ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٩٢
المصنفين المحصلين من أصحابنا و ذهب الشيخ في المسائل الحائرية إلى صرف النصف إلى الأصناف و دفن النصف الآخر أو إيداعه و به قال ابن حمزة فإذا لم يكن الإمام حاضرا فقد ذكر فيه أشياء و الصحيح عندي أنه تقسم بهم نصيبه على مواليه العارفين بحقه من أهل الفقه و الصلاح و السداد و المشهور بين المتأخرين و منهم الفاضلان أنه يصرف حصة الموجودين إليهم و أما حصة الإمام فيجوز صرفه في الأصناف الموجودين على سبيل التتمة فمنهم من خير بينه و بين الإيداع و منهم من ظاهره وجوب صرفه إلى الأصناف لوجوب إتمام ما يحتاجون إليه من حصته مع ظهوره٧و إذا كان الأمر هذا لازما له في حال حضوره كان لازما له في حال غيبته لأن الحق الواجب لا يسقط بغيبة من يلزمه ذلك و يتولاه المأذون له على سبيل العموم و كلاهما قول المصنف
و في الدروس الأقرب صرف نصيب الأصناف عليهم و التخيير في نصيب الإمام بين الدفن و الإيصاء و صلة الأصناف مع الإعواز بإذن نائب الغيبة و هو الفقيه الإمامي العدل الجامع لشرائط الإفتاء فيجب بسطه عليهم ما استطاع بحسب حاجتهم و عزمهم و مهور نسائهم فإن فضل عن الموجودين في بلده فله حمله إلى بلد آخر و في وجوبه نظر و في البيان مع الغيبة أقوال أصحها صرف النصف إلى الثلاثة وجوبا أو استحبابا و لا يجب التسوية بينهم و حفظ نصيب الإمام إلى حين ظهوره و لو صرفه العلماء إلى من يقصر حاصله من الأصناف كان جائزا بشرط اجتماع صفات الحكم فيهم هذا ما قال الأصحاب في هذه المسألة و قد ذكرنا سابقا ترجيح سقوط خمس الأرباح في زمان الغيبة و المستفاد من الأخبار الكثيرة السابقة في بحث الأرباح كصحيحة الحارث بن المغيرة النضري و صحيحة الفضلاء و صحيحة زرارة و صحيحة علي بن مهزيار و صحيحة ضريس و حسنة الفضيل و رواية محمد بن مسلم و رواية داود بن كثير و رواية الحارث بن المغيرة النضري و رواية معاذ بن كثير و رواية إسحاق بن يعقوب و رواية عبد اللّٰه ابن سنان و رواية حكم مؤذن بني عيس إباحة الخمس مطلقا للشيعة
لكن يبقى على القول به إشكالات منها أن التحليل يختص بالإمام الذي يصدر منه الحكم إذ لا معنى لتحليل غير صاحب الحق فلا يلزم عموم الحكم و جوابه أن ظاهر التعليل بطيب الولادة المذكور في بعض الأخبار و التصريح بدوام الحكم في بعضها و إسناد التحليل بصيغة الجمع في بعضها يقتضي تحقق التحليل منهم٧جميعا و يكفي في ثبوته إخبار بعضهم٧بذلك و قد أشار إلى ذلك المحقق و غيره و قد سبقت حكايته
و منها أن النصف حق للأصناف الثلاثة فكيف يسوغ التحليل بالنسبة إليه و يمكن الجواب عنه بوجهين أحدهما أنا لا نسلم أن النصف حق لهم لجواز أن يكون الأرباح ملكا للإمام٧كما بين سابقا و كذا المعادن و الغوص و الغنائم التي يؤخذ بغير إذن الإمام و قد سبق مستند هذا المنع و حكاية القول بذلك فلم يبقى إلا الكنز و الغنائم المأخوذة بإذنه٧و الحلال المختلط بالحرام أما الكنز فلم أجد قولا صريحا يكون تمام خمسه للإمام٧إلا أنه لا دليل على منعه و أما الغنائم المأخوذة بإذنه٧فهي أمر غير متحقق في زمان الغيبة و أما الحلال المختلط بالحرام فقد عرفت ضعف مستند كونه من أفراد الخمس المتعارف و لا يبعد أن يكون قول من ذهب إلى إباحة الخمس مطلقا في زمان الغيبة ناظرا إلى ما ذكرنا من كون الجميع للإمام٧و ثانيهما أنه يجوز أن يكون اختصاص الأصناف بالصنف أو مالكيتهم له مشروط بحضور الإمام لا مطلقا لا بد لنفيه من دليل فإن قلت ظاهر الآية اختصاص النصف بالأصناف و كذا مرفوعة أحمد بن محمد و مرسلة حماد و رواية يونس
