ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٥٧
بقول النبي٦رفع عن أمتي الخطاء و النسيان و فيه تأمّل لكن إذ قد عرفت أن مأخذ الحكم منحصر في الإجماع فيجب اقتصاره على مورده و هو في صورة العمد و استشكل هذا الحكم الشارح الفاضل بالكثير الذي يوجب انمحاء صورة الصلاة و فيه تأمّل فتدبر
و يبطل الصلاة أيضا بتعمد البكاء للدنيوية من الأمور كذهاب مال أو فوت حيّ محبوب و إن وقع على وجه لا يمكن رفعه و إن ارتفع الإثم حينئذ و هذا الحكم ذكره الشيخ و جماعة من الأصحاب و لم أطلع على مخالف فيه و استدلوا عليه بأنه فعل خارج عن حقيقة الصلاة فيكون قاطعا و بما رواه الشيخ عن النعمان بن عبد السّلام عن أبي حنيفة قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن البكاء في الصلاة يقطع الصلاة قال إن بكى لذكر جنة أو نار فذلك هو أفضل الأعمال في الصلاة و إن كان لذكر ميت له فصلاته فاسدة و الأول قياس محض و الرواية ضعيفة لاشتمال سنده على عدة من الضعفاء و لهذا توقف فيه بعض الشارحين للشرائع و نقله عن بعض مشايخه المعاصرين له و لا يبعد أن يقال ضعف الخبر منجبر بالشهرة بين الأصحاب
و على كل تقدير فالاحتياط في الاجتناب عنه قال الشارح الفاضل و اعلم أن البكاء المبطل للصلاة هو المشتمل على الصوت لا مجرد خروج الدمع مع احتمال الاكتفاء به في البطلان و وجه الاحتمالين اختلاف معنى البكاء المبطل لغة مقصورا و ممدودا و الشك في إرادة أيّهما من الأخبار قال الجوهري البكاء يمد و يقصر فإذا مددت أردت الصوت الّذي يكون مع البكاء و إذا قصرت أردت الدموع و خروجها قال الشاعر
بكت عيني و حق لها بكاها ^ ^ ^ و ما يغني البكاء و لا العويل
انتهى
و ما نقله عن الجوهري نسبه ابن فارس إلى قوم و ليس بمتفق عليه عند أهل اللغة و الظاهر عدم الفرق بين اللفظين عرفا فالظاهر من كلام الأصحاب إرادة الأعم و كذا في الرواية مع أنه لم يرد في الرواية بلفظ البكاء بل بلفظ الفعل و ظاهره العموم بالنسبة إلى الأمرين و مع هذا يحتمل تخصيص الحكم قصرا للحكم المخالف للأصل على القدر المتيقن مع تأمّل فيه
هذا كله إذا كان البكاء لشيء من أمور الدنيا و أما البكاء خوفا من اللّٰه تعالى و خشية من عقابه و ندامة على ما صدر عنه من التفريط فهو أفضل الأعمال قال اللّٰه تبارك و تعالى إِذٰا تُتْلىٰ عَلَيْهِمْ آيٰاتُ الرَّحْمٰنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا فقد صح عن النبي٦أنه قال لأمير المؤمنين٧في جملة وصيته له
و الرابعة كثرة البكاء لله يبنى لك بكل دمعة ألف بيت في الجنة و روى ابن بابويه عن صفور بن يونس بن وج أنه سأل الصادق٧عن الرجل يتباكى في الصلاة المفروضة حتى يبكي قال قرة عين و اللّٰه و قال إذا كان كذلك فاذكرني عنده و روى الشيخ عن سعيد بياع السابري قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧أ يتباكى الرجل في الصلاة فقال بخ بخ و لو مثل رأس الذباب
