ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٦١٥
فإن تمكّن من الفداء أكل الصّيد و إلا الميّتة و هذا القول مما ذهب إليه جماعة من الأصحاب منهم الشيخ و ابن البراج و الفاضلان و قال الصّدوق في من لا يحضره الفقيه و إذا اضطر المحرم إلى صيد و ميتة فإنه يأكل الصيد و يفدي فإن أكل الميّتة فلا بأس إلّا أنّ أبا الحسن الثاني٧قال يذبح الصّيد و يأكله و يفدي أحب إلي من الميّتة و حكي عن المفيد و المرتضى و سلار إطلاق القول بأنه يأكل الصّيد و يفدي و عن آخرين إطلاق القول بأنه يأكل الميّتة و قال ابن إدريس اختلف أصحابنا في ذلك فبعض قال يأكل الميّتة و بعض قال يأكل الصّيد و يفديه و كل منهما أطلق مقالته و بعض قال لا يخلو الصيد إمّا أن يكون حيّا أو لا فإن كان حيّا فلا يجوز له ذبحه بل يأكل الميّتة لأنه إذا ذبحه صار ميتة بغير خلاف فأمّا إن كان مذبوحا فلا يخلو ذابحه إمّا يكون محرما أو محلّا فإن كان محرما فلا فرق بينه و بين الميّتة و إن كان ذابحه محلّا فإن ذبحه في الحرم فهو ميتة أيضا و إن ذبحه في الحل فإن المحرم المضطر قادر على الفداء أكل الصيد و لم يأكل الميّتة و إن كان غير قادر على فدائه أكل الميّتة قال و هذا هو الذي يقوى في نفسي لأن الأدلّة تعضده و أصول المذهب تؤيده انتهى كلامه و ما ذكره يستفاد من كلامه من أن مذبوح المحرم ميتة مطلقا بحيث يشمل محل البحث محل تأمّل
و احتمل الشهيد في الدروس أن ذبح المحرم و المحلّ في الحرم الصّيد على هذا الوجه يقيد الزكاة و اعلم أنّ الأخبار في هذا الباب مختلفة فبعضها يدل على أنه يأكل الصيد و يفدي مثل ما رواه الكليني عن بكير و زرارة في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧في رجل اضطر إلى ميتة و صيد و هو محرم قال يأكل الصيد و يفدي و عن الحلبي في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه٧قال سألته عن المحرم يضطر فيجد الميّتة و الصيد أيهما يأكل قال يأكل من الصيد أ ليس هو بالخيار أن يأكل من ماله قلت بلى قال إنما عليه الفداء فليأكل و ليفده و عن يونس بن يعقوب في الموثق قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن المضطر إلى الميّتة و هو يجد الصّيد قال يأكل الصّيد قلت إن اللّٰه قد أحلّ له الميّتة إذا اضطر إليها و لم يحل له الصّيد قال تأكل من مالك أحب إليك أو ميتة قلت من مالي قال هو مالك لأنّ عليك فداؤه قلت فإن لم يكن عندي مال قال تقضيه إذا رجعت إلى مالك
و ما رواه الشيخ عن منصور بن حازم بإسناد فيه اشتراك قال سألته عن محرم اضطر إلى أكل الصّيد و الميّتة قال أيّهما أحبّ إليك أن تأكل من الصّيد أو الميّتة قلت الميّتة لأنّ الصّيد محرم على المحرم قال أيّهما أحبّ إليك أن تأكل من مالك أو الميّتة قلت آكل من مالي قال كل الصّيد و افده و بعضها يدلّ على أنّه يأكل الميّتة مثل ما رواه الشيخ في الصّحيح إلى إسحاق عن جعفر٧عن أبيه أنّ عليّا٧كان يقول إذا اضطر المحرم إلى الصّيد و إلى الميّتة فليأكل الميّتة التي أحلّ اللّٰه له و عن محمد بن الحسين عن النضر بن شعيب عن عبد الغفار الجاري قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن المحرم إذا اضطر إلى ميتة فوجدها و وجدها صيدا فقال يأكل الميّتة و يترك الصّيد و ذكر أنّك إذا كنت حلالا و قتلت الصّيد ما بين البريد و الحرم فإن عليك جزاءه و إن فقأت عينه أو كسرت قرنه أو جرحته تصدّقت بصدقة
