ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٤٣
الخاتمة و من رواية محمد بن عجلان المذكورة عند التلقين رجحان نزول الولي فالحكم بكراهة نزول ذي الرحم مطلقا محل إشكال و هذا الحكم ثابت عند المصنف في كل رحم إلا في المأتم فلا كراهة لنزول ذي الرحم بل يستحب ذلك عند الأصحاب
و يدل عليه ما رواه الكليني و الشيخ عن السكوني عن أبي عبد اللّٰه٧قال قال أمير المؤمنين٧مضت السنة من رسول اللّٰه٦أن المرأة لا يدخل قبرها إلا من كان يراها في حياتها و عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّٰه٧قال الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها و لو تعذر المحرم للمرأة فامرأة صالحة ثم أجنبي صالح
قال المفيد و ينزلها القبر اثنان يجعل أحدهما يديه تحت كتفيها و الآخر يديه تحت حقويها و ينبغي أن يكون الذي يتناولها من قبل وركيها زوجها أو بعض ذوي أرحامها كأبيها أو أخيها إن لم يكن لها زوج و يناسبه ما رواه الشيخ عن زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين٧قال يسل الرجل سلا و تستقبل المرأة استقبالا و يكون أولى الناس بالمرأة في مؤخرها
و يكره إهالة التراب على الرحم و يستوي في ذلك الرجل و المرأة و هذا الحكم ذكره الشيخان و من تبعهما قال في المعتبر و عليه فتوى الأصحاب و مستنده ما رواه الشيخ عن عبيد بن زرارة في الموثق قال مات لبعض أصحاب أبي عبد اللّٰه٧ولد فحضر أبو عبد اللّٰه٧فلما ألحد تقدم أبوه فطرح عليه التراب فأخذ أبو عبد اللّٰه٧بكفيه و قال لا تطرح عليه التراب و من كان منه ذا رحم فلا يطرح عليه التراب فإن رسول اللّٰه٦نهى أن يطرح الوالد أو ذو رحم على ميته التراب فقلنا يا ابن رسول اللّٰه أ تنهانا عن هذا وحده فقال أنهاكم أن تطرحوا التراب على ذوي أرحامكم فإن ذلك تورث القسوة في القلب و من قسا قلبه بعد من ربه
و تجديد القبور بعد اندراسها على وجه الأرض سواء اندرست عظامها أم لا و المستند فيه ما رواه الشيخ عن الأصبغ بن نباتة قال قال أمير المؤمنين٧من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج من الإسلام و نقلها الصدوق مرسلا عن أمير المؤمنين٧ثم قال اختلف مشايخنا في معنى هذا الخبر فقال محمد بن الحسن الصفار (رحمه اللّٰه) هو جدد بالجيم لا غير و كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد يحكى عنه أنه قال لا يجوز تجديد القبر و لا تطيين جميعه بعد مرور الأيام و بعد ما طين في الأول و لكن إذا مات ميت فطين قبرها فجائز أن يرم سائر القبور من غير أن يجدد و ذكر عن سعيد بن عبد اللّٰه ره أنه كان يقول إنما هو من حدد القبر بالحاء غير المعجمة يعنى به من سنم قبرا
و ذكر عن أحمد بن أبي عبد اللّٰه البرقي أنه قال إنما هو جدث قبرا و تفسير الجدث القبر فلا ندري ما عنى به و الذي أذهب إليه أنه جدد بالجيم و معناه نبش قبرا لأن من نبش قبرا فقد جدده و أحوج إلى تجديده و قد جعله جدثا محفورا و أقول إن التجديد على المعنى الذي ذهب إليه محمد بن الحسن الصفار و التحديد بالحاء غير المعجمة الذي ذهب إليه سعد بن عبد اللّٰه و الذي ذهب إليه البرقي كله داخل في معنى الحديث و إن من خالف الإمام ٧ في التجديد و التسنيم و النبش و استحل شيئا من ذلك فقد خرج من الإسلام
