ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٦٥٣
اللبث في الموقف من وقت ابتدائه مستحب فإنه لو دفع قبل الغروب ثم عاد إلى الموقف قبل الغروب أجزأه و ثانيهما أن الأفضل أن يقف إلى الغروب ثم يدفع في أول الليل و لا يقف بعده قال و كأنه قصد الثاني و هو أي الوقوف بعرفات
[و هو] ركن
من تركه عمدا بطل حجه لا أعرف خلافا في ذلك بين الأصحاب و في المنتهى أنه قول علماء الإسلام و استدلوا عليه بقول النبي٦الحج عرفة و بما رواه الكليني و الشيخ عنه عن الحلبي في الحسن عن أبي عبد اللّٰه٧قال قال رسول اللّٰه٦في الموقف ارتفعوا عن بطن عرنة و قال أصحاب الأراك لا حج لهم و ما رواه الشيخ عن أبي بصير قال قال أبو عبد اللّٰه٧إن أصحاب الأراك الذين ينزلون تحته لا حج لهم
وجه الاستدلال أن انتفاء الحج مع الوقوف بالأراك يقتضي انتفائه مع الوقوف أصلا بطريق أولى و أما ما رواه الشيخ عن ابن فضال عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه٧قال الوقوف بالمشعر فريضة و الوقوف بعرفة سنة فقال الشيخ في الإستبصار إن المعنى في هذا الخبر أن فرضه عرف من جهة السنة دون النص لظاهر القرآن و ما عرف فرضه من جهة السنة جاز أن يطلق عليه الاسم بأنه سنة و قد بينا ذلك في غير موضع و ليس كذلك الوقوف بالمشعر لأن فرضه علم بظاهر القرآن قال اللّٰه تعالى فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ و هو حسن و الركن ليس هو مجموع الوقوف من الزوال إلى غروب الشمس بل المسمى من الكون في هذا الزمان قائما أو جالسا راكبا أو ماشيا
و الظاهر أنه اتفاقي بينهم قال في المنتهى و لو أفاض قبل الغروب عمدا فقد فعل حراما و أجزأه بدم و صح حجه و به قال عامة أهل العلم إلا مالكا و قال مالك لا حج له و لا أعرف أحدا من فقهاء الأمصار قال بقول مالك و يدل على عدم بطلان الحج بذلك صحيحة ضريس و حسنة مسمع بن عبد الملك الآتيتان عن قريب
و كذا يبطل حجه لو كان ترك الكون في جميع المدة المذكورة سهوا و لم يقف بالمشعر و سيجيء تحقيق هذه المسألة فيما بعد
و يجب فيه
أي في الوقوف بعرفات النية و قد مر الكلام في النية مرارا فلا نحتاج إلى الإعادة هاهنا و اعتبر الأصحاب أن يكون بعد الزوال مقارنا بالوقوف الواجب
و الكون بها أي بعرفة إلى الغروب قد مر تحقيق هذا فلو أفاض قبله أي قبل الغروب جاهلا أو ناسيا أو عاد قبل الغروب فلا شيء أما ثبوت الحكم المذكور في الجاهل و الناسي فلا أعرف فيه خلافا بين الأصحاب و ظاهر المنتهى و التذكرة أنه موضع وفاق بين العلماء و يدل على عدم فساد الحج بذلك ما دل على عدم فساده بتعمده و أما عدم لزوم الكفارة
فيدل عليه مضافا إلى الأصل ما رواه الشيخ عن مسمع بن عبد الملك في الحسن عن أبي عبد اللّٰه٧في رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس قال إن كان جاهلا فلا شيء عليه و إن كان متعمدا فعليه بدنة و الرواية مختصة بالجاهل إلا أن الأصحاب لم يفرقوا بين الجاهل و الناسي و لو علم الناسي أو الجاهل وجب العود مع الإمكان فإن أخل به قيل إنه كالعامد في وجوب الكفارة و أما ثبوت الحكم المذكور في صورة المعاودة قبل الغروب فعلل بالأصل و بأنه لو لم يقف أولا ثم أتى قبل غروب الشمس و وقف حتى تغرب لم يجب عليه شيء و للتأمّل فيه مجال
و عامدا عليه بدنة فإن عجز صام ثمانية عشرة يوما لا أعلم خلافا بين الأصحاب في عدم بطلان الحج بذلك و أن عليه الكفارة و اختلف الأصحاب فيما يجب عليه من الكفارة فذهب الأكثر إلى أنه بدنة و عن ابني بابويه أنه شاة و الأول أقرب لما رواه الكليني و الشيخ عنه عن ضريس في الصحيح عن أبي جعفر٧قال سألته عن رجل أفاض من عرفات من قبل أن تغيب الشمس قال عليه بدنة ينحرها يوم النحر فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في أهله