و عن محمد بن الحسين عن النضر بن سويد عن عبد الغفّار الجماري قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن المحرم إذا اضطر إلى ميتة فوجدها و وجد صيدا فقال يأكل الميّتة و يترك الصّيد قال في المنتقى اتفق في كتابي الشيخ إيراد الخبر بهذه الصّورة و هي تقتضي صحته و الحاجة إلى تأويله و قد عدّه من الصحيح جماعة من الأصحاب
و التحقيق أنّه ضعيف لأن الشيخ أورده من موضع من التهذيب بهذه الصّورة و في آخر عن النضر بن شعيب مكان ابن سويد و ذلك هو الصحيح و إبداله بابن سويد تصحيف لأن رواية محمّد بن الحسين عن النضر بن شعيب عن عبد الغفار الجازي موجودة في طرق متعدّدة و لأنّ النجاشي ذكر في كتابه الطريق إلى عبد الغفار الجازي و هو مشتمل على رواية محمد بن شعيب عن النضر بن شعيب عنه ثم إن حال ابن شعيب مجهول إذ لم يتعرض له الأصحاب في كتب الرجال انتهى و منشأ الاختلاف اختلاف هذه الأخبار و الأخبار الأولى معتضدة بعموم الآيات الدالة على تحريم الميّتة و الأخيرتين معتضدة بعموم الآية الدالة على تحريم الصّيد على المحرم
و الشيخ نقل رواية إسحاق و أولها بتأويل بعيد و هو أنه ليس في الخبر أنه إذا اضطر إلى الصيد و الميّتة و هو قادر عليهما متمكن من تناولهما و إذا لم يكن ذلك في ظاهره حملناه على من لا يجد الصيد و لا يتمكّن من الوصول إليه و يتمكن من الميّتة و أوّل خبر عبد الغفار فقال يحتمل أن يكون المراد بهذا الخبر من لا يتمكن من الفداء و لا يقدر عليه فإنه يجوز له و الحال على ما وصفناه أن يأكل الميّتة و يحتمل أن يكون المراد به إذا وجد الصّيد و هو غير مذبوح فإنه يأكل الميّتة و يخلي سبيل الصّيد
و التأويلان بعيدان و الأقرب أن يحمل الخبران على التقية كما احتمله الشيخ في الإستبصار فإن أكل الميّتة منقول عن جماعة من رؤساء المخالفين و أشرارهم كالحسن البصري و الثوري و أبي حنيفة و محمد بن الحسن و مالك و أحمد و لعلّ في أسلوب رواية إسحاق إشعارا ما بذلك فتدبر و مما ذكرنا يظهر أن الترجيح لقول المفيد و من وافقه
و فداء المملوك لصاحبه المفهوم من الفداء ما يلزم المحرم بسبب الجناية على الصّيد من مال أو صوم أو إرسال و على هذا كان الفداء شاملا لما زاد عن قيمة الصّيد أو نقص و لما إذا كانت الجناية موجبة لضمان الأموال أو لم يكن كالدلالة و المستفاد من جعله للمالك أنّه لا يجب عليه شيء سوى ما يصرفه إلى المالك و المصنف في هذا الحكم وافق المحقق في الشرائع و النافع و الذي ذهب إليه الشيخ في المبسوط أنّ الفداء للمملوك للّه تعالى كغيره
و يجب على المتلف مع الفداء لمالكه إذا كان مضمونا و هو قول المصنف في جملة من كتبه و اختاره جماعة من المتأخرين و هو أقرب عملا بمقتضى ما يدل على وجوب الفداء بالصّيد و ما يدلّ على ضمان المتلف ما أتلفه بالمثل أو القيمة و خروجا عن الإشكال الواردة على القول الآخر و لو لم يتعلق بالمتلف الضمان لكون يده يد أمانة لزمه الفداء لا غير و كذا لو وجب الفداء بالدّلالة خاصّة