و الذي أقوله في قوله٧و من مثل مثالا إنه يعني من أبدع بدعة و دعا إليها أو وضع دينا فقد خرج من الإسلام و قولي في ذلك قول أئمتي : فلو أصبت فمن اللّٰه على ألسنتهم و إن أخطأت فمن عند نفسي انتهى كلام الصدوق ره قال الشيخ في التهذيب بعد نقل كلام البرقي و يمكن أن يكون المعني بهذه الرواية النهي أن يجعل القبر دفعة أخرى قبرا لإنسان آخر لأن الجدث هو القبر فيجوز أن يكون الفعل مأخوذا منه و قال و كان شيخنا محمد بن محمد بن النعمان ره يقول إن الخبر الخد بالخاء و الدالين و ذلك مأخوذ من قوله تعالى قُتِلَ أَصْحٰابُ الْأُخْدُودِ و الخد هو الشق يقال خددت الأرض خدا أي شققته و على هذه الروايات يكون النهي تناول شق القبر إما ليدفن فيه أو على جهة النبش على ما ذهب إليه محمد بن علي
و كل ما ذكرناه من الروايات و المعاني محتمل و قال المحقق في المعتبر و هذا الخبر رواه محمد بن سنان عن أبي الجارود عن الأصبغ بن نباتة عن علي٧و محمد بن سنان ضعيف و كذا أبو الجارود فإذن الرواية ساقطة و قال في الذكرى اشتغال هؤلاء الأفاضل بتحقيق هذه اللفظ مؤذن بصحة الحديث عندهم و إن كان طريقه ضعيفا كما في أحاديث كثيرة اشتهرت و علم موردها و إن ضعف أسنادها فلا يرد ما ذكره في المعتبر من ضعف محمد بن سنان و أبي الجارود على أنه قد ورد نحوه من طريق أبي الهماج و قد نقله الشيخ في النهاية و هو من صحاح العامة و هو يعطي صحة الرواية بالحاء المهملة لدلالة الإشراف و التسوية عليه و يعطي أن المثال هذا هو التمثال هناك
و قد ورد في النهي عن التصوير و إزالة التصاوير أخبار مشهورة و أما الخروج من الإسلام بهذين فإما على طريق المبالغة زجرا عن الاقتحام على ذلك و إما لأنه فعل ذلك مخالفة للإمام٧انتهى و لا يخفى أن مجرد بحث هؤلاء العلماء عن تحقيق لفظ الخبر لا يدل على قبولهم إياه و تصحيحهم له لجواز أن كل واحد منهم يذكر ما وصل إليه من الطرق الذي ينسب إليه و إن كان في الطريق خلل نعم فيه إشعار ما بذلك لكن مجرد ذلك لا يكفي في صحة الاحتجاج به و على تقدير التسليم لما حصل الاشتباه فيما هو الصحيح منه كان إثبات التكليف الإيجابي بأحد معانيه لا يصفو عن شوب الإشكال نعم إثبات الكراهية بمثله غير بعيد للمسامحة في أدلتها و لم يذكر المصنف هاهنا كراهية تجصيص القبور و هو مشهور بين الأصحاب و نقل المصنف في التذكرة إجماع الأصحاب عليه و ذهب الشيخ إلى عدم كراهة التجصيص ابتداء و إنما المكروه إعادتها بعد اندراسها و اختاره المصنف في المنتهى و يدل على الأول ما رواه الشيخ عن علي بن جعفر في الموثق عن أخيه موسى٧قال سألته عن البناء على القبر و الجلوس عليه هل يصلح فقال لا يصلح البناء على القبر و لا الجلوس و لا تجصيصه و لا تطيينه