و روى الكليني عن ابن أبي عمير في الحسن بإبراهيم عن صفور بن يونس عن محمد بن مروان عن أبي عبد اللّٰه٧قال ما من شيء إلا و له كيل و وزن إلا الدموع فإن القطرة يطفي بحارا من نار فإذا اغرورقت العين بمائها لم يرهق وجهها قتر و لا ذلة فإذا فاضت حرم اللّٰه على النار و لو أن باكيا بكى في أمة لرحموا
و عن محمد بن مروان عن أبي عبد اللّٰه٧قال ما من عين إلّا و هي باكية يوم القيامة إلّا عينا بكت من خوف اللّٰه و ما اغرورقت عين بمائها من خشية اللّٰه عز و جل إلا حرم اللّٰه عز و جل سائر جسده على النار و لا فاضت على خده فرهق ذلك الوجه قتر و لا ذلة و ما من شيء إلا و له كيل و وزن إلا الدمعة فإن اللّٰه عز و جل يطفي باليسير منها البحار من النار فلو أن عبدا بكى في أمة لرحم اللّٰه عز و جل تلك الأمة ببكاء ذلك العبد
و عن أبي حمزة عن أبي جعفر٧قال ما من قطرة أحب إلى اللّٰه عز و جل من قطرة دموع في سواد الليل مخافة من اللّٰه لا يراد بها غيره و في الحسن بإبراهيم عن صالح بن رزين و محمد بن مروان و غيرهما عن أبي عبد اللّٰه٧قال كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاثة عين غضت من محارم اللّٰه و عين سهرت في طاعة اللّٰه و عين بكت في جوف اللّيل من خشية اللّٰه
و عن ابن أبي عمير في الحسن بإبراهيم عن رجل من أصحابه قال قال أبو عبد اللّٰه٧أوحى اللّٰه عز و جل إلى موسى٧أن عبادي لم يتقربوا إلي بشيء أحب إلي من ثلاث خصال قال موسى يا رب و ما هن قال يا موسى الزهد في الدنيا و الورع من المعاصي و البكاء من خشيتي قال موسى يا رب فما لمن صنع ذا فأوحى اللّٰه عز و جل إليه يا موسى أما الزاهدون في الدّنيا ففي الجنة و أمّا البكاءون من خشيتي ففي الرفيع الأعلى لا يشاركهم أحد و أما الورعون عن المعاصي فإني أفتش الناس و لا أفتشهم
و عن علي بن أبي حمزة قال قال أبو عبد اللّٰه٧لأبي بصير إن خفت أمرا يكون أو حاجة تريدها فابدأ باللّٰه فمجده و أثن عليه كما هو أهله و صل على النبي٦و اسأل حاجتك و تباك و لو مثل رأس الذباب إن أبي٧كان يقول إن أقرب ما يكون العبد من الرب عز و جل و هو ساجد باك و الأخبار في فضل البكاء و التباكي كثيرة و فيما ذكرناه كفاية و في أخبار متعددة دلالة على أن الابتهال يكون عند جري الدمعة و عند ما يرى أسباب البكاء
و تبطل الصلاة أيضا بتعمد الأكل و الشرب و هو مذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف و منعه المحقق في المعتبر و طالبه بالدليل على ذلك و استقرب عدم البطلان بهما إلا مع الكثرة كسائر الأفعال الخارجة من الصلاة و استشكل المصنف في المنتهى الإجماع الذي نقله الشيخ و جعل ما نقلناه عن المحقق أولى و هو مختار جماعة من المتأخرين منهم الشهيد قصرا للحكم المخالف للأصل على مورد الاتفاق
و يمكن الاستدلال عليه بما أشرنا إليه من العمومات لكنه لا يصفو عن نوع تأمّل قال في المنتهى و لو ترك في فيه شيئا يذوب كالسكر تذاب فابتلعه لم تفسد صلاته عندنا و عند الجمهور يفسد لأنه يسمى أكلا أما لو بقي من أسنانه شيئا من بقايا الغداء فابتلعه في الصلاة لم تفسد صلاته قولا واحدا لأنه لا يمكن التحرز عنه و كذا لو كان في فيه لقمة و لم يبتلعها إلا في الصلاة لأنه فعل قليل و فرع الشارح الفاضل الأولين على القول باعتبار الكثرة في البطلان و بناهما عليه
