ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٥٢٧
لأن الوظائف الشرعية إنما يستفاد من النقل و لم يرد التعبد به بل مقتضى الأخبار خصوصا رواية أبي بصير عدم مشروعية القضاء و هو حسن نعم ورد في المسافر ما رواه الشيخ عن أبي بصير في الموثق قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل سافر في رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه قال يقضيه أهل بيته
و لو استمر مرضه إلى رمضان آخر سقط الأول و كفر عن كل يوم منه بمد هذا قول أكثر الأصحاب و حكى الفاضلان في المعتبر و المنتهى عن أبي جعفر بن بابويه إيجاب القضاء دون الصّدقة و حكاه في المختلف عن غيره من الأصحاب أيضا و قواه المصنف في المنتهى و التحرير و حكى الفاضلان في المعتبر و المنتهى عن ابن الجنيد أنه احتاط بالجمع بين القضاء و الصدقة و قال إنه مروي و الأقرب الأول
لنا ما رواه ابن بابويه عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر٧في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان و يخرج عنه و هو مريض و لا يصح حتى يدركه شهر رمضان آخر قال يتصدق عن الأوّل و يصوم الثاني و إن كان صح فيما بينهما و لم يصم حتى يدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا و تصدق عن الأوّل و روى الكليني عن زرارة بإسنادين أحدهما حسن بإبراهيم عنه٧نحوا منه و ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن سنان في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر ثم أدرك رمضان آخر و هو مريض فليتصدّق بمد لكل يوم فأما أنا فإني صمت و تصدقت
و ما رواه الكليني عن محمد بن مسلم في الحسن بإبراهيم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه٧قال سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر فقالا إن كان برأ ثم توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدرك و تصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين و عليه صيامه و إن كان لم يزل مريضا حتى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه و تصدق عن الأول لكل يوم مد على مسكين و ليس عليه قضاؤه و رواه الشيخ بإسناده عن الكليني بتفاوت ما في العبارة و ما رواه الكليني عن أبي عبد اللّٰه٧عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثم أدركه شهر رمضان قابل قال عليه أن يصوم و أن يطعم كل يوم مسكينا فإن كان مريضا فيما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه إلا الصيام إن صحّ و إن تتابع المرض عليه فلم يصح فعليه أن يطعم لكلّ يوم مسكينا
و رواه الشيخ بإسناده عن الكليني و ما رواه الشيخ عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا مرض الرجل من رمضان إلى رمضان ثم صح فيما بين الرمضانين فإنما عليه أن يقضي الصيام فإن تهاون به و قد صح فعليه الصيام و الصدقة جميعا لكل يوم مد إذا فرغ من ذلك الرمضان
احتج في المنتهى على القول الثاني بعموم الآية بناء على أن أخبار الآحاد لا يعارض الآية و هو خلاف طريقه في الأصول و لعل الرواية التي أشار إليها ابن الجنيد ما رواه الشيخ عن سماعة بإسناد و لا يبعد أن يعد موثقا قال سألته عن الرجل أدركه رمضان و عليه رمضان قبل ذلك لم يصمه فقال يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي كان عليه مد من طعام و ليصم هذا الذي أدرك فإذا أفطر فليصم الرمضان الذي كان عليه فإني كنت مريضا فمر علي ثلاث رمضانات لم أصح فيهنّ ثم أدركت رمضانا فتصدّقت بدل كلّ يوم مما مضى بمد من طعام ثم عافاني اللّٰه و صمتهن
و الجواب أنه محمول على الاستحباب جمعا بين الأدلة و يدل عليه صحيحة عبد اللّٰه بن سنان السّابقة و ينبغي التنبيه على أمور الأوّل نقل المصنف في التحرير من الشيخين القول بوجوب التكفير دون القضاء ثم قال و على قول الشيخين لو صام و لم يكفر و الوجه الإجزاء و هو دال على أنه حمل كلام الشيخين على التخيير
و الظاهر أن الأمر ليس كذلك الثاني اختلف القائلون بوجوب التصدق فيما يجب التصدق به فالأكثر على أنه مد لكل يوم و عن الشيخ في النهاية أنه يتصدق بمدين فإن لم يمكنه فبمد و الأقرب الأول لصحيحة ابن سنان و حسنة ابن مسلم السابقتين
