ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٠٩
المقصد فإن لم يبلغها أتم من الأخير إلى منتهى المقصد و إن بلغها ذاهبا و عائدا بتلك الطريق أو طريق آخر أبعد منه قال الشارح الفاضل يتم أيضا و لي فيه إشكال
و اعلم أن منتهى السفر بين الموطنين على تقدير بلوغ الطريق المسافة حدود الوطن و يتحقق بالوصول إلى موضع سماع الأذان و ظهور الجدران على المشهور بين المتأخرين و كذا مبدأ السفر عند الخروج منه
و أما موضع نية الإقامة عند تقدم النية على الوصول إليه فهل يلحق بالوطن فيتم إذا تعدى موضع الخفاء فيه وجهان نظرا إلى أنه في حكم الوطن في كثير من الأحكام و حدود الوطن في حكم الوطن و إلى أنه لو رجع عن نية الإقامة قبل الصلاة تماما يرجع إلى القصر و إن بقي فيها أياما فلا يكون له حكم البلد من كل وجه و الظاهر أنه يقصر إلى أن يصلي إلى البلد و ينوي الإقامة فيه لصدق المسافر عليه و ترتب حكم الإتمام في الأخبار على دخول البلد و نية الإقامة و مفهوم انتفائه بدونه و لو أقام فيها ثم أراد الخروج فالظاهر أنه بحكم البلد في اعتبار الخفاء في مبدإ التقصير لعموم ما دل على اعتبار الأمر المذكور كما سيجيء
الشرط الرابع من شروط التقصير كون السفر سائغا فلا يرخص العاصي بسفره لا خلاف بين الأصحاب في أن جواز السفر شرط في جواز التقصير سواء كان السفر واجبا كحجة الإسلام أو مندوبا كزيارة النبي و الأئمّة٧أو مباحا كأسفار التجارات و لو كان معصية لم يقصر كاتباع الجائر و صيد اللهو و السفر في ضرر المسلمين و الفساد في الأرض و قد حكى اتفاق الأصحاب على ذلك جماعة من الأصحاب منهم الفاضلان و يدل عليه ما رواه ابن بابويه عن عمار بن مروان في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال سمعته يقول من سافر قصر و أفطر إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد أو في معصية اللّٰه تعالى أو رسولا لمن يعصي اللّٰه عز و جل أو طلب عدو و شحناء أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين
و ما رواه الشيخ عن عبيد بن زرارة في الموثق قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الرجل يخرج إلى الصيد أ يقصر أم يتم قال يتم لأنه ليس بمسير حق و عن أبي سعيد الخراساني قال دخل رجلان على أبي الحسن٧بخراسان فسألاه عن التقصير فقال لأحدهما وجب عليك التقصير لأنك قصدتني و قال للآخر وجب عليك الإتمام لأنك قصدت السلطان
و عن إسماعيل بن أبي زياد في الضعيف عن جعفر عن أبيه ٨ قال سبعة لا يقصرون الصلاة الجابي يدور في جابيته و الأمير الذي يدور في أمارته و التاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق و الراعي و البدوي الذي يطلب مواضع القطر و منبت الشجر و الرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا و المحارب الذي يقطع السبيل
و عن ابن بكير في الضعيف قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الرجل اليوم و اليومين و الثلاثة أ يقصر الصلاة قال لا إلا أن يشيع الرجل أخاه من الدين و أن التصييد مسير باطل لا يقصر الصلاة فيه و قال يقصر إذا شيع أخاه و عن ابن بكير بإسناد فيه إرسال نحوه و عن عمران بن محمد العمران القمي في الصحيح عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه٧قال قلت له الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين يقصر أو يتم قال إن خرج لقوته و قوت عياله فليفطر و يقصر و إن خرج لطلب الفضول فلا و لا كرامة
و عن زرارة بإسناد ظاهره أنه صحيح عن أبي جعفر٧قال سألته عمن يخرج من أهله بالصقور و البزاة و الكلاب مسيرة الليلة و الليلتين و الثلاثة هل يقصر من صلاته أم لا يقصر قال إنما خرج في لهو لا يقصر قلت الرجل يشيع أخاه اليوم و اليومين في شهر رمضان قال يفطر و يقصر فإن ذلك حق عليه
و عن حماد بن عثمان بإسناد فيه محمد بن يحيى الخثعمي و لم يوثق في كتاب الرجال لكن له كتاب يرويه محمد بن أبي عمير و هذا يدل على حسن حاله عن أبي عبد اللّٰه٧في قول اللّٰه عز و جل فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ قال الباغي باغ الصيد و العادي السارق ليس لهما أن يأكلا الميّتة إذا اضطر إليها هي حرام عليهما ليس هي عليهما كما هي على المسلمين و ليس لهما أن يقصرا في الصلاة و عن حماد بن عثمان بطريق آخر نحوه
و عن عبيد بن زرارة في الموثق قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الرجل يخرج إلى الصيد أ يقصر أم يتم قال يتم لأنه ليس بمسير حق و عن عبد العظيم بن عبد اللّٰه الحسني عن أبي جعفر محمد بن علي الرضا٧في جملة حديث قال عبد العظيم فقلت له يا ابن رسول اللّٰه فما معنى قوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ قال العادي السارق و الباغي الذي يبغي الصيد بطرا و لهوا إلا ليعود به على عياله ليس لهما أن يأكلا الميّتة إذا اضطرا هي حرام عليهما في حال الاضطرار كما هي حرام عليهما في حال الاختيار و ليس لهما أن يقصرا في صوم و لا صلاة في سفر
