ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٧٥
الظاهر أن الجهر و الإخفات حقيقتان متضادتان لا يتصادقان في محلّ واحد كما صرّح به المصنّف في النهاية و ربما يظن خلاف ذلك و هو توهم و أما تفسيرهما فقال المصنّف في التذكرة أقلّ الجهر أن يسمع غيره القريب تحقيقا أو تقديرا و حدّ الإخفات أن يسمع نفسه أو بحيث يسمع لو كان سميعا بإجماع العلماء و لأن ما لا يسمع لا يعد كلاما و لا قراءة و قريب منه كلام المحقق في المعتبر
و قال في المنتهى أقل الجهر الواجب أن يسمع غيره القريب أو يكون بحيث يسمع لو كان سامعا بلا خلاف بين العلماء و الإخفات أن يسمع نفسه أو بحيث يسمع لو كان سامعا و هو وفاق لأن الجهر هو الإعلان و الإظهار و هو يتحقق بسماع الغير القريب فيكتفى به و الإخفات السرّ و إنما حددناه بما قلناه لأن ما دونه لا يسمى كلاما و لا قرآنا و ما زاد عليه يسمّى جهرا و بنحو ما ذكر فسرهما في سائر كتبه و كذا الشّهيد ره
و قال ابن إدريس و أدنى حدّ الجهر أن يسمع من عن يمينك أو شمالك و لو علا صوته فوق ذلك لم يبطل صلاته و حدّ الإخفات أعلاه أن يسمع أذناك القراءة و ليس له حد أدنى بل إن لم تسمع أذناه القراءة فلا صلاة له و إن سمع من عن يمينه أو شماله صار جهرا إذا فعله عامدا بطلت صلاته و قال المدقق الشيخ علي في شرح القواعد
و ينبغي أن يزاد في الجهر قيد آخر و هو تسميته جهرا عرفا و ذلك بأن يتضمّن إظهار الصّوت على الوجه المعهود و قال في تفسير الإخفات و لا بد من زيادة قيد آخر تسميته مع ذلك إخفاتا بأن يتضمن إخفاء الصوت و همسه قال و ليس المراد إسماع نفسه خاصة لأن بعض الإخفات قد يسمعه القريب و لا يخرج بذلك عن كونه إخفاتا
و قال الشارح الفاضل أقل السر أن يسمع نفسه لا غير و أقل الجهر أن يسمع من قرب منه إذا كان صحيح السّمع مع اشتمال القراءة على الصوت الموجب لتسميته جهرا عرفا و قريب منه كلامه في الرّوضة و المسالك و قال الفاضل الأردبيلي بعد تفسير نقل المصنّف الظاهر أنه لا بدّ مع ذلك من انضمام العرف بأن سمّي جهرا أو إخفاتا و قيل لا بدّ من ظهور جوهر الحروف و عدمه ليتحقق التّباين الكلّي
و لا يخفى أن كلام هؤلاء الفضلاء الثّلاثة مخالف لما نقلناه عن الفاضلين و ابن إدريس مع ادّعاء الفاضلين الإجماع عليه لكنه مرتبط بالدليل فإنه قد يسمع القريب و لا يسمى جهرا عرفا و الإحالة إلى العرف هي الحكمة في أمثال هذه الأحكام مع أن ضبط التحديد الذي ذكروه يقتضي إلى العسر و الضيق الشّديد غالبا و الحال أنه لم يعهد بهم٧المضائقة في أمثال هذا إلا أنك فقد سمعت أن دعوى الفاضلين الإجماع على التحديد الذي ذكرا كان التعدّي عنه في غاية الإشكال
ثم الدّليل على أن أقل الإخفات المجزي أن يسمع نفسه ظاهر الآية على التفسير الراجح المعتضد بخبري سماعة و ابن سنان و ما رواه الكليني و الشيخ عنه في الحسن عن زرارة عن أبي جعفر٧قال لا يكتب من القراءة و الدّعاء إلا ما أسمع نفسه إذ الظاهر من السّماع سماع جواهر الحروف
