ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٧٤
فقال لا لكلّ سورة ركعة و عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه٧قال لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة و لا بأكثر و يؤيّده ما رواه عن عمر بن يزيد قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧أقرأ سورتين في ركعة قال نعم قلت أ ليس يقال أعط كلّ سورة حقها من الركوع و السجود فقال ذلك في الفريضة فأما النّافلة فليس به بأس و أن الصّلاة المأتي بها بيانا من النبي٦لا يخلو عن أحد الأمرين من الوحدة أو التعدد لا محالة و أيّهما كان تعين وجوبه و لما كان وجوب التّعدد منفيا يلزم وجوب الوحدة و فيه نظر لأن هذه الرّوايات يجب حملها على الاستحباب جمعا بينها و بين ما دل على الجواز كما سيأتي و اشتمال صلاة النّبي٦على شيء لا يقتضي تعين وجوب ذلك الشيء على ما أومأنا إليه مرارا
احتج القائلون بالاستحباب بما رواه الشيخ في الصّحيح عن علي بن يقطين قال سألت أبا الحسن٧عن القران بين السّورتين في المكتوبة و النّافلة قال لا بأس و في الصّحيح عن ابن بكير عن زرارة قال قال أبو جعفر٧إنما يكره أن يجمع بين السورتين في الفريضة و أما النّافلة فلا بأس
و التحقيق أنه وقع التعارض بين الأخبار و يمكن الجمع بينها بوجهين أحدهما حمل أخبار المنع على الاستحباب و ثانيهما حمل أخبار الجواز على التقية و لعلّ للأول ترجيح ما و العمل بالاحتياط أولى و أما الاستدلال على بطلان الصلاة بأن القارن غير آت بالمأمور به على وجهه فيبقى في عهدة التكليف فلتأمّل فيه مجال
قال الشارح الفاضل و يتحقق القران بقراءة أزيد من سورة و إن لم يكمل الثّانية بل بتكرر السورة الواحدة أو بعضها و مثله تكرار الحمد و فيه نظر لأنه ينافي تجويزهم العدول من سورة إلى أخرى ما لم يتجاوز النصف من غير خلاف ظاهر فيه و أيضا كثير من الرّوايات يدل على جواز قراءة أكثر من سورة و قد مرّ نبذة من ذلك
و أمّا رواية منصور بن حازم فغير نقي السند قال بعض الأصحاب و كيف كان فموضع الخلاف قراءة الزائد على أنه جزء من القراءة المعتبرة في الصّلاة إذ الظاهر أنه لا خلاف في جواز القنوت ببعض الآيات و إجابة المسلم بلفظ القرآن و الإذن للمستأذن بقوله ادْخُلُوهٰا بِسَلٰامٍ و نحو ذلك و اعلم أن محل الخلاف فريضة و أما النافلة فلا خلاف في جواز القران
و يدل على ذلك رواية زرارة السّابقة و غيرها من الرّوايات منها ما رواه الشيخ بإسناد معتبر عن عبد اللّٰه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه٧قال لا بأس أن تجمع في النافلة من السّور ما شئت و عن محمد بن القاسم قال سألت عبدا صالحا٧هل يجوز أن يقرأ في صلاة اللّيل بالسورتين و الثلاث فقال ما كان من صلاة الليل فاقرأ بالسورتين و الثلاث و ما كان من صلاة النهار فلا تقرأ إلا بسورة سورة و فيه دلالة على رجحان ترك القران في النافلة النّهارية و استثني من الفريضة في الحكم الّذي ذكر صلاة الكسوف لما سيجيء من تعدد السورة فيها
و يجب الجهر بالقراءة في الصّبح و أوليي المغرب و أوليي العشاء و الإخفات في البواقي و هي الظهران مطلقا و أخيرة المغرب و أخيرتا العشاء المشهور بين الأصحاب ما ذكره المصنّف و أنه يبطل الصّلاة بتركه عالما عامدا و نقل الإجماع عليه الشيخ في الخلاف و ابن زهرة في الغنية و المنقول عن السيّد المرتضى ره أنه من وكيد السّنن و عن ابن الجنيد و القول باستحبابهما و قال ابن إدريس لا خلاف بيننا في أن الصّلاة الإخفاتية لا يجوز الجهر فيها بالقراءة مع أنه قال في موضع آخر
