ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣١٢
مختار المحقق و مال إليه الشهيدان
لنا ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن سنان في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك و يخطب في الظل الأول فيقول جبرئيل يا محمد قد زالت الشمس فانزل فصل
وجه الاستدلال أن المستفاد من قوله الظل الأول ما كان قبل حدوث الفيء بقرينة قول جبرئيل يا محمد قد زالت الشمس فانزل و تحديد الزوال في أول الخبر بقدر شراك بناء على أنه مقدار قليل لا يكاد يحصل العلم اليقيني بالزوال قبل ذلك و قد يقال إن الظل لا يطلق على الفيء الحادث حقيقة و هو المنقول عن جماعة من أهل اللغة و على هذا يقوى الاستدلال لكن ذلك لم يثبت عندي
و أجيب عن هذا الدليل بأن الأوليّة أمر إضافي يختلف باختلاف المضاف إليه فيمكن أن يراد به أول الظل و هو الفيء الحاصل بعد الزوال بغير فصل كما يدل عليه قوله٧إن رسول اللّٰه٦كان يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك فإن إدراكه٧بالصلاة بعد زوال الشمس عن دائرة نصف النهار قدر شراك يستدعي وقوع الخطبة أو شيء منها بعد الزوال و يكون معنى قول جبرئيل٧يا محمد قد زالت الشمس فانزل و صل أنها قد زالت قدر الشراك فانزل و صل و فيه عدول عن الظاهر
و أجاب المصنف في المختلف بالمنع من دلالة الخبر على صورة النزاع لاحتمال أن يكون المراد بالظل الأول هو الفيء الزائد على ظلّ القياس فإذا انتهى في الزيادة إلى محاذاة الظل الأول و هو أن يصير ظل كل شيء مثله و هو الظل الأول نزل فصلى بالناس و يصدق عليه أن الشمس قد زالت حينئذ لأنها قد زالت عن الظل الأول و فيه بعد و عدول عن الظاهر جدا مع استلزامه وقوع الجمعة بعد وقتها عند المصنف و صيرورة ظل كل شيء مثله
و لنا أيضا الأخبار الكثيرة الدالة على أن أول صلاة الجمعة أول الزوال و هو يقتضي جواز إيقاع الخطبة قبل الزوال و قد مر طرف من تلك الأخبار عند شرح قول المصنف و وقتها عند زوال الشمس
و احتج الشيخ بإجماع الفرقة أيضا و هو أعلم بما ادعاه احتج المانعون بقوله تعالى إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ أوجب السعي بعد النداء الذي هو الأذان فلا يجب قبله و بما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال سألته عن الجمعة فقال أذان و إقامة يخرج الإمام بعد الأذان فيصعد المنبر فيخطب و لا يصلّي الناس ما دام الإمام على المنبر ثم يقعد الإمام على المنبر قدر ما يقرأ قل هو اللّٰه ثم يقوم فيفتح خطبة ثم ينزل فيصلّي بالناس يقرأ بهم في الركعة الأولى بالجمعة و في الثانية بالمنافقين و بأن الخطبتين بدل من الركعتين فكما لا يجوز إيقاع المبدل قبل الزوال فكذا البدل و بأنه يستحب صلاة ركعتين عند الزوال و إنما يكون ذلك إذا وقعت الخطبة بعده
و الجواب عن الأول أنه موقوف على عدم جواز الأذان يوم الجمعة قبل الزوال و هو ممنوع لا يقال قد مر سابقا أن عدم جواز إيقاع الأذان قبل دخول وقت الصلاة اتفاقي بين علماء الإسلام
لأنا نقول الخطبتان بمنزلة بعض الصلاة فإذا دخل وقت الخطبتين فكأنه دخل وقت الصلاة و بالجملة القدر المسلم حصول الاتفاق على عدم جواز الأذان قبل وقت الخطبتين لا وقت الصلاة على أن هذا لازم على المانعين أيضا إذ على قولهم وقت الصلاة بعد الزوال بمقدار الخطبتين فإذا جاز الأذان في أول الزوال يلزم جوازه قبل دخول وقت الصلاة و بما ذكرناه يعلم الجواب عن الثاني على أن الخبر غير دال على وجوب ما اشتمل عليه بقرينة ذكر ما لا خلاف في استحبابه و أما الأخيران فضعفهما ظاهر لا يحتاج إلى الإطالة
و يجب الفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة على المشهور بين الأصحاب و استشكل المصنف في المنتهى و تردد المحقق في المعتبر قال وجه الوجوب فعل النبي٦و أئمة الجمع بعده و لما روي عن أهل البيت٧من طرق أحدها رواية معاوية بن وهب التي سلفت عن أبي عبد اللّٰه٧قال يخطب و هو قائم ثم يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها و وجه الاستحباب أنه فصل بين ذكرين جعل للاستراحة فلا يتحقق فيه معنى الوجوب و لأن فعل النبي٦كما يحتمل أن يكون تكليفا يحتمل أنه للاستراحة و ليس فيه معه التعبد و لأنا لا نعلم الوجه الذي أوقعه عليه فلا يجب المتابعة انتهى كلامه و الكلام في وجوب الطمأنينة فيه كما في وجوب الجلوس و الأولى السكوت في حال الجلوس لرواية معاوية بن وهب السابقة عند شرح قول المصنف و الخطبتان من قيام و يحتمل أن يكون المراد بقوله لا يتكلم فيها النهي عن التكلم بشيء من الخطبة حالة الجلوس
