ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٩١
الأشرف بعد الأفقه الذي هو بعد الأقرإ
و الظاهر أنه الأشرف نسبا و تبعه ابن البراج في تقديم الهاشمي و جعل أبو الصلاح بعد الأفقه القرشي و ابن زهرة جعل الهاشمي بعد الأفقه و ابن حمزة جعل الأشرف بعد الأفقه أطلق الفاضلان ترجيح الهاشمي و كثير من أصحابنا لم يذكروا الشرف و استدل المصنف في المنتهى على اعتباره بأن الهاشمي أفضل من غيره و تقديم المفضول قبيح عقلا قال الشهيد في الذكرى و نحن لم نره مذكورا في الأخبار إلا ما روي مرسلا أو مسندا بطريق غير معلوم من قول النبي٦قدموا قريشا و لا تقدموها و هو على تقدير تسليمه غير صريح في المدعى نعم هو مشهور في التقديم في صلاة الجنازة كما سبق من غير رواية يدل عليه نعم فيه إكرام لرسول اللّٰه٦إذ تقديمه لأجله نوع إكرام و إكرام رسول اللّٰه٦و تبجيله مما لا خفاء بأولويته
و يقدم
الأقرأ مع التشاح قالوا إذا تشاح الأئمّة فلا يخلو إما أن يتفق المأمومون على إمامة بعض الأئمّة و إما أن يكرهوا جميعا إمامة بعضهم و إما أن يختلفوا فإن اتفقوا جميعا على إمامة واحد فهو أولى لما فيه من اجتماع القلوب و ايتلاف النفوس و فيه إشكال و إن كرهوا جميعا إمامة واحد لم يؤم بهم لقوله٧ثلاثة لا يقبل اللّٰه لهم صلاة أحدهم من تقدم قوما و هم له كارهون و قال المصنف في التذكرة و الأقرب أنه إن كان ذا دين فكرهه القوم لذلك لم تكره إمامته و الإثم على من كرهه و إن اختلف المأمومون فقد أطلق أكثر الأصحاب الترجيح بالقراءة و الفقه و غيرهما من المرجحات و في التذكرة أنه يقدم اختيار الأكثر و إن تساووا طلب الترجيح و رواية أبي عبيدة يدل على الأول
و ذكر غير واحد من الأصحاب أنه ليس للمأمومين أن يقسموا الأئمّة فيصلي كل قوم خلف من يختارونه لما فيه من الاختلاف المشير للآخر و اعلم أن أكثر الأصحاب على أن الأقرأ أولى من الأفقه و ذهب بعضهم إلى أن الأفقه أولى و ذهب بعضهم إلى التخيير حجة الأول ما روي من طريق العامة عن النبي٦يؤم القوم أقرؤهم بكتاب اللّٰه فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا
و من طريق الخاصة ما روي عن الصادق٧بإسناد ضعيف أن النبي٦قال يتقدم القوم أقرأهم للقرآن فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا فإن كانوا في السن سواء فليؤمهم أعلمهم بالسنة و أفقههم في الدين و لا يتقدّمن أحدكم الرجل في منزله و لا صاحب سلطان في سلطانه
و حجة الثاني ما روي عن النبي٦من طريق الخاصة من أم قوما و فيهم من هو أعلم منه لم يزل أمرهم إلى سفال إلى يوم القيامة و أيد بأن الحاجة إلى الفقه في تمام الصلاة بخلاف القراءة و قد يجاب عن حجة الأول بأن المراد بالأقرإ الأفقه لأن المتعارف كان في زمانه٦أنهم إذا تعلموا القرآن تعلموا أحكامه قال ابن مسعود كنا و لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها و نهيها و إطلاق القارئ على العالم بأحكام الشريعة غير عزيز في الصدر الأول و اعترض عليه بأن جعل الأعلم بالسنة مرتبة بعد الأقرإ صريح في إمكان انفكاك القراءة عن العلم بالسنة و تعلم أحكام القرآن غير كاف في الفقه إذ معظمه ثبت بالسنة و بأن فيه عدولا عن ظاهر اللفظ
و قد يقال لا بد من الحمل على هذا المعنى جمعا بين الروايات و فيه أنه لا يمكن حمل الأقرإ على الأفقه لذكر الأعلم بالسنة و الأفقه في الدين مرتبا بعده و لا يبعد أن يقال إنه يجوز أن يكون المراد بالأقرإ الأعرف بمعاني القرآن و أحكامه و إطلاق القارئ على العارف بأحكام القرآن كان معروفا
و يؤيده ما دل من النصوص على أنه لا خير في قراءة ليس فيها تدبر و الترجيح بالأفقهية بعد التساوي في الأقرئية بهذا المعنى باعتبار العلم بالسنن و غيرها بل حمل الأقرإ في الخبر الأول عن غير هذا المعنى مستبعد إذ يستلزم النظر إلى الترجيح باعتبار الأعلمية بالسنة و عدم ملاحظتها ترجيح العلم بفرائض القرآن و أحكامه أصلا فلا يبعد أن يكون هذا الخبر عند اعتباره قرينة على إرادة هذا المعنى في الخبر الثاني أيضا
ثم لا يخفى أن الروايتين ضعيفتان و الأولى منهما عامي لا يصلح للاستناد إليه و الثانية دالة على تقديم الأسن على الأفقه و القول به غير معروف بين الأصحاب نسبه في البيان إلى بعض الأصحاب فالتعويل عليه مشكل و المتجه ترجيح الأعلم بأحكام الدين للخبر السابق و ما رواه الأصحاب عن النبي٦أنه قال إمام القوم وافدهم فقدموا أفضلكم
