكل و الشّرب يتناول المعتاد و غيره و أنّ الصوم إمساك عما يصل إلى الجوف و تناول هذه الأشياء ينافي الإمساك و يتوجّه إلى الأخير منع واضح و يمكن المناقشة في الأوّل أيضا بأن المفهوم منه المنع عن المعتاد و شموله لغير المعتاد غير ثابت
و يؤيد ذلك ما رواه الشيخ معلقا عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن جعفر عن أبيه عن آبائه٧أن عليّا٧سئل عن الذّباب يدخل في حلق الصّائم قال ليس عليه قضاء إنه ليس بطعام و توقف البراءة اليقينية من التكليف الثابت يقتضي وجوب الاجتناب عنه و لكن في ثبوت القضاء و الكفارة بفعله إشكال
حجة القول الآخر أن تحريم الأكل و الشرب إنما ينصرف إلى المعتاد فيبقى الباقي على أصل الإباحة و أجيب عنه بمنع الانصراف إلى المعتاد و دعوى العموم بالنّسبة إلى المعتاد و غيره و يجب الإمساك عن الجماع قبلا و دبرا حتى تغيب الحشفة أما وجوب الإمساك عن الجماع في القبل و كونه مفسدا للصوم موجبا للقضاء و الكفارة فلا خلاف فيه بين المسلمين و يدلّ عليه قوله تعالى فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا مٰا كَتَبَ اللّٰهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الآية و المستفاد منها على تقدير كون الغاية غاية للمجموع تحريم الجماع بعد التبيّن و يضاف إليه دعوى عدم القائل بالفصل حتى تدلّ على الإفساد المقتضي للقضاء و الكفارة
و يمكن المناقشة في كون الغاية غاية للمجموع و في عموم مفهوم الغاية و يدلّ عليه أيضا ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصّحيح قال سمعت أبا جعفر٧يقول ما يضرّ الصّائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال الطعام و الشراب و النساء و الارتماس في الماء و للمنازعة في دلالة الرواية على الإفساد طريق
و يدل على وجوب القضاء عموم ما دل على وجوب القضاء على من أفطر في شهر رمضان و على وجوب الكفارة صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج الآتية و كذا رواية حفص بن سوقة الآتية و أما الوطي في الدبر فإن كان مع الإنزال فلا أعرف خلافا بين العلماء في كونه حراما مفسدا للصوم موجبا للقضاء و الكفارة
و يدل عليه ما دل على أن الإنزال مفسد للصوم كما سيجيء و إن كان بدون الإنزال فالمعروف بين الأصحاب أنه كذلك حتى نقل الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة عليه و قال الشيخ في المبسوط بعد أن حكم بوجوب القضاء و الكفارة في الجماع مطلقا و قد روي أن الوطي في الدبر لا يوجب نقض الصوم إلا إذا أنزل معه و أن المفعول به لا ينقض صومه بحال و الأحوط الأول و هذا يدل على تردده في هذا الحكم
حجة الأول إطلاق النهي عن المباشرة في الآية الكريمة خرج من ذلك ما عد الوطي في القبل و الدبر فينبغي الباقي مندرجا تحت الإطلاق و متى ثبت التحريم كان مفسدا للصوم بالإجماع المركب فيثبت القضاء و الكفارة و يمكن المناقشة في كون الغاية في الآية للمجموع و في عموم مفهوم الغاية فيها و إثبات الإجماع المركب المذكور لا يخلو عن إشكال
و يؤيد هذا القول ما رواه الكليني و الشيخ عن عبد الرّحمن الحجاج في الصّحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني قال هل عليه الكفارة مثل ما على الذي يجامع إطلاق الحكم بترتب الكفارة على الذي يجامع يقتضي تعميم الحكم
و ما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير في الصحيح و الكليني عنه في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن حفص بن سوقة الثقة عمن ذكره عن أبي عبد اللّٰه٧في الرجل يلاعب أهله أو جاريته و هو في قضاء رمضان فيسبقه الماء فينزل قال عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع في شهر رمضان
و يدل عليه أيضا توقف اليقين بالبراءة من التكليف الثابت عليه لكن هذا الوجه يقتضي تحريمه لا وجوب القضاء و الكفارة لأنّهما بتكليف جديد إلا أن يثبت عدم القائل بالفصل و كان نظر الشيخ في التوقف في الحكم المذكور على ما رواه عن أحمد بن محمد في الصّحيح عن بعض الكوفيّين يرفعه إلى أبي عبد اللّٰه٧قال في الرّجل يأتي المرأة في دبرها و هي صائمة قال لا ينقض صومها و ليس عليها غسل
و عن عليّ بن الحكم في الصحيح عن رجل عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا أتى الرّجل المرأة في الدبر و هي صائمة لم ينقض صومها و ليس عليها غسل و الروايتان ضعيفتان للإرسال فيشكل التعويل عليهما قال الشيخ في التهذيب بعد نقل رواية علي بن الحكم هذا خبر غير معمول عليه و هو مقطوع الإسناد و المسألة محل تردد و إن كان للقول المشهور رجحان و المشهور بين الأصحاب أن وطي دبر الغلام أيضا مفسد للصوم و قد مر إشعار كلام الشيخ بتردده في الحكم بإفساد الوطي في الدبر مطلقا
و تردد في المعتبر في الإفساد بوطي الغلام و إن حرم ثم بناه على وجوب الغسل و قال قد بينا أن الوجوب أولى و استقرب ذلك في المختلف حيث قال الأقرب أن إفساد الصوم و إيجاب القضاء و الكفارة أحكام تابعة لإيجاب الغسل أو كل موضع قلنا بوجوب الغسل فيه وجب الأحكام الثلاثة أيضا و إلا فلا و قد سبق منه إيجاب الغسل في الوطي في الدبر
و احتج عليه في المختلف بأن الغسل واجب عليه و الغسل معلول للجناية و إذا حصل المعلول دل على وجود العلة فيلزم وجود المعلول الآخر و هذه الحجة بعد تسليم وجوب الغسل متوقف على أن حصول الجنابة بأيّ وجه كان مفسد؟؟؟ في ذلك مجال لعدم ما يدل عليه دلالة واضحة فيما أعلم نعم يؤيد هذا القول صحيحة عبد الرّحمن و رواية حفص بن سوقة و توقف البراءة اليقينية من التكليف بالصوم