احتج في المختلف للشيخ بحجّة ضعيفة جدا الثالث لو فاته الصوم لغير المرض ثم حصل له المرض المستمر فهل ينسحب فيه الحكم بسقوط القضاء و لزوم الكفارة اختلف الأصحاب في ذلك فقيل نعم و هو ظاهر اختيار الشيخ في الخلاف و قيل لا و إليه ذهب المصنف في المختلف حجة الأول صحيحة عبد اللّٰه بن سنان السّابقة
و حجة الثاني عموم الأدلة الدالة على القضاء السّالم عن المعارض نظر إلى أن قوله٧في صحيحة ابن سنان ثم أدركه رمضان آخر و هو مريض مشعر بأن المراد بالعذر المذكور أولا هو المرض و المسألة لا يخلو عن إشكال الرابع لو كان الفوات بالمرض و المانع من القضاء غيره كالسفر الضروري ففي انسحاب الحكم المذكور فيه وجهان أقربهما العدم لعموم الأدلة الدالة على القضاء السّالمة عن المعارض و أولى منه ما لو كان الفوات أيضا بغير المرض
الخامس لا يتكرر الفدية بتكرر السّنين للأصل و اختاره المصنف في المنتهى و حكم في التذكرة بالتكرر السادس الظاهر أنه لا فرق بين رمضان واحد و أكثر و هو المشهور و نقل عن ظاهر ابن بابويه أن الرمضان الثاني يقضى بعد الثالث و إن استمر المرض السابع المستفاد من رواية ابن مسلم السّابقة اختصاص هذه الصدقة بالمساكين فإن قلنا بأنه أسوأ حالا من الفقير و أنه لا يدخل أحدهما في الآخر عند الانفراد تعين اعتبار ذلك و المشهور بين المتأخرين أن مستحق هذه الصدقة مستحق الزكاة
و لو برئ بينهما أي بين الرمضانين و ترك القضاء تهاونا قضى الأول و كفر و إن لم يتهاون قضى بغير كفارة اختلف الأصحاب في هذه المسألة فالمشهور ما ذكره المصنف و خالف فيه ابن إدريس فأوجب القضاء دون الكفارة مطلقا
حجة الأول الأخبار السابقة في المسألة المتقدمة كصحيحة زرارة و حسنة محمد بن مسلم و رواية أبي الصباح الكناني و أبي بصير احتج ابن إدريس بأصالة البراءة و بأن أحدا من علمائنا لم يذكر هذه المسألة سوى الشيخين أو من قلد كتبها أو تعلق بأخبار الآحاد التي ليست بحجة عند أهل البيت و بما رواه سعد بن سعد عن رجل عن أبي الحسن٧قال سألته عن رجل يكون مريضا في شهر رمضان ثم يصح بعد ذلك فيؤخر القضاء سنة أو أقل من ذلك أو أكثر ما عليه في ذلك قال أحب له تعجيل الصّيام فإن كان أخره فليس عليه شيء
و أجاب عنه المصنف في المختلف بأن البراءة إنما يصار إليها مع عدم دليل الثبوت و شغل الذّمة و قد بينا الأدلة و عدم ذكر أحد من أصحابنا غير الشيخين لهذه المسألة ليس حجة على العدم إن الشيخين هما القيمان بالمذهب فكيف يدعى ذلك و ابنا بابويه ره قد سبقا الشيخين بذكر وجوب الصدقة مطلقا و لم يفصلا إلى التواني و غيره و كذا ابن أبي عقيل و هو أسبق من الشيخين و هؤلاء عمدة المذهب و أجاب عن الحديث باستضعاف السند و الحمل على التأخير مع العزم و بالغ المحقق في رد ابن إدريس فقال فلا عبرة بخلاف بعض المتأخرين في إيجاب الكفارة فإنه ارتكب ما لم يذهب إليه أحد من فقهاء الإمامية فيما علمت
ثم نقل ما مر من الروايات و عن زرارة و محمد بن مسلم و أبي الصباح الكناني و قال إن هؤلاء فضلاء السلف عن الإمامية و ليس لروايتهم معارض إلا ما يحتمل رده إلى ما ذكرناه فالراد لذلك متكلف ما لا ضرورة إليه و اعلم أن كلام الأصحاب مختلف في معنى التهاون المقتضي لاجتماع الكفارة و القضاء فظاهر كلام المحقق في الشرائع و المصنف في القواعد أنه عدم العزم على الصوم فإذا عزم عليه لم يكن متهاونا و إن لم يحصل العذر المقتضي كلام المصنف في المختلف و المصرّح به في الدروس أن المقتضي لوجوب الكفارة عدم العزم على العدم أو الإفطار عند تضيق وقت القضاء أما إذا عزم على الفعل في سعة الوقت مع القدرة ثم حصل العذر عند ضيقه لم يجب الكفارة بل القضاء حسب و نسب بعض الأصحاب هذا التفسير للتهاون و عدمه إلى تفسير الأصحاب و الأصح ما أطلقه الصدوقان و نسبة اختياره إلى المحقق في المعتبر و الشهيدين من وجوب القضاء و الفدية على من يراه من مرضه و أخر القضاء توانيا من غير عذر حتى دخل الرمضان الثاني سواء عزم الصيام أم لا لصحيحة زرارة و رواية أبي الصباح الكناني بل حسنة محمد بن مسلم أيضا حيث جعل دوام المرض فيها قسيما للتواني إذ في ذلك دلالة على أن المراد من التواني التأخير مع القدرة فلا يستقيم الاستدلال بهذا الخبر على الفرق بين الغارم و غيره
و اعلم أن الروايات المذكورة مختصة بالفوات للمرض قيل و بمضمونها أفتى أكثر الأصحاب و الكلام المنقول عن