و كلام المصنف في المنتهى يشعر بكون ذلك اتفاقيا بين الأصحاب بحيث أسند المخالفة إلى العامة و أورد على القول الأوّل إشكالات منها أن الواجب في الأموال المتلفة القيمة المعينة بالأثمان فإيجاب غيرها كالبدنة في النعامة للمالك خروج عن مقتضى حكم المالية و عدم إيجابه خروج عن مقتضى النص و منها أنه لو عجز عن الفداء يجب عليه الصّوم كما سبق بيانه و حينئذ فإيجاب الصّوم خاصة يقتضي ضياع حق المالك و إيجاب القيمة معه خروج من إطلاق القول بكون الجزاء للمالك و عدم إيجاب الصّوم خروج عن النص
و منها أن الفداء لو كان أنقص من القيمة فإيجابه خاصّة للمالك يقتضي تضييع بعض حقه و كون الأمر في إتلاف المحرم أو المحل في الحرم أخف من الأمر في إتلاف المحل في الحرم لأنّ الواجب هناك القيمة السّوقية الزائدة على الجزاء و إيجاب شيء آخر معه يقتضي العدول عن أحد من الحكم يكونا جزاء للمالك و منها أنّه لو كان المتلف بيضا وجب الإرسال فأرسل و لم ينتج شيئا يلزم ضياع حق المالك إن لم يوجب له شيئا و إن أوجبنا القيمة السّوقية مع الإرسال لزم العدول عن إطلاق الحكم المذكور و إن تعينا وجوب الإرسال و أوجبنا القيمة لزم الخروج عن النصوص المتفق على العمل بمضمونها بين الأصحاب
و منها أنه لو اشترك في قتله جماعة فقد تقدّم أنه يلزم كل واحد فداء و كون الجميع للمالك خروج عن قاعدة ضمان الأموال و إيجاب البعض خروج عن إطلاق الحكم المذكور و منها أنّه لو كان المحرم دالا أو شبهه مع وجود المباشر الضامن فإيجاب الفداء عليه للمالك خروج عن قواعد ضمان الأموال و عدم إيجابه خروج عن إطلاق الحكم المذكور إلى غير ذلك من الإشكالات
و غيره أي المملوك يتصدّق به و الظّاهر أنه لا فرق بين أن يكون الفداء حيوانا أو غيره كالقيمة أو كفّا من طعام و يدل عليه كون ذلك هو المتبادر من إيجاب الفداء و صحيحة زرارة السّابقة عند شرح قول المصنف و يجتمعان على المحرم في الحل و صحيحة علي بن جعفر و صحيحة محمد بن مسلم و صحيحة سعيد بن عبد اللّٰه و حسنة معاوية بن عمار السّابقات عند شرح قول المصنف و المحل في الحرم عليه القيمة و حسنة الحلبي السّابقة عند شرح قول المصنف و على المحل في الحرم لكل حمامة درهم و صحيحة عبد الرحمن السّابقة عند شرح قول المصنف و كذا لو ذبحه المحلّ في الحرم و صرّح المصنف و غيره بأن مستحق الصّدقة الفقراء و المساكين بالحرم و مقتضى الآية الشريفة اختصاص الإطعام بالمساكين و هل يعتبر الإيمان لم أجد تصريحا بذلك في كلام الأصحاب و إطلاق الأدلّة يقتضي العدم و لو كان الفداء حيوانا فالظاهر أنه يجب أوّلا ذبحه ثم التّصدّق به لكون ذلك هو المتبادر
و يذبح الحاج ما يلزمه بمنى و المعتمر بمكة هذا هو المشهور بين الأصحاب حتّى قال بعض المتأخرين لا أعلم في ذلك خلافا بين الأصحاب و عن علي بن بابويه أن كل ما أثبته من الصّيد في عمرة أو متعة فعليك أن تنحر أو تذبح ما يلزمك من الجزاء عند الجزورة