ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٥٠٨
عموم من وجه و الترجيح لا يخلو عن إشكال نعم في طريق رواية زرارة و أبي بصير محمّد بن علي و هو مشترك بين جماعة فيهم غير الثقة و لا يبعد ترجيح كونه ابن محبوب مع تأمّل في ذلك و رواية عبد الصّمد في طريقه كلام سيجيء في كتاب الحج و كيف كان فالمسألة لا يصفو عن الإشكال
و اعلم أنّ بعض أصحابنا المتأخرين رجح القول الثالث و احتج عليه بما ذكرنا ثم قال لا يقال الأصل يرتفع بالروايات المتضمنة لترتب الكفارة على الإفطار المتناولة بإطلاقها للعالم و الجاهل كما اعترفتم به في وجوب القضاء و الرواية قاصرة من حيث السند فلا تنهض حجة في إثبات هذا الحكم لأنا نقول لا دلالة في شيء من الروايات التي وصلت إلينا في هذا الباب على تعلق الكفارة بالجاهل إذ الحكم فيها وقع معلقا على تعمد الإفطار و هو إنما يتحقق مع العلم بكون ذلك الفعل مفسدا للصوم فإن من أتى بالمفطر جاهلا كونه كذلك و لا يصدق عليه أنه تعمد الإفطار و إن صدق عليه أنه الإفطار و إن صدق عليه أنه متعمد لذلك الفعل بل رواية ابن سنان التي هي الأصل في هذا الباب إنما تضمنت تعلق الكفارة بمن أفطر في شهر رمضان متعمدا من غير عذر و الجهل بالحكم من أقوى الأعذار كما يدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتضمنة لحكم تزويج المرأة في عدتها حيث قال فيها قلت فأي الجهالتين أعذر جهالته أن ذلك محرم عليه أم جهالته أنها في عدة فقال إحدى الجهالتين أهون من الأخرى الجهالة بأنّ اللّٰه حرم ذلك عليه و ذلك أنه لا يقدر على الاحتياط معها قلت فهو في الأخرى معذور قال نعم
و أما الرواية فهي و إن كانت لا تبلغ مرتبة الصّحيح لكنها معتبرة الإسناد إذ ليس في طريقها من قد يتوقف في شأنه سوى علي بن الحسن بن فضال ثم ذكر بعض ما يدلّ على جلالة شأن علي و لا يخفى أن بعض الروايات متضمنة لتعلق الكفارة بأصل الفعل من غير تقييد بالتعمد كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج السابقة في بحث الاستمناء و رواية عبد السلام المذكورة في المسألة السّابقة و أن جهة التوقف في الرواية ليست منحصرة في كون علي بن الحسن في الطريق فتدبر
و الإكراه على الإفطار غير مفسد لا أعلم خلافا بين الأصحاب في أن وجوب المفطر في حلق الصائم أي وضعه فيه بغير اختياره ليس بمفطر و في معناه الإكراه بحيث يرتفع القصد أما لو أكرهه إلا على هذا الوجه بل بالتوعد على ترك المفطر بما يكون ضارا في نفسه أو ما جرى مجراه شرعا مع قدرة المتوعد عليه و حصول الظن بأنه يعمل بمقتضى وعيده فاختلف الأصحاب في حصول الإفطار بذلك فذهب الأكثر إلى العدم و قال الشيخ في ظاهر كلامه أنه مفسد الصوم و الأول أقرب للأصل السالم عن المعارض و أيد بقول النّبي٦رفع عن أمتي الخطإ و النسيان و ما استكرهوا عليه
احتج الشهيد بأنه مع التوعد مختار للفعل فيصدق عليه أنه فعل المفطر اختيارا فوجب عليه القضاء و لعل نظره في إثبات الكبرى إلى العمومات الدالة على وجوب القضاء بفعل المفطر و فيه أن ثبوت العموم بحيث يشمل محل البحث محل تأمل إذ القدر المستفاد من الأخبار ثبوت القضاء في غير هذه الحالة لما بينا مرارا أن ثبوت العموم في الأخبار بالنسبة إلى غير الأفراد المتبادرة إلى الذهن غير واضح و في معنى الإكراه الإفطار للتقية
و الظاهر أنه يكفي في الجواز الظن بحصول الضرر بل لا يبعد أن يكفي في الجواز حصول الخوف الشديد بالضرر و إن كان ناشئا من الجبن و ضعف النفس و إن لم يحصل مجرد الظن بل مجرد الاحتمال و هو قوي جدا إن كان الخوف على النفس أو ما جرى مجراه و عن ظاهر عبارة الدروس أن ذلك إنما يسوغ عند خوف التلف قال بعض المتأخرين و يدفعه إطلاق الأخبار المسوغة للتقية مع الضرر كقوله٧في حسنة زرارة التقية في كل ضرورة و صاحبها أعلم به حين ينزل به و في حسنة الفضلاء التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله اللّٰه و حيث جاز الإفطار للتقية يجب الاقتصار على ما يندفع به الحاجة فلو زاد عليه كفر و قد يناقش في وجوب الكفّارة بالزيادة على القول بكون التناول على وجه الإكراه مفطرا لأن تناول الزائد على قدر الحاجة لم يصادف الصّيام و لم يحصل به الإفساد المستتبع للزوم الكفارة