و الظاهر أنه لا خلاف في هذا الحكم و قد سمعت نقل الإجماع عليه فتعيّن التأويل فيما خالفه و هو ما رواه الشيخ عن علي بن جعفر في الصّحيح عن أخيه موسى بن جعفر٧قال سألته عن الرّجل يصلح له أن يقرأ في صلاته و يحرك لسانه بالقراءة في لهواته من غير أن يسمع نفسه قال لا بأس أن لا يحرك لسانه يتوهم توهما و حملها الشيخ علي من كان مع الإمام لا يقتدي به في الصّلاة و يخاف من إسماع نفسه القراءة و أسند فيه بما رواه في الصّحيح عن محمّد بن أبي حمزة عمن ذكر عن أبي عبد اللّٰه٧قال يجزيك من القراءة معهم مثل حديث النفس
و قريب منها ما رواه في الصّحيح عن عليّ بن يقطين قال سألت أبا الحسن٧عن الرّجل يصلّي خلف من لا يقتدي بصلاته و الإمام يجهر بالقراءة قال اقرأ لنفسك و إن تسمع نفسك فلا بأس أوردها الشّيخ في التهذيب في أحكام الجماعة و لا يخفى بعد التأويل الذي ذكره الشيخ إلا أنه لا معدل عن ارتكاب التأويل في الخبر المذكور بعد مخالفته للأخبار الأولة و غيرها من الأخبار الدالة على وجوب القراءة و الاتفاق عليه و توقف اليقين بالامتثال عليه
و أما ما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيد مختلفة صحيحة عن الحلبي قال سألت أبا عبد اللّٰه٧هل يقرأ الرّجل في صلاته و ثوبه على فيه قال لا بأس بذلك إذا أسمع أذنيه الهمهمة فلا ينافي ما ذكرناه لأن الهمهمة الصوت الخفي على ما قاله صاحب القاموس و لا يعتبر فيه عدم الفهم و إن كان كلام ابن الأثير يقتضيه
الثّاني وجوب الجهر في موضعه مختص بالرّجال و لا جهر على النساء قال الفاضلان و الشهيدان عليه إجماع العلماء لكن لا تقتصر في الإخفات عن إسماع نفسه و لو جهرت و لم يسمعها الأجنبي فالظاهر الجواز لحصول الامتثال و لو سمعها الأجنبي فالمشهور بين المتأخرين بطلانها للنهي في العبادة المستلزم للفساد و هو مبني على أن صوت المرأة الأجنبية عورة و لم يظهر إلى الآن دليله و ما يقال من أنه يجوز أن يكون النهي هاهنا راجعا إلى الزّيادة في الحركة بحيث يحصل الجهر و القراءة الواجبة يتحقق بدونه فكان النّهي في غير العبادة فضعيف جدّا
ثم الظاهر من كلامهم حيث خصّوا استثناء حكم المرأة بالجهر وجوب الإخفات في موضعه عليه و لم أطلع على تصريح منهم بذلك و ربما أشعر بعض عباراتهم بثبوت التخيير لها مطلقا و قال الفاضل الأردبيلي ره و لا دليل على وجوب الإخفات على المرأة في الإخفاتية و الأمر على ما ذكره لو لا أن اليقين بالبراءة عن التكليف يقتضي وجوب إخفاتها
و هل الخنثى كالرّجل أو كالمرأة فيه قولان الثّالث حكم القضاء حكم الأداء في وجوب اعتبار الجهر و الإخفات و الظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأصحاب
الرابع ذهب الأصحاب إلى أن جاهل الحكم معذور في الجهر و الإخفات و يدل عليه صحيحة زرارة السّابقة و لو ذكر في أثناء القراءة لم يجب عليه الاستيناف صرّح به المصنّف و يمكن استنباطه من الصّحيحة المذكورة
الخامس قال في المنتهى يستحبّ للإمام أن يجهر بقراءته بحيث يسمعه المأموم ما لم يبلغ صوته العلوّ المفرط و هو إجماع العلماء كافة يدلّ عليه الأخبار السّادس الجهر إنما يجب في القراءة خاصة و لا يجب في شيء من أذكار الصّلاة و يدلّ عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عليّ بن جعفر عن أبي الحسن موسى٧قال سألته عن الرّجل له أن يجهر بالتشهد و القول بالركوع و السجود و القنوت قال إن شاء جهر و إن شاء لم يجهر
