ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٥١٥
شرعا في صيام جميع أيامه و إن تقدمت
و يرد على ما ذكره منع أن حرمته حرمة واحدة بمعنى كون المجموع عبادة واحدة بل صوم كل يوم أمر مستقل بنفسه غير متعلق بغير و لهذا يتعدد المفطر و منع ثبوت الإجماع و رد المحقق كلام المرتضى بأنه قياس محض لا يتمشى على أصولنا قال لكن علم الهدى ادعى على ذلك الإجماع و كذلك الشيخ أبو جعفر و الأولى تجديد النية لكل يوم في ليلته لأنا لا نعلم ما ادعياه من الإجماع
و استدل بعضهم على القول الأول بقول النبي٦لا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل فبأن مقتضى الليل وجوب المقارنة خرجنا عنه في القدر المتيقن للمشهور و الإجماع و بقي غيره على مقتضى الأصل و فيه تأمل لعدم ثبوت صحة الرواية الأولى و نوع إجمال في مدلولها و لأن إثبات وجوب المقارنة بحسب الدليل لا يخلو عن إشكال نعم لقائل أن يقول تحصيل العلم بالبراءة من التكليف الثابت يقتضي وجوب تجديد النية بناء على ما ذكرنا سابقا من عدم ثبوت كون النية شرطا خارجا و عدم ثبوت كون الصّوم حقيقة شرعية في نفس الإمساك من غير اعتبار استجماعه للشرائط المؤثرة في الصّحة إلا أن بهذا الوجه لا يثبت وجوب القضاء عند الإخلال بالتجديد
و كيف ما كان فلا ريب في أولوية التجديد و قال المصنف في المنتهى إن قلنا بالاكتفاء بالنية الواحدة فإن الأولى تجديدها بلا خلاف و استشكل هذا الحكم الشهيد الثاني بناء على أن القائل بالاكتفاء بنية واحدة للشهر يجعله عبادة واحدة كما صرح به في دليله و من شأن العبادة الواحدة المشتملة على النية الواحدة أن لا يجوز تفريق النية على أجزائها كما هو المعلوم من حالها و حينئذ يشكل أولوية تعدد النية بتعدد الأيام لاستلزامه تفريق النية على أجزاء العبادة الواحدة التي يفتقر إلى النية الواحدة قال و الطريق المخرج من الإشكال الجمع بين نية المجموع و بين نية لكل يوم و اعترض عليه بمنع امتناع تفريق النية على أجزاء العبارة خصوصا مع انفصال بعضها من بعض
و اعترض عليه أيضا بأن المسئول بحكاية الواحدة كالسّيد و المحقق و المصنف في المنتهى معترف بضعفها كما هو الظاهر البين و إنما تعويلهم على الإجماع و تعبيرهم بالجواز لا الوجوب يقتضي تجويزهم التفريق و عبارة المنتهى دالة على نفي الخلاف في ذلك و الظاهر أنه لم يقل أحد بأن صوم كلّ يوم ليس عبادة مستقلة يترتب عليه الثواب من غير ارتباط له بالمجموع في ترتب ثوابه عليه نعم لا يبعد القول بأن كل واحدة عبادة مستقلة و المجموع أيضا عبادة مستقلة أخرى فلو قيل بذلك لم يبعد أن يقال المجموع أيضا يحتاج إلى نية على حدة كما أن الأجزاء يحتاج إليها لكن لا أعرف أحدا صرّح بهذا
و لو فاتته النية في أول الشهر لعذر أو غيره هل يكتفي بالنية في ثاني ليلة أو ثالث ليلة للباقي من الشهر تردد فيه المصنف في المنتهى و استوجه الشهيد في البيان عدم الاكتفاء بذلك و قال المصنف في المنتهى لو نذر شهرا معينا أو أياما معينة متتابعة لم يكتف فيها بالنية الواحدة أما عندنا فلعدم النص و أما عندهم فللفرق بين صوم لا يقع فيه غيره و بين صوم يجوز أن يقع فيه سواه و في الدروس أن عدم الاكتفاء هنا إجماعي
و لا يكفي النية المتقدّمة عليه أي على رمضان للناسي على رأي مشهور بين المتأخرين و ذهب الشيخ في النهاية و المبسوط إلى جواز الاكتفاء بنية متقدمة على الشهر للناسي و ليس فيهما تعيين لمدة التقديم و أطلق في الخلاف من غير تقييد بجواز الاكتفاء بالنسيان و نقله عن الأصحاب صرح بجواز تقديمها بيوم و أيام و قال الشهيد في البيان و لو ذكر عند دخول الشهر لم يجز العزم السّابق قولا واحدا و لعل نقل الشيخ إلى أن القدر الثابت حصول النية المطلقة و المقارنة ليست بشرط فيها فجاز الاكتفاء بالنية المتقدّمة على الشهر كما جاز الاكتفاء بالنية المتقدمة على الصوم و لعل نظر النافين على قوله٧لا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل و على أن المقارنة شرط بمقتضى الدليل خرجنا عنه بقدر اقتضاء الدليل و لا يصح الخروج عنه فيما لم يقم دليل عليه و للنظر في الجانبين مجال و التحقيق غير خاف عليك بعد الإحاطة بما سبق
