ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٨٧
للميت و إن لم يكن عليه قضاء و لم يكن المصلي ولده لكن الذي ظهر لي أن الفتوى بذلك لم يكن مشهور في كتب القدماء و إنما أحدث و اشتهر بين أصحابنا المتأخرين و المشهور من كتب السابقين قضاء الولي عن الميّت حسب و هل ينسحب هذا الحكم في كل صلاة حتى جاز أن يصلّي المكلّف صلاة الظهر مثلا و ينويه عن الميّت و إن لم يكن عليه قضاء أم يختص ذلك بالصلوات المستحبة التي جوز للمكلّف الإتيان بها لنفسه بأن يصليها و يجعل ثوابها للميّت دون مثل الظهر ممّا لا يجوز للمكلّف الإتيان بها لنفسه إلا مرة واحدة فيه إشكال نظرا إلى أن شرعية العبادات تحتاج إلى توقيف الشرع و ليس هاهنا أمر دال على ذلك بحيث ينسدّ به باب التوقف و الإشكال فإن الأخبار المذكورة غير واضحة الدلالة على العموم
و لو سلم لا يبعد أن يكون المراد بالصلاة فيها الصلاة المشروعة بالنسبة إلى المكلف بناء على أن لفظة الصلاة موضوعة للصحيحة الشرعية و لا طبيعة الأركان مطلقا و إذا كان الأمر كذلك كان محصل النص أن كل صلاة يصح شرعا أن يفعله المكلف فله أن يجعله للميت فلا يستفاد منه الجواز
و أما قضية صفوان فقد ذكرها النجاشي بلفظ روى و الشيخ أطلق ذكرها و لم يذكر لها سندا و طريقا و المسامحة في نقل أمثال هذه الحكايات التي لم يكن الغرض الأصلي من إيرادها تأسيس حكم شرعي شائع غالب فبهذا الاعتبار يحصل نوع شك في صحة الاستناد إلى الأمر المذكور فيحصل الشك في المسألة حتى يفتح اللّٰه و يسهل طريق معرفتها
الثاني أنه يجوز للمكلف أن يقضي عن الميّت إذا علم أن عليه قضاء و إن لم يكن ولدا له لرواية عمار و قضية الخثعمية السابقتين و يؤيده إطلاق الأخبار السابقة و هل يجوز ذلك باحتمال أن عليه قضاء أو توهمه أو تخيله فيه نظر و شك لعدم الدليل و توقف العبادات على التوقيف
الثالث قال السيد في الرسالة المذكورة لو أوصى الميّت بالصلاة عنه وجب العمل بوصيته لعموم قوله تعالى فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ و لأنه لو أوصى ليهودي أو نصراني لوجب إنفاذ وصيته فكيف الصلاة المشروعة لرواية الحسين بن سعيد بسنده إلى محمد بن سليم قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل أوصى بما له في سبيل اللّٰه قال أعطه لمن أوصى به و إن كان يهوديا أو نصرانيا أن اللّٰه عز و جل يقول فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ
و ذكر الحسين بن سعيد في حديث آخر عن الصادق٧لو أن رجلا أوصى إلي أن أصنع في يهودي و نصارى لو صنعت فيهم إن اللّٰه يقول فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ الآية و هو حسن
الرابع هل يجوز الاستيجار على فعل الصلاة الواجبة بعد الوفاة لم أجد تصريحا به في كلام القدماء و لم يكن ذلك مشهورا بينهم قولا و و فعلا و إنما اشتهر بين المتأخرين نعم قال السيد في الكتاب المذكور و قد حكى ابن حمزة في كتابه في قضاء الصلاة عن الشيخ أبي جعفر محمد بن حسين الشوهاني أنه كان يجوز الاستيجار عن الميّت