و في طريق هذه الرواية علي بن أسباط و كان فطحيا قال الكشي قالوا إنه مات على مذهبه و ذكر النجاشي أنه رجع و كان أوثق الناس و أصدقهم لهجة فهذا الخبر من الأخبار المعتمدة التي لا سبيل إلى الطعن فيه و روى الشيخ و الكليني عن يونس بن يعقوب بإسناد فيه ضعف قال لما رجع أبو الحسن موسى٧من بغداد و مضى إلى المدينة ماتت ابنة له بفيد فدفنها و أمر بعض مواليه أن يجصص قبرها و يكتب على لوح اسمها و يجعله في القبر و ما نقلنا من الشيخ طريق جمع بين الروايتين إن صلحت هذه الرواية لمقاومة الخبر الأول
و جمع بينهما في الإستبصار بحمل الخبر الأول على الكراهة و الثاني على الجواز و هو بعيد لأنه يستلزم أمر الإمام٧بالمكروه و ربما يجمع بين الروايتين بالقول بالجواز في قبر من يظهر لتعين قبره أثر من زيارة و نحوها كما فعل الكاظم٧بابنته فإنها أهل للتعظيم و الزيارة فيدخل في ذلك من يشاركها في الوصف من العلماء و الصالحين و فيه أيضا تأمّل و احتمل بعضهم في طريق الجمع تخصيص النهي بتجصيص نفس القبر دون ما بني عليه أو تجصيص داخل القبر دون خارجه و الكل لا يصفو عن الإشكال على كل تقدير
فالظاهر أنه يستثنى من ذلك قبور الأنبياء و الأئمّة٧لإطباق الناس على البناء على قبورهم من غير نكير و استفاضة الروايات الدالة على تعاهد قبورهم و تعميرها مع ما فيه من تعظيم الدين و تحصيل المصالح الدينية للمؤمنين و ربما يستثنى قبور الصلحاء و العلماء أيضا لما فيه من تعظيم الشرع و أهله و تحصيل الفوائد الدينية
و أما التطيين فقال الشيخ و المصنف إنه يكره بعد الاندراس لا في الابتداء و احتج على الأول بما روي عن النبي٦لا يزال الميّت يسمع الأذان ما لم يطين قبره و على الثاني برواية يونس بن يعقوب المذكورة و الروايتان ضعيفتان مع أنه روى الشيخ و الكليني عن السكوني عن أبي عبد اللّٰه٧قال لا تطينوا القبر من غير طينه و فيه إشعار بنفي البأس في التطيين بطينه
و أما البناء على القبر فمكروه عند الأصحاب و نقل المصنف في التذكرة الإجماع عليه و كذا الشيخ في المبسوط و في الذكرى المشهور كراهية البناء على القبر و اتخاذه مسجدا و يدل عليه رواية علي بن جعفر السابقة
و ما رواه الشيخ عن يونس بن ظبيان في الضعيف عن أبي عبد اللّٰه٧قال نهى رسول اللّٰه٦أن يصلى على قبر أو يقعد عليه أو يبنى عليه و عن جراح المدائني عن أبي عبد اللّٰه٧قال لا تبنوا على القبور و لا تصوروا سقوف البيوت فإن رسول اللّٰه٦كره ذلك و في صحاح العامة عن جابر نهى رسول اللّٰه٦أن يجصص القبر أو يبنى عليه أو يقعد عليه و قال٧لا تجلسوا على القبور و لا تصلّوا عليها و روى الصدوق عن سماعة أنه سأله٧عن زيارة القبور و بناء المساجد فيها فقال زيارة القبور لا بأس بها و لا يبنى عندها مسجد
قال الصدوق و قال النبي٦لا تتخذوا قبري قبلة و لا مسجدا فإن اللّٰه تعالى لعن اليهود حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قال في الذكرى بعد نقل هذه الأخبار و هذه الأخبار رواها الصدوق و الشيخان و جماعة المتأخرين في كتبهم و لم يستثنوا قبرا و لا ريب أن الإمامية مطبقة على