و عن الحسن بن محبوب عن أبي عبد اللّٰه٧في رجل أفاض من عرفات قبل أن تغرب الشمس قال عليه بدنة فإن لم يقدر على بدنة صام ثمانية عشر يوما و هل يجب المتابعة في الصيام فيه قولان أجودهما العدم لإطلاق النص و لو لم يتمكن من الوقوف بعرفات نهارا وقف ليلا لا أعرف في هذا الحكم خلافا بين الأصحاب و يدل عليه ما رواه الشيخ عن الحلبي في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات فقال إن كان في محل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا فلا يتم حتى يأتي عرفات و إن قدم و قد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام فإن اللّٰه تعالى أعذر لعبده و قد تم حجه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس و قبل أن يفيض الناس فإن لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج فيجعلن عمرة مفردة و عليه الحج من قابل و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال كان رسول اللّٰه٦في سفر فإذا شيخ كبير فقال يا رسول اللّٰه٦ما تقول في رجل أدرك الإمام بجمع فقال له و إن ظن أنه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها و إن ظن أنه لا يأتيها حتى يفيض الناس من جمع فلا يأتيها و قد تم حجه
و ما رواه الصدوق عن معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال من أدرك جمعا فقد أدرك الحج و قال أيما قارن أو مفرد أو متمتع قدم و قد فاته الحج فليحل بعمرة و عليه الحج من قابل قال و قال في رجل أدرك الإمام و هو بجمع فقال إن ظن أنه يأتي عرفات فيقف بها قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها و إن ظن أنه لا يأتيها حتى يفيضوا فلا يأتيها و قد تم حجه
و روى الكليني هذا الحديث عن معاوية بن عمار بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم و الآخر قوي عندي عنه٧و في آخر المتن فلا يأتيها و ليقم بجمعها فقد تم حجه و ما رواه الشيخ عن إدريس بن عبد اللّٰه قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل أدرك الناس بجمع و خشي إن مضى إلى عرفات أن يفيض الناس من جمع قبل أن يدركها فقال إن ظن أنه يدرك الناس بجمع قبل طلوع الشمس فليأت عرفات و إن خشي أن لا يدرك جمعا فليقف بجمع ثم ليفض مع الناس و قد تم حجه و يستفاد من الروايات أن وجوب العود إنما يكون مع ظن الإدراك فلا يجب عند التردد بل يجب ترك الرجوع و هو المستفاد من كلام بعض الأصحاب
و احتمل الشهيد الثاني وجوب العود مع التردد و هو ضعيف و الواجب في الوجوب الاضطراري بعرفة مسمى الكون لا استيعاب الليل كما هو المستفاد من إطلاق الأخبار و نقل في التذكرة الإجماع عليه و قال في المنتهى لو لم يقف بعرفة نهارا و وقف بها ليلا أجزأه على ما بيناه و جاز له أن يدفع من عرفات أي وقت شاء بلا خلاف و أطلق الشيخ في الخلاف أن وقت الوجوب بعرفة من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم العيد و أورد عليه ابن إدريس بأن هذا مخالف لأقوال علمائنا و إنما هو قول لبعض المخالفين أورده الشيخ في كتابه إيراد الاعتقاد أو قال المصنف في المختلف
و التحقيق أن النزاع هنا لفظي فإن الشيخ قصد الوقت الاختياري و هو من زوال الشمس إلى غروبها و الاضطراري و هو من الزوال إلى طلوع الفجر فتوهم ابن إدريس أن الشيخ قصد بذلك الوقت الاختياري فأخطأ في اعتقاده و نسب الشيخ إلى بعض المخالفين مع أن الشيخ أعظم المجتهدين و أكبرهم و لا ريب في تحريم التقليد من المجتهدين فكيف المخالف الذي يعتقد المقلد أنه مخطئ و هل هذا إلا جهالة منه و اجتراء على الشيخ
و لو فاته أي الوقوف بعرفات بالكلية جاهلا أو ناسيا أو مضطرا أجزأه المشعر لا أعرف خلافا في هذا الحكم بين الأصحاب و يدل عليه الأخبار المذكورة في المسألة السابقة
و يستحب
الوقوف في الميسرة في السفح و الظاهر أن المراد ميسرته بالإضافة إلى القادم إليه من مكة كما صرح به بعض الأصحاب و سفح الجبل أسفله حيث يسفح فيه الماء و هو على مضجعه على ما قاله الجوهري و في الدروس قال السفح عرض الجبل المرتفع أو أصله أو أسفله و استحباب ما ذكر مشهور بين الأصحاب
و قال ابن إدريس الوقوف بميسرة الجبل أفضل من غيره و ليس ذلك بواجب بل الواجب الوقوف بسفح الجبل و لو قليلا بعد الزوال و أما الدعاء و الصلاة في ذلك الموضع فمندوب غير واجب و إنما الواجب الوقوف و لو قليلا و يدل على استحباب الوقوف في الميسرة ما رواه الكليني عن معاوية بن عمار بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم و الآخر قوي عندي عن أبي عبد اللّٰه٧قال قف في ميسرة الجبل فإن رسول اللّٰه٦وقف بعرفات في ميسرة الجبل