نعم يستحبّ للإمام الجهر لما سيجيء السابع يستحب في صلاة اللّيل الإجهار و في صلاة النّهار الإخفات لما رواه الشيخ عن ابن فضال عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه قال السّنة في صلاة النهار بالإخفاء و السّنة في صلاة الليل بالإجهار و نقل في المنتهى اتفاق الأصحاب عليه
و يجب إخراج الحروف من مواضعها المنقولة بالتواتر و هو مشهور في كلام الأصحاب و لم يحضرني مخالف من الأصحاب فيه فلو أخرج حرفا من مخرج غيره كالضّاد الّذي مخرجه أول حافة اللسان و ما يليها من الأضراس بخروجه من مخرج الظّاء و هو ما بين طرف اللّسان و الطرف الأدنى من الثنايا بطلت الصّلاة و أما مراعاة الصفات المقررة في العربيّة كالجهر و الهمس و الاستعلاء و الإطباق و نظائرها فظاهرهم عدم وجوب مراعاتها
و البسملة في أوّل الحمد و أوّل السورة عدا سورة البراءة لكونها جزءا من السورة و الإتيان بالكلّ يستلزم الإتيان بكلّ جزء منه و أما كونها جزءا من الحمد و من كل سورة فقال في المنتهى إنه مذهب فقهاء أهل البيت : و نقل إجماعنا عليه الشهيد أيضا في الذّكرى و هو ظاهر المحقق في المعتبر لكن نقل الشهيد في الذّكرى عن ابن الجنيد أنه يرى أن البسملة في الفاتحة بعضها و في غيرها افتتاح لها
لنا ما رواه الشيخ في الصّحيح عن محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن السّبع المثاني و القرآن العظيم هي الفاتحة قال نعم قلت بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم من السّبع قال نعم هي أفضلهنّ
و استدل عليه أيضا بما رواه الشيخ في الصّحيح عن صفوان قال صلّيت خلف أبي عبد اللّٰه٧أياما و كان يقرأ في الفاتحة الكتاب بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم و أخفى ما سوى ذلك و لا يخفى عدم دلالتها على المدّعى بوجه و بما رواه بإسناد لا يخلو عن ضعف لمكان محمد بن عيسى عن يونس عن معاوية بن عمّار قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧إذا قمت للصّلاة اقرأ بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم في فاتحة الكتاب قال نعم قلت فإذا قرأت فاتحة الكتاب اقرأ بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم مع السورة قال نعم
و هذه الرّواية أيضا غير دالة على المدّعى و برواية يحيى بن عمران السّالفة و قد عرفت ما في دلالتها و بأن اللّٰه تعالى قال وَ لَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثٰانِي قال المفسّرون إنها الفاتحة و إنما يكون سبعا بالبسملة و فيه طريق للتأمّل و بأن السّلف حافظوا على إثباتها في المصاحف مع مبالغتهم على تجريد القرآن من غيرها و هذا دال على كونه آية من القرآن في المواضع المثبتة فيه كما هو أحد الأقوال لا أنها جزء من السّورة
و أما ما رواه الشيخ في الصّحيح عن محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الرّجل يكون إماما فيستفتح بالحمد و لا يقرأ بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم فقال لا يضره و لا بأس به فمحمول على حال التقية جمعا بين الأدلة و يجوز أن يكون محمولا على النّسيان و ابن الجنيد يحتمل أن يكون مستنده الخبرين السّابقين الدالتين على عدم وجوب البسملة مع السورة و لا دلالة لهما على عدم كون البسملة جزءا من السّورة لجواز ابتنائهما على عدم وجوب السّورة و الموالاة بأن لا يقرأ