و لا يقع في رمضان غيره أي غير الصوم الواجب في رمضان بالأصالة فلا يجوز للمسافر أن يصوم في رمضان ندبا و إن جوزنا له الصيام المندوب في السفر و كذا واجبا بالنذر المقيد بالسفر و الحضر و هو المشهور بين الأصحاب و نقل عن الشيخ في ظاهر أنه جوز الصيام المندوب عن المسافر في رمضان و يدل على الأول أن الصيام وظيفة شرعية يتوقف على إذن الشارع و توقيفه و لم يحصل في موضع البحث فيكون تشريعا و بدعة و يؤيده ما رواه الشيخ عن الحسن بن بسام الجمال عن رجل قال كنت مع أبي عبد اللّٰه٧فيما بين مكة و المدينة في شعبان و هو صائم ثم رأينا هلال شهر رمضان فأفطر فقلت له جعلت فداك أمس كان من شعبان و أنت صائم و اليوم من شهر رمضان و أنت مفطر فقال إن ذلك تطوّع و لنا أن نفعل ما شئنا و هذا فرض و ليس لنا أن نفعل إلا ما أمرنا قيل الرواية التي اعتمد عليها الشيخ في جواز صيام النافلة في السفر متضمنة لعدم وقوعه في شهر رمضان فيبقى الأخبار المانعة من وقوع الصيام في السفر سليمة عن المعارض
فلو نوى غيره أي غير رمضان فيه لم يجزئ عن أحدهما على رأي اختاره جماعة من الأصحاب منهم ابن إدريس و المصنف و استجوده بعض المتأخرين و ذهب الشيخ و المرتضى و المحقق إلى أنه يجزي عن رمضان دون ما نواه احتج المصنف في المختلف على ما رجحه فيه من عدم الإجزاء بالتنافي بين نية صوم رمضان غيره و بأنه منهي عن نية غيره و النهي مفسد و بأن مطابقة النية للمنوي واجبة و فيه نظر أما الأول فلأن التنافي مسلم لكن لم لا يجوز أن يكفي في صحة صيام رمضان نية الإمساك مع التقرب لا يعتبر فيها نية خصوصية كونه صوم رمضان لا بد لنفي ذلك من دليل و أما الثاني فلأن النهي متعلق بخصوصية نية كونه غير صوم رمضان و هي أمر خارجة عن حقيقة العبادة فلا يستلزم النهي عنها بطلان الصوم و أما الثالث فلأن وجوب مطابقة النية بجميع أجزائها و خصوصياتها للمنوي غير مسلم و إن أراد المطابقة في الجملة فهي حاصلة في موضع البحث
احتج المحقق على الإجزاء عن رمضان بأن النية المشترطة حاصلة و هي نية القربة و ما زاد لغو لا عبرة به فكان الصوم حاصلا بشرطه فيجزي عنه و استشكله بعض المتأخرين بأن من هذا شأنه لم ينو المطلق لينصرف إلى رمضان و إنما نوى صوما معينا فما نواه لم يقع و غيره ليس بمنوي فيفسد لانتفاء شرطه و فيه تأمل و التمسك بقوله٧إنما لكل امرئ ما نوى لا يخلو عن إشكال لما في الرواية من الإجمال بحيث لا يتضح منها المقصود على وجه
يمكن الاستدلال بها في موضع البحث و الظاهر أن اليقين بالبراءة من التكليف الثابت لا يحصل مع النية المذكورة لكن في إثبات وجود القضاء إشكال و قد عرفت توجيه ذلك مما سبق بيانه و إطلاق كلام المصنف يقتضي عدم الفرق بين الجاهل بكونه من رمضان و العالم به لكن الظاهر أن العموم بالنسبة إلى الجاهل غير مقصود بل الظاهر أن الوقوع عن رمضان مع الجهالة بالشهر موضع وفاق كما سيجيء في صيام يوم الشّك بنية الندب
و لا يجوز صوم يوم الشك بنية رمضان فلا يجوز عن رمضان لو ظهر أنه كان منه على القول المشهور بين الأصحاب ذهب إليه الشيخ و المرتضى و ابنا بابويه و أبو الصّلاح و سلار و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس و الفاضلان و غيرهم و ذهب ابن أبي عقيل و ابن الجنيد إلى أنه يجزيه عن رمضان و إليه ذهب الشيخ في الخلاف حجة الأول أن إيقاع المكلف الصوم في الزمان المحكوم بكونه من شعبان على أنه من شهر رمضان يتضمن إدخال ما ليس من الشرع فيه فيكون حراما لا محالة كالصلاة بغير طهارة فلا يتحقق به استناد ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر٧في رجل يصوم في اليوم الذي يشك فيه عن رمضان فقال٧عليه قضاؤه و إن كان كذلك ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن سماعة بإسناد لا يبعد أن يعد موثقا قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧رجل صام يوما و لا يدري أ من شهر رمضان هو أو من غيره فجاء قوم فشهدوا أنه كان من رمضان فقال بعض الناس عندنا لا يعتد به فقال بلى فقال إنهم قالوا صمت و أنت لا تدري أ من رمضان هذا أم من غيره فقال إن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشّك و إنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل اللّٰه عز و جل و بما قد وسع على عبادة و لو لا ذلك لهلك الناس
و ما رواه الشيخ عن محمد بن شهاب الزهري قال سمعت عليّ بن الحسين٧يقول يوم الشك أمرنا بصيامه و نهينا عنه أمرنا أن يصومه الإنسان على أنه من شعبان و ينهانا عن أن يصومه على أنه من شهر رمضان و هو لم ير الهلال
و يمكن الاستدلال عليه أيضا بما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير في الصحيح عن جعفر الأزدي عن قتيبة الأعشى قال قال أبو عبد اللّٰه ع