و هو مناف للاتفاق المفهوم من كلام المصنف و لو وضع في فيه لقمة و مضغها و ابتلعها أو تناول قلة و شرب منها فقد قال المصنف في النهاية و التذكرة أنه مبطل أيضا لأن التناول و المضغ و الابتلاع أفعال كثيرة و كذا المشروب و التخصيص بالعمد يقتضي عدم بطلان الصلاة بهما ناسيا و نقل في المنتهى إجماع الأصحاب عليه و يؤيده ما أشرنا إليه من العمومات السابقة مع عدم الدليل على حصول البطلان به و هذا الحكم ثابت في جميع الصلوات
إلا في الوتر لصائم أصابه عطش المستند فيه ما رواه الشيخ عن سعيد الأعرج قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧إني أبيت و أريد الصوم فأكون في الوتر فأعطش فأكره أن أقطع الدعاء و أشرب و أكره أن أصبح و أنا عطشان و أمامي قلة بيني و بينها خطوتان أو ثلاث قال تسعى إليها و تشرب منها حاجتك و تعود إلى الدعاء و هذا الاستثناء إنما يصح بناء على قول الشيخ من اعتبار المسمى أو بناء على أن الشرب فعل كثير و إلا فلا استثناء
و استقرب المصنف في المنتهى اعتبار القلة هاهنا و حمل رواية سعيد على القلة و يفهم منه أن الفعل الكثير قادح في النوافل أيضا و هو ظاهر إطلاقاتهم و قد تردد بعض الشارحين نظرا إلى ما دل على اختلاف حكم الفريضة و النافلة و وقوع المساهلة التامة فيها مثل فعلها جالسا و راكبا و ماشيا و إلى غير القبلة و بدون السورة و بعض الأصحاب اشتراط أن لا يفعل ما ينافي الصلاة اقتصارا في الرخصة على موردها لكن الرواية مشتملة على ثلاث خطوات و المصنف في كثير من كتبه عدها من الفعل الكثير فإن صح كان مستثنى أيضا
و لا فرق في الوتر بين الواجب بالنذر و غيره و لا في الصوم بين الواجب و غيره عملا بإطلاق الخبر و الشيخ جعل مورد الرخصة مطلق النافلة محتجا بالخبر و فيه أن الرواية مخصوصة بالصورة المذكورة فتعديتها إلى غيرها لا وجه له و من هنا يعلم أن الاستناد إلى الرواية يقتضي عدم تعميم الحكم بالنسبة إلى صلاة الوتر مطلقا بل تخصيصها بدعائه كما هو موردها من ثم اقتصر بعض الأصحاب عليه
و إذ قد عرفت ضعف مستند الحكم من أصله و أن التعويل على اعتبار القلة و الكثرة غير بعيد سقط ابتناء الحكم على خصوص الرواية لكن البراءة اليقينية من التكليف الثابت يقتضيه
و لا يبطل جميع ذلك المتقدم من قوله و بتعمد التكفير إلى هنا لو وقع سهوا و قد مر الكلام فيه و تبطل الصلاة أيضا بالإخلال بركن و هو القيام و النية و التكبير و الركوع و السجود و قد مر ما يتعلق بالقيام و النية و التكبير و قد بقي في هذا المقام مسألتان
الأولى المشهور بين الأصحاب أن من أخل بالركوع ناسيا حتى يسجد بطلت صلاته و هو قول المفيد و السيد المرتضى و سلار و ابن إدريس و أبي الصلاح و ابن البراج و هو المحكي عن ظاهر ابن أبي عقيل و إليه ذهب جمهور المتأخرين و قال الشيخ في المبسوط و إن أخل به عامدا أو ناسيا في الأوليين مطلقا أو في ثالثة المغرب بطلت صلاته و إن كان في الأخيرتين من الرباعية فإن تركه عملا بطلت صلاته فإن تركه ناسيا