و الجهر فيما يجب الجهر فيه واجب على الصّحيح من المذهب و نقل الخلاف فيه عن السّيد حجة المشهور ما رواه الشيخ و ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر٧في رجل جهر فيما لا ينبغي الجهر فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه فقال أي ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته و عليه الإعادة و إن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شيء عليه و قد تمت صلاته
و الاستدلال بهذا الخبر على تفصيل مواضع الجهر و الإخفات بمعونة أن المذكور من المواضع التي لا ينبغي الإجهار فيها و الّتي لا ينبغي الإخفاء فيها معلوم من خارج بغير نزاع و أن النبي٦كان يداوم على هذا فيجب للأمر بالتأسي أو لكونه بيانا للمجمل و يرد عليه أن الرّواية معارضة بالرّواية الآتية و مداومة النّبي٦لا يقتضي الوجوب كما ذكرناه مرارا
حجة القول الآخر ما رواه الشيخ في الصّحيح عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى٧قال سألته عن الرّجل يصلّي الفريضة ما يجهر فيه بالقراءة هل عليه أن لا يجهر قال إن شاء جهر و إن شاء لم يجهر قوله هل عليه أن لا يجهر معناه هل عليه في ذلك من حرج أم لا و حملها الشيخ على التقية لموافقتها لمذهب العامة قال المحقق في المعتبر و هو تحكم من الشيخ فإن بعض الأصحاب لا يرى وجوب الجهر بل يستحبّه مؤكدا و حملها بعضهم على الجهر العالي و هو بعيد و المسألة محل إشكال لوقوع التعارض بين الخبرين مع صحة إسنادهما
و يمكن الجمع بينهما بوجهين أحدهما حمل الخبر الأول على الاستحباب بأن يجعل نقص بالصاد المهملة لعدم الانضباط في أمثال ذلك أو يجعل بالضّاد المعجمة و يكون ذلك مبنيّا على تأكد الاستحباب و كذا الأمر بالإعادة
و ثانيهما حمل الخبر الثاني على التقية و يرجحه شهرة مدلول الخبر الأول بين الأصحاب و مخالفته للعامة و يؤيّده ما رواه ابن بابويه في الفقيه بإسناد معتبر عن ابن أبي عمير عن محمد بن حمران أنه سأل أبا عبد اللّٰه٧فقال لأي علة تجهر في صلاة الجمعة و صلاة المغرب و صلاة العشاء الآخرة و صلاة الغداة و سائر الصلوات الظهر و العصر لا يجهر فيهما لأن النبي٦قال لما أسري به إلى السّماء كان أوّل صلاة فرض اللّٰه عليه الظهر يوم الجمعة فأضاف اللّٰه عزّ و جل إليه الملائكة تصلّي خلفه و أمر نبيّه٦أن يجهر بالقراءة ليبيّن لهم فضله ثم فرض عليه العصر و لم يضف إليه أحدا من الملائكة و أمر أن يخفى القراءة لأنه لم يكن وراءه أحد ثم فرض عليه المغرب و أضاف إليه الملائكة فأمره بالإجهار و كذلك العشاء الآخرة فلما كان قرب الفجر نزل ففرض اللّٰه عزّ و جل عليه أنه الفجر فأمره بالإجهار ليبيّن للنّاس فضله و كماله كما بين الملائكة فلهذه العلّة يجهر فيها
و أورده في كتاب العلل بإسناد أخرى و بإسناده عن الفضل بن شاذان في ذكر العلّة التي من أجلها جعل الجهر في بعض الصّلوات دون بعض الصلوات التي يجهر فيها إنما هو في أوقات مظلمة فوجب أن يجهر فيها ليعلم المار أن هناك جماعة فإن أراد أن يصلّي صلى لأنه إن لم ير جماعة علم ذلك من جهة السّماع و الصّلاتان اللّتان لا يجهر فيهما إنما هما بالنّهار في أوقات فريضة فهي تعلم من جهة الرؤية فلا يحتاج فيها إلى السماع