و ناسي غسل الجنابة من أول الشهر إلى آخره يقضي الصّلاة و الصّوم على رأي مشهور بين الأصحاب و قال ابن إدريس بعدم وجوب قضاء الصوم عليه حجة الأوّل أن الطهارة شرط في الصوم كما أنه شرط في الصّلاة فكان انتفاؤها مقتضيا لفساد الصوم المقتضي لوجوب القضاء و صحيحة الحلبي و رواية إبراهيم بن ميمون السابقات في مسألة تعمد البقاء على الجناية و يرد عليه مع اشتراط الصوم بالطّهارة إلا في حال التذكر و أن دلالة الخبرين على الوجوب غير واضحة و لعلّ حجة ابن إدريس حصول الصّوم الموافق للأمر المقتضي للإجزاء و كون وجوب القضاء بتكليف جديد منوط بفوات الأداء و هو في محلّ البحث غير ثابت
و إنما تجب الكفارة
في صوم رمضان وجوب الكفارة في إفساد صوم رمضان لا خلاف فيه و يدلّ عليه غير واحد من الأخبار المتقدمة في تضاعيف المباحث السابقة و يزيده تأكيدا ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن عبد اللّٰه بن سنان في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر قال يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا فإن لم يقدر تصدق بما يطيق
و رواه الشيخ بإسناد آخر عن عبد اللّٰه بن سنان عنه في الصحيح أيضا و رواه الصّدوق في الصحيح أيضا و رواه الكليني عن جميل بن دراج بإسنادين أحدهما حسن بإبراهيم عن أبي عبد اللّٰه٧أنه سئل عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا فقال إن رجلا أتى النبي٦فقال هلكت يا رسول اللّٰه٦فقال ما لك قال النار يا رسول اللّٰه قال و ما لك قال وقعت على أهلي قال تصدق و استغفر فقال الرجل و الذي عظم حقك ما تركت في البيت شيئا قليلا و لا كثيرا قال فدخل رجل من الناس بمكتل من تمر فيه عشرون صاعا يكون عشرة أصوع بصاعنا فقال له رسول اللّٰه خذ هذا التمر و تصدّق به فقال يا رسول اللّٰه على من أتصدق به و قد أخبرتك أنه ليس في بيتي قليل و لا كثير قال فخذه و أطعمه على عيالك و استغفر اللّٰه قال فلما خرجنا قال أصحابنا إنه بدأ بالعتق فقال أعتق أو صم أو تصدق
و روى الصدوق عن عبد المؤمن الأنصاري في القوي عن أبي جعفر٧أن رجلا أتى النبي٦فقال هلكت و أهلكت فقال و ما أهلكك قال أتيت امرأتي في شهر رمضان و أنا صائم فقال النّبي٦أعتق رقبة قال لا أجد قال فصم شهرين متتابعين فقال لا أطيق قال تصدق على ستين مسكينا قال لا أجد فأتي النّبي٦بعذق في مكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر فقال النّبي٦خذها فتصدق بها فقال و الذي بعثك بالحق نبيا ليس ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا فقال خذه فكله أنت و أهلك فإنه كفارة لك قال الصّدوق بعد إيراد هذا الخبر و في رواية جميل بن دراج عن أبي عبد اللّٰه٧أن المكتل أتي به النبي٦كان فيه عشرون صاعا من تمر
و تجب الكفارة أيضا في قضائه أي صوم رمضان بعد الزوال على المشهور بين الأصحاب و عن ابن عقيل عدم وجوب الكفارة فيه و احتمل الشيخ وجوب الكفارة إذا كان الإفطار بعد العصر دون ما إذا كان قبله
احتج الموجبون بما رواه الكليني عن الحسن بن محبوب في الصحيح و الصدوق عنه في الصحيح عن الحارث بن محمد و هو غير ممدوح و لا مجروح إلا أن له أصلا يرويه أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن أبي عمير عن ابن محبوب عنه و فيه إشعار بحسن حاله عن بريد العجلي عن أبي جعفر٧في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان قال إن كان أتى أهله قبل الزوال فلا شيء عليه إلا يوما مكان يوم و إن كان أتى أهله بعد الزوال فإن عليه أن يتصدق على عشرة مساكين فإن لم يقدر عليه صام يوما مكان يوم و صام ثلاثة أيام كفارة لما صنع
و رواه الشيخ عن الكليني إلى قوله فإن لم يقدر و ما رواه الشيخ عن هشام بن سالم في الصّحيح قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧رجل وقع على أهله و هو يقضي شهر رمضان