قلت أما الآية فظاهرها اختصاصها بالغنائم فلا يعم غيرها مع أنها لا يشتمل زمان الغيبة بناء على أن الخطابات القرآنية متوجهة إلى الحاضرين في زمان الخطاب أو انسحاب الحكم في غير الحاضرين مستند إلى الإجماع و هو إنما يتم مع التوافق في الشرائط و هو ممنوع في محل البحث فلا ينتهض الآية حجة على حكم زمان الغيبة سلمنا لكن لا بد من صرفها من ظاهرها إما بالحمل على كونها بيانا للمصرف أو بالتخصيص جمعا بينها و بين الأخبار الدالة على الترخيص
و أما الأخبار فمع ضعف سندها غير دالة على تعلق النصف بالأصناف على وجه الملكية أو الاختصاص مطلقا بل دالة على أن على الإمام أن يقسمه كذلك فيجوز أن يكون هذا واجبا على الإمام٧من غير أن يكون شيء من الخمس ملكا لهم أو مختصا بهم أو مطلقا سلمنا لكن تدل على ثبوت هذا الحكم في زمان حضور الإمام٧لا مطلقا فيجوز اختلاف الحكم بحسب الأزمان سلمنا لكن لا بد من التخصيص فيها و صرفها عن ظاهرها جمعا بين الأدلة و بالجملة أخبار الإباحة أصح و أصرح فلا يسوغ العدول عنها بالأخبار المذكورة
و منها أنه يجب على الإمام صرف ما يحتاجون إليه من حصته حين ظهوره فيجب في حال غيبته لأن الحق لا يسقط بغيبته من يجب عليه الحق فيجب صرف الجميع في الأصناف عند الاحتياج و هو ينافي القول بالإباحة و الجواب أنه قد مر ضعف مستند الحكم المذكور و سلمنا لكن ليس من باب الديون حتى لا يسقط بالغيبة بل يجوز أن يكون واجبا مشروطا بزمان الحضور بل لا بد لنفيه من دليل
و منها الأخبار الدالة على التشديد في حقوقهم٧و قد سبق الجواب عنها في خمس الأرباح و بالجملة القول بإباحة الخمس مطلقا في زمان الغيبة لا يخلو عن قوة و لكن الأحوط عندي صرف الجميع في الأصناف الموجودين بتولية الفقيه العدل الجامع لشرائط الإفتاء و ينبغي أن يراعي في ذلك البسط بحسب الإمكان و يكتفي بمقدار الحاجة من المأكول و الملبوس و المسكن و الأشياء الضرورية بل المنكح أيضا على تقدير الحاجة و لا يزيد على مئونة السنة و ينبغي أن يراعي تقديم الأعجز و الأحوج و الأرامل و الضعفاء
و ينبغي أن يقسم النصف أقساما ثلاثة يصرف ثلثه في المساكين و ثلثه في الأيتام و ثلاثة في أبناء السبيل و يراعي في النصف الآخر الحاجة و أيضا و الاعتبارات العقلية و الشواهد النقلية مطابقان على حسن هذا القول و رجحانه و الإيداع مع استهلاك فقراء السادة مما ينفيه العقل سيما مع تكرر التجارب و شهادة العادات و دلالة أحوال الأزمان على حصول التلف و الفوات و عدم وصوله إليه٧و لا يبعد أن يقال الإذن منهم في صرفه في الأصناف حاصل بحسب شهادة القرائن و دلالة الأحوال كما لا يخفى على من يقيسه على نظائره من الأمثلة و الصور المماثلة له من جميع الجهات
و بالجملة ظني أن هذا الوجه أولى و أحوط و لو فرقه أي النصف المختص بالإمام٧غير الحاكم و هو الفقيه الإمامي العدل الجامع لشرائط الإفتاء ضمن لأنه منصوب من قبل الإمام٧فيكون له تولي ذلك دون غيره و نقل الشهيد الثاني إجماع القائلين بوجوب صرفه في الأصناف على ذلك و يلوح من كلام المفيد في الرسالة الغرية جواز تولي المالك بنفسه و الأول أحوط و على القول بوجوب الصرف أقرب