و يرجح الأول وضوح دلالة الخبر الثاني على التوسعة و علوّ إسناده و اعتضاده بظاهر القرآن قال اللّٰه تعالى وَ لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ وَ لٰا تُخٰافِتْ بِهٰا وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلًا إذ ليس المراد و اللّٰه تعالى أعلم النّهي عن حقيقة الإجهار و الإخفات إذ لا واسطة بينهما بل المراد بها النّهي عن الجهر العالي و الإخفات الشّديد و الآخر بالمتوسّط بينهما و هو شامل للجهر و الإخفات بالمعنى الّذي هو محلّ البحث و الآية و إن قيل في تفسيرها وجوه متكثرة لكن الترجيح لما ذكرنا فمن تلك الوجوه أن المعنى لا تجهر بإشاعة صلاتك عند من يؤذيك و لا تخافت بها عند من يلتمسها منك
و منها لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ وَ لٰا تُخٰافِتْ بِهٰا كلّها وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ بأن تجهر في صلاة الليل و تخافت في صلاة النهار و منها أن يكون المراد بالصّلاة الدّعاء و منها أن يكون خطابا لكل واحد من المكلفين أو من إيّاك أعني و اسمعي يا جارة أي لا تعلنها إعلانا يوهم الرّياء و لا تسترها بحيث يظن بك تركها و إنما قلنا برجحان المعنى الذي ذكرناه لنحو بعد في المعاني الآخر
أمّا الأول و الرّابع فإن الإجهار و الإخفات صفتان يعتقبان القراءة و استعمالهما في غيرهما على ضرب من التوسّع كما أومأ إليه صاحب الكشاف و يستفاد من كلام أهل اللّغة أن الإخفات مخصوص بالألفاظ حقيقة فيقع التردد بين حذف المضاف و القرينة عليه ما ذكر و ارتكاب المجاز في إطلاق لفظ الإخفات و ليس للثاني ترجيح فإن قلنا بترجيح الأول فذاك و إن تمسكنا في ترجيحه بما سيجيء من الخبرين
و أما الثاني فلأن الظاهر أن متعلق النهي فيهما واحد مع أن هذا المعنى يستلزم الإجمال و البيان يرجح عليه و أما الثالث فلأن الآية على هذا المعنى ينافي قوله تعالى ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً و ما يدّعى من النسخ لم يثبت مع كونه خلاف الأصل على أن دعوى تبادر الأركان المخصوصة عن لفظ الصّلاة غير بعيد
و يرجّح ما ذكرناه ما رواه الشيخ بإسناد معتبر عن سماعة قال سألته عن قول اللّٰه عزّ و جلّ و لا تجهر بصلاتك و لا تخافت بها قال المخافتة ما دون سمعك و الجهر أن ترفع صوتك شديدا
و روى الكليني بإسناد فيه شيء عن عبد اللّٰه ابن سنان قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧على الإمام أن يسمع من خلفه و إن كثروا فقال ليقرأ قراءة وسطا يقول اللّٰه تبارك و تعالى وَ لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ وَ لٰا تُخٰافِتْ بِهٰا و بهذه الرّواية و ظاهر الرّواية الأولى يرتفع احتمال الاختصاص بالنبي٦و مما يؤيد عدم وجوب الجهر و الإخفات ظاهر قول الإمام٧في صحيحة محمد بن مسلم السّالفة لا صلاة إلا أن يقرأ بها في جهر أو إخفات و حملها على أن المراد لا صلاة إلا أن يقرأ بها سواء كان في صلاة جهرية أو إخفائية خلاف الظّاهر
و في رواية أخرى لا صلاة إلا أن يبدأ بها في جهر أو إخفات و قوله٧في صحيحة الحلبيين نعم إن شاء سرا و إن شاء جهرا بعد سؤال السّائل من قراءة البسملة لأن كل من قال بوجوب الجهر في القراءة قال بوجوبه في البسملة كما قال المصنّف في المنتهى فإن قلنا بترجيح أحد الجانبين كان العمل بمقتضاه و إلا تعين المصير إلى مقتضى القول المشهور تحصيلا للبراءة اليقينية
و ينبغي التنبيه على أمور الأوّل