ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣١٤
الترخيص بالسفر المباح نص كان لهذا الكلام وجه بأن يقال يصير الكلام بانضمام ذلك النص بمنزلة قولنا كل سفر مباح لم يجب فيه الجمعة و حينئذ فالقول بتحريم هذا السفر يوجب إبقاء هذا العام على عمومه لكنه مندفع عند التدبر إذ هو عند التأمّل و التحقيق في قوة إثبات اللغة بالترجيح و مثله في المآل فالتعويل عليه مشكل
و استدل المصنف في التذكرة على تحريم السفر بعدم الزوال بما روي عن النبي٦من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة لا يصحب في سفره و لا يعان على حاجته و الوعيد لم يلحق المباح و هو ضعيف لأن الظاهر أن الرواية عامية و حملها على التحريم و تخصيصها بما بعد الزوال ليس أولى من حملها على الكراهة
و استدل عليه بعضهم بفحوى قوله٧وَ ذَرُوا الْبَيْعَ إذ الظاهر أن النهي عن البيع إنما وقع لمنافاته السعي الواجب كما يشعر به التعليل المستفاد من قوله تعالى ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ فيكون السفر المنافي كذلك و بما رواه ابن بابويه في الصحيح عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر كالصبح و أنت في البلد فلا تخرج حتى تشهد ذلك العيد و إذا حرم السفر بعد الفجر في العيد حرم بعد الزوال في الجمعة بطريق أولى لأن الجمعة آكد من العيد و في الدليلين ضعف
قال الشارح الفاضل و متى سافر بعد الوجوب كان عاصيا فلا يترخص حتى يفوت الجمعة فيبتدئ السفر من موضع تحقق الفوات قاله الأصحاب و هو يقتضي عدم ترخيص المسافر الذي يفوت بسفره الاشتغال بالواجب من تعلم و نحوه أو يحصل في حالة الإقامة أكثر من حالة السفر لاستلزامه ترك الواجب المضيق فهو أولى من الجمعة خصوصا مع سعة وقتها و رجاء حصول جمعة أخرى أولا معه و استلزام الحرج و كون أكثر المكلفين لا ينفكون عن وجوب التعلم فيلزم وجوب التعلم فيلزم عدم تقصيرهم أو فوات أغراضهم التي بها نظام النوع غير ضائر و الاستبعاد غير مسموع انتهى و هو مبني على أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده الخاص و هو لا يقول به لكنه موافق للتحقيق فما ذكره صحيح كما كان السفر منافيا للاشتغال بالتعلم الواجب المضيق إلا في تحقيق المقدار الذي يجب تعلمه على كل مكلف إشكال و عسر
و قد قال بعض أفاضل الشارحين ليس في الكتاب و السنة ما يدل على وجوب التعلم على الوجه الذي اعتبره المتأخرون بل المستفاد منهما خلاف ذلك كما يرشد إليه تيمم عمار و طهارة أهل قبا و نحو ذلك و أطال الكلام في هذا الباب و قوى عدم الوجوب و الاكتفاء في الاعتقادات الكلامية بإصابة الحق كيف اتفق و إن لم يكن عن دليل و قواه بعض الأفاضل المتأخرين عنه و هو عند التأمّل لا يوافق القواعد الصحيحة العدليّة على ما أظن و تحقيق هذا المقام يحتاج إلى زيادة تطويل لا يناسب هذا الكتاب
فرعان الأول لو كان السفر واجبا كالحج و الغزو مع التضيق أو مضطر إليه ارتفع التحريم على إشكال في السفر الواجب
الثاني لو كان بعيدا عن الجمعة بفرسخين فما دون فخرج مسافرا في صوب الجمعة قيل يجب عليه الحضور عينا و إن صار في محل الترخص لأنه لولاه لحرم عليه السفر و لأن من هذا شأنه يجب عليه السعي قبل الزوال فيكون سبب الوجوب سابقا على السفر كما في الإتمام لو خرج بعد الزوال
و احتمل في الذكرى عدم كون هذا المقدار محسوبا من المسافة لوجوب قطعه على كل تقدير و يجري مجرى الملك في أثناء المسافة قال و يلزم من هذا خروج قطعه من السفر عمن اسمه بغير موجب و قال بعض المتأخرين و لو قيل باختصاص تحريم السفر بما بعد الزوال و إن وجوب السعي إلى الجمعة قبله للبعيد إنّما يثبت مع عدم إنشاء المكلف سفرا مسقطا للوجوب لم يكن بعيدا من الصواب
و الظاهر عندي أن إنشاء السفر إذا كان قبل زمان تعلق وجوب السعي و هو زمان لا يدرك الجمعة كان آخر السعي سقطت الجمعة و إلا وجبت عليه و إن صدق اسم المسافر و وجهه يعلم ممّا حققناه سابقا
و يحرم الأذان الثاني اختلف الأصحاب في الأذان الثاني فذهب الشيخ في المبسوط و المحقق في المعتبر إلى أنه مكروه و ذهب ابن إدريس و جمهور المتأخرين إلى أنه محرم
احتج القائلون بالتحريم بأن الاتفاق واقع على أن النبي٦لم يفعله و لا أمر بفعله و إذا لم يثبت مشروعيّة كان بدعة كالأذان للنافلة و المروي أن أول من فعل ذلك عثمان قال الشافعي ما فعله النبي و أبو بكر و عمر أحب إلي و قيل أول من فعل ذلك معاوية و هو متجه إن قصد به كونه عبادة على هذا الوجه