و اعلم أن المستفاد من عموم صحيحة عمار و ظاهر التعليل المذكور في موثقة عبيد عموم الحكم بالنسبة إلى كل سفر حرام سواء كانت غايته معصية كقاصد قطع الطريق أو قتل مسلم أو إضرار بقوم مسلمين و كالمرأة و العبد القاصدين بسفرهما النشوز و الإباق أو كان سفره معصية و إن لم يكن غايته معصية كالفار من الزحف و تارك الجمعة بعد وجوبها و السالك طريقا يغلب على الظن الهلاك فيه و إن كان لغاية حسنه في نفسها كالحج و الزيارات و نحو ذلك و كذا إطلاقات كلام الأصحاب يقتضي التعميم المذكور
و قال الشارح الفاضل أن الأصحاب عدوا هذه الأفراد ثم قال و إدخال هذه الأفراد يقتضي المنع من ترخص كل تارك للواجب من سفره لاشتراكهما في العلة الموجبة لعدم الترخص إذ الغاية مباحة فإنه المفروض و إنما عرض العصيان بسبب ترك الواجب فلا فرق حينئذ بين استلزام سفر التجارة ترك صلاة الجمعة و نحوها و بين استلزامه ترك غيرها كتعلم العلم الواجب عينا أو كفاية بل الأمر في هذه الوجوب أقوى و هذا يقتضي عدم الترخص إلا لأوحدي الناس لكن الموجود من النصوص في ذلك لا يدل على إدخال هذا القسم و لا على مطلق العاصي و إنما دل على السفر الذي غايته المعصية
و فيه نظر لما عرفت من دلالة بعض النصوص على تعميم الحكم و عدم اختصاصها بما ذكره و إن كان بعضها يختص به مع أن ما ذكره من لزوم اختصاص الرخصة المذكورة بالأوحدي من الناس في معرض المنع لأن العلوم التي يجب تعلمها على الجمهور قليل تحصل لكثير من الناس في كثير من الأعصار فإن معرفته دقائق العلوم و التفاريع الفقهية و المسائل التي قد يقع الاحتياج إليها ليس بواجب على جمهور العوام و الخواص و معرفة القدر القليل و لو بالتقليد غير نادر و كثيرا ما تنتفي المضادة بين السفر و التعلم مع أن ما ذكره إنما يتوقف على القول باستلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص كما هو التحقيق لكنه ره لا يقول بذلك مع أن استبعاد اختصاص التقصير بالأوحدي ليس أكثر من استبعاد اختصاص عدم الفسق بالأوحدي و هو لازم عليه فيما يقول
و اعلم أنه لو رجع المسافر العاصي عن المعصية في أثناء السفر يقصر إن كان الباقي مسافة و الظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأصحاب و لو قصد المعصية في أثناء السفر المباح انقطع ترخيصه و لا أعلم فيه خلافا بين الأصحاب و لو عاد إلى الطاعة قصر
و هل يعتبر كون الباقي مسافة قيل نعم و به حكم المصنف في القواعد لبطلان المسافة الأولى بقصد المعصية و قيل لا و هو ظاهر المصنف في المنتهى و المحقق في المعتبر و به قطع الشهيد في الذكرى و هو حسن لأن المانع من التقصير إنما كان المعصية و قد زالت و يدل عليه ما رواه الشيخ عن بعض أهل العسكر قال خرج عن أبي الحسن٧أن صاحب الصيد يقصر ما دام على الجادة فإذا عدل عن الجادة أتم فإذا رجع إليها قصر
و الصائد لتجارة يقصر في صلاته و صومه على رأي لا خلاف بين الأصحاب في أن الصائد لقوته و قوت عياله يقصر و قد مر بعض الأخبار الدالة عليه مضافا إلى أدلة حكم التقصير و عدم المانع و المعارض و أما الصائد للتجارة فقد اختلف الأصحاب فيه فذهب المرتضى و جماعة من الأصحاب منهم الفاضلان إلى أنه يقصر
و ذهب جماعة من الأصحاب منهم الشيخ في النهاية و المبسوط إلى أنه يتم صلاته دون صومه و نقل ابن إدريس الإجماع على أنه يتم الصلاة قال في المعتبر بعد نقل قول الشيخ و نحن نطالبه بدلالة الفرق و نقول إن كان مباحا قصر فيهما و الأقرب الأول نظرا إلى عموم أدلة التقصير و انتفاء المانع و ما رواه الشيخ عن معاوية بن وهب في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا قصرت أفطرت و إذا أفطرت قصرت
الشرط الخامس من شروط وجوب التقصير عدم زيادة السفر على الحضر كالمكاري و الملاح و طالب القطر و النبت كالبدوي و طالب الأسواق و هو التاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق و مثله الذي يذكر إلى السوق الواحد من غير إقامة و البريد و هو الرسول المعد للرسالة المشهور بين الأصحاب وجوب على المسافر الذي كان سفره أكثر من حضره كالمكاري و الملاح و هذا التعبير شائع في ألسنة الفقهاء و لعل المراد من كان عمله و ضاعته في السفر
و المحقق في المعتبر عبر عن هذا الشرط بقوله و أن لا يكون ممن يلزمه الإتمام سفرا و نقل التعبير السابق عن المفيد و أتباعه و رجح ما ذكره على هذا و قد وقع في كلام المتأخرين البحث عن الترجيح أحد التعبيرين على الآخر و ليس في ذلك فائدة يعتد بها و ظاهر ابن أبي عقيل القول بوجوب التقصير على كل مسافر و الأول أقرب لما رواه الكليني عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما٧قال ليس على الملاحين في سفينتهم تقصير و على المكاري و الجمال و رواه الشيخ بإسناد فيه توقف و عن هشام بن الحكم بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه٧قال المكاري و الجمال الذي