و استدل ابن زهرة على وجوب قضاء الولي الصلاة بالإجماع على أنها تجري مجرى الصوم و الحج و قد سبقه ابن الجنيد بهذا الكلام حيث قال و العليل إذا وجبت عليه الصلاة و أخرها عن وقتها إلى أن فاتت قضاها عنه وليه كما يقضي حجة الإسلام و الصيام قال و كذلك روى ابن يحيى عن إبراهيم بن هشام عن أبي عبد اللّٰه٧فقد سويا بين الصلاة و بين الحج و لا ريب في جواز الاستيجار على الحج
قال الشهيد في الذكرى الاستيجار على فعل الصلاة الواجبة بعد الصلاة مبنية على مقدمتين أحدهما جواز الصلاة عن الميّت و هذه إجماعية و الأخبار الصحيحة ناطقة بها كما تلوناه و الثانية أنه كلما جازت الصلاة عن الميّت جاز الاستيجار عنه و هذه المقدمة داخلة في عموم الاستيجار على الأعمال المباحة التي يمكن أن يقع للمستأجر و لا يخالف فيها أحد من الإمامية بل و لا من غيرهم لأن المخالف من العامة إنما منع لزعمه أنه لا يمكن وقوعها للمستأجر عنه
أما من يقول بإمكان وقوعها له و هم جمع الإمامية فلا يمكنه القول بمنع الاستيجار إلا أن يخرق الإجماع في إحدى المقدمتين على أن هذا النوع قد انعقد عليه الإجماع من الإمامية الخلف و السلف من عهد المصنف و ما قبله إلى زماننا هذا و قد تقرر أن إجماعهم حجة قطعية
ثم قال فإن قلت فهلا اشتهر الاستيجار على ذلك و العمل به عن النبي و الأئمّة٧كما اشتهر الاستيجار على الحج حتى علم من المذهب ضرورة قلت ليس كل واقع يجب اشتهاره و لا كل مشهور يجب الجزم بصحته قرب مشهور لا أصل له و رب متأصل لم يشتهر إما لعدم الحاجة في بعض الأحيان لندور وقوعه و الأمر في الصلاة كذلك فإن سلف الشيعة كانوا على ملازمة الفريضة و النافلة على حد لا يقع من أحد منهم إخلال بها إلا لعذر يعتد كمرض موت أو غيره فإذا اتفق فوات فريضة بادروا إلى فعلها لأن أكثر قدمائهم على المضايقة المحضة فلم يفتقروا إلى هذه المسألة و اكتفوا بذكر قضاء الولي لما فات الميّت من ذلك على طريق الندور يعرف هذه الدعاوي من طالع كتب الحديث و الفقه و سير السلف معرفة لا يرتاب فيها فحلف من بعدهم قوم تطرق إليهم التقصير و استولى عليهم فتور الهمم حتى آل الحال إلى أنه لا يوجد من يقوم بكمال السنن إلا أوحديهم و لا يبادر بقضاء الفائت إلا أقلهم فاحتاجوا إلى استدراك ذلك بعد الموت لظنهم عجز الولي عن القيام به فوجب رد ذلك إلى الأصول المقررة و القواعد الممهدة
و فيما ذكرناه كفاية على أن قضاء الصلاة عن الميّت غير متروك ذكره بين أرباب المذاهب لمباينة للشيعة على طرف النقيض و لا مهمل نقل روايته عند نقله حديثهم ثم أخذ في نقل بعض عباراتهم و رواياتهم الدالة على ذلك
قلت يتلخص ممّا ذكره الشهيد ره أن الحكم بجواز الاستيجار للميت مبني على الإجماع على أن كل أمر مباح يمكن أن يقع للمستأجر يجوز الاستيجار فيه و قد نبهت مرارا بأن إثبات الإجماع في زمن الغيبة في غاية الإشكال خصوصا في مثل هذه المسألة التي لم يشتهر في سالف الأعصار و خلت عنه مصنفات القدماء و العظماء