و احتجوا أيضا بما رواه الشيخ عن حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه قال الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة و سمي ثالثا لأنه ثالث بالنسبة إلى الأذان و الإقامة الموظفين شرعا ورودها المحقق باستضعاف السند قال في الذكرى و لا حاجة إلى الطعن في السند مع قبول الرواية التأويل و تلقي الأصحاب لها بالقبول بل الحق أن لفظ البدعة ليس بصريح في التحريم فإن المراد بالبدعة ما لم يكن في عهد النبي٦ثم تجدد بعده و هو ينقسم إلى محرم و مكروه و يرد عليه أن الظاهر من البدعة التحريم
و قد روى الشيخ عن زرارة و محمد بن مسلم و الفضيل في الصحيح عن الصادقين٧ألا و إن كل بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها إلى النار
نعم يمكن أن يقال يحتمل أن يكون المراد بالأذان الثالث الأذان للعصر فدلالة الرواية على المدعى غير واضحة و اختلف كلامهم في تفسير الأذان الثاني فقيل ما وقع ثانيا بالزمان بعد أذان آخر واقع في الوقت من مؤذن واحد أو قاصد كونه ثانيا سواء كان بين يدي الخطيب و على المنارة أو غيرهما و قيل ما وقع ثانيا بالزمان و القصد لأن الواقع لو لا هو المأمور به و المحكوم بصحته فيكون التحريم متوجها إلى الثاني و قيل إنه ما لم يكن بين يدي الخطيب لأنه الثاني باعتبار الأحداث سواء وقع أولا أو ثانيا بالزمان لما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن ميمون عن جعفر عن أبيه٧قال كان رسول اللّٰه٦إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون
و الرواية ضعيفة السند معارضة بما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال سألته عن الجمعة فقال أذان و إقامة يخرج الإمام بعد الأذان فيصعد المنبر الحديث و هو صريح في استحباب الأذان قبل صعود الإمام المنبر فيكون المحدث غيره و قال ابن إدريس الأذان الثاني ما يفعل بعد نزول الإمام مضافا إلى الأذان الذي عند الزوال
و يحرم البيع و شبهه من العقود و الإيقاعات بعد الزوال أجمع العلماء كافة على تحريم البيع بعد الأذان للجمعة نقل الإجماع عليه المصنف في المنتهى و التذكرة و يدل عليه قوله تعالى وَ ذَرُوا الْبَيْعَ لأنه في قوة أن يقال اتركوا البيع بعد النداء فيكون البيع حراما
و أما الاستدلال عليه بقوله تعالى فَاسْعَوْا بناء على أن الفورية يستفاد من ترتب الجزاء على الشرط أو على أن قوله تعالى وَ ذَرُوا الْبَيْعَ قرينة على إرادة الفور من الأمر بالسعي و إذا كان الأمر بالسعي للفور كان البيع محرما لمنافاته للسّعي و الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده فمع ما فيه من مخالفة المشهور من عدم وجوب السعي فورا بل يتضيق بتضيق وقت الصلاة فلا يصلح للقائلين بالتوسعة الاستناد إليه و ضعف الابتناء الثاني لا يفيد عموم الدعوى بل يختص بصورة المنافاة ثم لا يخفى أن المذكور في عبارات الأصحاب تحريم البيع بعد الأذان حتى أن المصنف في المنتهى و النهاية نقل إجماع الأصحاب على عدم تحريم البيع قبل النداء و لو كان بعد الزوال
قال في المنتهى لا نعرف خلافا بين أهل العلم في مشروعية الأذان عقيب حضور الإمام إلى قوله و هو الأذان الأول الذي يحرم به البيع و يتعلق به وجوب السعي و ينبغي فعله مع أذان المؤذنين في المنارة و قال أيضا و إذا صعد الخطيب المنبر ثم أذن المؤذن حرم و هو مذهب علماء الأمصار إلى قوله و لا يحرم بزوال الشمس ذهب إليه علماؤنا أجمع بل يكون مكروها و نسبه إلى جماعة من التابعين و أكثر أهل العلم و نسب إلى مالك و أحمد تحريم البيع بعد الزوال فما اختاره في هذا الكتاب من إناطة التحريم بالزوال و اختاره الشارح الفاضل محل تأمّل
بقي الكلام في تحقيق ما يشبه البيع من سائر العقود و الإيقاعات و لعل المشهور عدم التحريم قال المحقق في المعتبر الأشبه بالمذهب لا و استشكله المصنف في جملة من كتبه فتوقف في بعضها و ذهب في بعضها إلى التحريم و وافقه جماعة من الأصحاب منهم الشهيد نظرا إلى المشاركة في العلة المومى إليها بقوله ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ و هو ضعيف و ربما يحتج عليه بفورية السعي و منافاته لمطلق المعارضة و أنت خبير بما فيه
قال في الذكرى و لو حملنا البيع على المعاوضة المطلقة التي هي معناه الأصلي كان المستفاد من الآية تحريم غيره و يمكن تعليل التحريم بأن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده و لا ريب أن السّعي مأمور به فيتحقق النهي عن كل ما ينافيه من بيع و غيره و يرد عليه على الأول أن مطلق المعارضة غير المعنى المتبادر من البيع عرفا و شرعا سلمنا التساوي لكن تعيين كون المراد مطلق المعارضة يحتاج إلى دليل مع أن الأصل عدم التحريم و على الثاني أنه مخالف لما ذهب إليه في مواضع من كتابه من عدم كون الأمر بالشيء مقتضيا للنهي عن ضده الخاص و لا يثبت به؟؟؟؟ دعوى