و يستحب أن يكون الجلسة بقدر قراءة قل هو اللّٰه أحد لحسنة محمد بن مسلم السابقة في المسألة المتقدمة و ذكر المصنف و غيره أنه لو عجز عن القيام في الخطبتين فصل بينهما بسكتة و هو غير بعيد و احتمل في التذكرة الفصل بينهما بالاضطجاع و هو بعيد
و يجب رفع صوته حتى يسمع العدد المعتبر فصاعدا و تردد فيه المحقق في الشرائع و هو في موقعه و وجهه أصالة عدم الوجوب و أن الغرض من الخطبة لا يحصل بدون الاستماع و يؤيده فعل النبي و الأئمّة٧و توقف البراءة اليقينية عليه و لو حصل مانع سقط الوجوب و احتمل بعضهم سقوط الصلاة حينئذ لعدم سقوط التعبد بالصلاة على هذا الوجه و فيه تأمّل
و لو صليت الجمعة فرادى لم تصح و قد مر ما يدل عليه سابقا و لو اتفقت جمعتان بينهما أقل من فرسخ بطلتا إن اقترنتا لامتناع الحكم بصحتهما و لا أولوية لأحدهما فيكون البطلان ثابتا لهما و تجب عليهما الجمعة مجتمعين أو متفرقين بما يجوز معه التعدد إن بقي الوقت و يتحقق الاقتران باستوائهما في التكبير عند علمائنا و أكثر العامة و الروايات التي هي الأصل في هذا الحكم غير ناهضة بإثبات هذا التحديد فإذن التعويل على الإجماع إن ثبت و هل المعتبر أول التكبير أو آخره و المجموع فيه أوجه و بالأوسط صرح المصنف في النهاية و اعتبر بعض العامة الشروع بالخطبة لقيامها مقام ركعتين
و قال بعضهم يعتبر بالفراغ فإن تساويا فيه بطلتا و إن سبقت إحداهما بالتسليم صحّت دون الأخرى و إطلاق كلام الأصحاب و صريح بعضهم يقتضي عدم الفرق بين ما إذا علم كل فريق بالإحرام لا مع حصول العلم بالاقتران بعد الفراغ و يشكل بأن الإتيان بالمأمور به ثابت لكل من الفريقين لاستحالة التكليف بالغافل و عدم ثبوت شرطية الوحدة على هذا الوجه
و بالجملة ليس للروايات التي هي مستند الحكم دلالة واضحة على انسحاب الحكم في الصورة المذكورة إلا بتكلف بأن يقال محصل قوله٧و لا يكون بين الجماعتين أقل من ثلاثة أميال يرجع إلى أنه لا يتحقق بين جماعتين صحيحتين في الجمعة أقل من هذا المقدار و حمل الخبر على ظاهره من معنى النفي أولى من حمله على النهي و على هذا يلزم بطلان الجمعتين إذا كان بينهما أقل من هذا المقدار مطلقا بمقتضى الخبر و على هذا لا يبعد ثبوت الاقتران بشاهدين عدلين إذا كانا في مكان يسمعان التكبيرين كما صرح به بعض المتأخرين و لا حاجة إلى اعتبار الفرقة الإمامين في تساوي الإذن من الإمام على ما سبق تحقيقه
و إلا اللاحقة لسبق انعقاد الأولى و استجماعها لشرائط الصحة فإن مخالفة الوحدة الواجبة إنما نشأت من الفرقة اللاحقة و قال في التذكرة إن صحة السابقة و بطلان اللاحقة مذهب علمائنا أجمع و حينئذ يجب على اللاحقة إعادة الظهر إن لم يدرك الجمعة مع الفرقة الأولى أو التباعد بما يصح معه التعدد و اعتبر الشارح الفاضل في صحة السابقة عدم علم كل من الفريقين بصلاة الأخرى و إلا لم يصح صلاة كل منهما للنهي عن الانفراد بالصلاة عن الأخرى المقتضي للفساد و لقائل أن يمنع تعلق النهي بالسابقة فإن النهي إنما وقع عن التعدد و هو غير حاصل من السابقة فإن الشيء إنما يستند إلى العلّة المستقلة أو الجزء الأخير منها الذي لا ينفك المعلول عنه و ليست السابقة كذلك نعم يمكن أن يعتبر في صحة السابقة العلم بالسبق أو الظن عند تعذر العلم بأن يعلم أو يظن انتفاء جمعة أخرى مقارنة لها أو سابقة عليها إذ مع احتمال السبق و عدمه لا يحصل العلم بامتثال التكليف
لا يقال هذا مبني على أن النهي عن الشيء هل يقتضي الاجتناب عما يشك في كونه فردا له أم لا و على الأول صح اعتبار العلم أو الظن المذكور لأن النهي إنما وقع عن الصلاة اللاحقة و المقارنة فيجب التحرز عما جاز فيه أحد الأمرين
و على الثاني يكفي في صحة الصلاة عدم العلم بكونها لاحقة أو مقارنة مع أن الراجح الأخيرة لأنا نقول المستند في اعتبار العلم أو الظن المذكور حصول الأمر بجمعة لا تكون مقارنة أو لاحقة فإنه إذا ورد الأمر بالجمعة ثم ورد النهي عن الجمعة المقارنة و اللاحقة يلزم منه تخصيص الأمر المذكور أولا بجمعة لا يكون مقارنة و لا لاحقة و امتثال هذا التكليف يستدعي العلم أو الظن بانتفاء الوصفين و ليس المستند مجرد النهي عن الجمعة المقارنة و اللاحقة حتى ينسحب فيه التفصيل المذكور تأمّل فإن فيه دقة
و الظاهر أن المستفاد من الأخبار