ثم قوله على أن هذا النوع قد انعقد عليه الإجماع يدل على أنه زعم انعقاد الإجماع عليه في زمان السّيد و ما قاربه و لا يخفى أن دعوى انعقاد الإجماع بالمعنى المعروف بين الشيعة في مثل ذلك إلا زمان بين التعسف واضح الجزاف ثم ما ذكره في تعليل عدم اشتهار هذا الحكم بين السلف لا يخلو عن تكلف فإن ما ذكره من ملازمة الشيعة على مداومة الصلوات و حفظ حدودها و الاستباق و المسارعة إلى قضاء فوائتها على تقدير تمامها إنما يجري في العلماء و أهل التقوى منهم لا عوامهم و أداينهم و عموم السفلة و الجهلة منهم و يكفي ذلك داعيا للافتقار إلى هذه المسألة و الفتوى بها و اشتهار العمل بها لو كان لها أصل و بالجملة للنظر في هذه المسألة وجه فتدبر
الخامس هل يجب القضاء عن الميّت المشهور نعم و لعل مستنده غير واحد من الروايات السابقة الدالة على أن الولي يقضي ما فات الميّت و في دلالتها على الوجوب نظر لعدم وضوح دلالة الأمر و ما في معناها في أخبارنا على الوجوب و في اشتهار الحكم بحيث يجبروهن الدلالة نوع تأمّل فإن بعض الأصحاب لم يذكروه و بعضهم لم يقولوا بعمومه و لا يتعينه بل خير بينه و بين التصدق و تحرير الأقوال أن القول بوجوب جميع ما فات الميّت مستند إلى ظاهر الشيخين و ابن أبي عقيل و ابن البراج و ابن حمزة و المصنف في أكثر كتبه
و قال ابن الجنيد ره و العليل إذا وجب عليه صلاة فأخرها عن وقتها إلى أن مات قضاها عنه و فيه كما يقضي عنه حجة الإسلام و الصيام ببدنه و إن جعل بدل كل ركعتين مدا أجزأه فإن لم يقدر فلكل أربع و إن لم يقدر فمدا لصلاة النهار و مدا لصلاة الليل و الصلاة أفضل و كذا المرتضى فاعتبرا مع التخيير بين القضاء و التصدق التخصيص بما فات عن العليل
و قال ابن زهرة و من مات و عليه صلاة وجب على وليه قضاؤها و إن تصدق عن كل ركعتين بمد أجزأ إلى آخر ما قاله ابن الجنيد فاعتبر التخيير دون التخصيص السابق و احتج بالإجماع و طريقة الاحتياط و قال ابن إدريس بوجوب القضاء على وليه الأكبر من الذكران عما وجب على العليل فأخره عن أوقاته حتى مات و لا يقضي عنه إلا الصلاة الفائتة في حال مرض موته فحسب و تبعه يحيى بن سعيد و الشهيد في اللمعة فقال المحقق في بعض مصنفاته الذي ظهر أن الولد يلزمه قضاء ما فات الميّت من صلاة و صيام لعذر كالمرض و السفر و الحيض لا ما تركه الميّت عمدا مع قدرته عليه و هو قول السيد عميد الدين و في الذكرى لا بأس به فإن الروايات تحمل على الغالب من الترك و هو إنما يكون على هذا الوجه
أما تعمد ترك الصلاة فإنه نادر قال نعم قد يتفق فعلها لا على الوجه البريء للذمة و الظاهر أنه يلحق بالتعمد التفريط و الظاهر عندي أنه لو قلنا بأن الأخبار ظاهرة في الوجوب كان القول بعموم المقتضي و تعين القضاء متعينا و إلا كما هو الظاهر كان ثبوت الحكم منوطا بالاتفاق متقدرا بقدره فالإشكال ثابت فيه
ثم اعلم أن السيد ابن زهرة بعد ذهابه إلى ما حكينا عنه أورد عليه على نفسه قوله تعالى وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلّٰا مٰا سَعىٰ و ما روي من قول النبي٦إذا مات المؤمن انقطع عمله إلا من ثلاث و أجاب بأن الثواب للفاعل لا للميت لأن اللّٰه تعالى تعبد الولي بذلك و سماه قضاء عنه لحصوله عند تفريطه
و احتج بعض العامة المانعة من لحوق ما عدا الدعاء و الصدقة و الحج إلى الميّت بالآية و الخبر المذكورين و على هذين اعتمد النووي و غيره و أجيب بأنهما عام ما مخصوصان بمحل الوفاق فهما أجيب عنه فهو جوابنا و أيضا الأعمال الواقعة نيابة عنه بعد موته نتيجة سعيه في تحصيل الإيمان