و يؤيده قوله٧إن سركم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم مضافا إلى الآيات و الأخبار الدالة على كمال فضل العلماء و جلالة أقدارهم و كونهم بمنزلة أنبياء بني إسرائيل و كونهم ورثة الأنبياء و كون عالم أفضل من سبعين ألف عابد و كون فضله على غيره كفضل النبي٦و كونهم أفضل من الزهاد و العباد و الشهداء قال اللّٰه تعالى هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ ففيه تصريح بترجيح العلماء و تفضيلهم و ظاهر أن الفضل يتفاضل بازدياد العلم و قال اللّٰه تعالى يَرْفَعِ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ و قال تعالى أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ و يقويه قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ و احتجاج اللّٰه تعالى على الملائكة في تفصيله تعالى آدم على الملائكة و جعله خليفة بكونه أعلم منهم و قول علي بن الحسين٧إن اللّٰه تعالى أوحى إلى دانيال أن أمقت عبيدي إلى الجاهل المستخف بحق أهل العلم التارك للاقتداء بهم و إن أحب عبيدي إلي التقي الطالب الثواب الجزيل اللازم للعلماء التابع للحكماء القائل عن الحكماء مع اعتضاد ذلك بحكم العقل يعد تقديم المفضول قبيحا و لا يزال يسمع استهجان الشيعة قديما و حديثا قول المخالفين بجواز تقديم المفضول على الفاضل فإذن يتجه القول بترجيح الأفقه كما مال إليه غير واحد من أصحابنا المتأخرين
و اعلم أن المراد بالأقرإ على ما فسره جماعة من الأصحاب هو الأجود قراءة و اتفاقا للحروف و أشد إخراجا لها عن مخارجها و ضم بعضهم إلى الأمور المذكورة الأعرف بالأصول و القواعد المقررة بين القراءة و يفسر أيضا بالأعرف بمرجحات القراءة لفظا و معنى و يجوز أن يكون المراد أكثر قرآنا و نسبه في البيان إلى الرواية فيحتمل أن يكون المراد أكثر قراءة للقرآن و يحتمل أن يكون المراد أكثر حفظا للقرآن و يجوز أن يكون المراد الأجود بحسب طلاقة اللسان و حسن الصوت و جودة التنطق إلا أن هذين الاحتمالين غير مذكور في كلامهم و ذكر غير واحد من الأصحاب أنهما لو تساويا في جودة القراءة قدم أكثرهما حفظا للقرآن
فالأفقه هذا هو المشهور بين الأصحاب و ذهب بعضهم إلى تقديم الأقدم هجرة فالأسن فالأفقه كما هو مدلول الرواية المنقولة عن الصادق٧و ذهب بعضهم إلى تقديم الأقدم هجرة فالأفقه و ذكر غير واحد منهم أن المراد الأفقه بأحكام الصلاة فإن تساويا فيه واحدهما زاد بفقه في غير الصلاة قيل بترجيحه و قيل بنفي الترجيح و لعل الأول أولى
فالأقدم هجرة هذا هو المشهور بين المتأخرين و إليه ذهب الشيخ في النهاية و قدم الشيخ بعد الأفقه الأشرف ثم الأقدم هجرة و قدم المرتضى الأسن بعد الأفقه و لم يذكر الهجرة و المراد بالهجرة السبق من دار الحرب إلى دار الإسلام و قال المصنف في التذكرة المراد بالأقدم هجرة سبق الإسلام أو من كان أسبق هجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام أو يكون من أولاد من تقدمت هجرته و نقل في الذكرى عن الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد أن المراد التقدم في العلم قبل الآخر و في الذكرى و ربّما جعلت الهجرة في زماننا سكنى الأمصار لأنها تقابل البادية مسكن الأعراب لأن أهل الأمصار أقرب إلى تحصيل شرائط الإمامة و الكمال فيها و لا يخفى أن المفهوم من النص المعنى الأول
فالأسن أي الأكبر بحسب السن و في الذكرى و غيره أن المراد علو السن في الإسلام و نقل عن الشيخ في المبسوط و هو خلاف المتبادر من النص فالأصبح ذكر ذلك ابنا بابويه و الشيخان و جماعة منهم سلار و ابن البراج و المحقق في الشرائع و المصنف في عدة من كتبه و قال المرتضى و ابن إدريس و قد روي إذا تساووا فأصبحهم وجها و قال في المعتبر لا أرى لهذا أثرا في الأولوية و لا وجها في شرف الرجال و علل المصنف في المختلف ما اختاره بأن في حسن الوجه دلالة على عناية اللّٰه به
و نقل المصنف في التذكرة عن العامة تفسيرين أحدهما أنه الأحسن صورة لأن ذلك فضيلة كالنسب و الثاني أنه الأحسن ذكرا بين الناس قال و الأخير أحسن قال في الذكرى و يمكن أن يحتج عليه بقول أمير المؤمنين ٧ في عهد الأشتر رضي اللّٰه عنه
و إنما يستدل على الصالحين بما يجري اللّٰه لهم على ألسن عباده قال المصنف في التذكرة فإن استووا في ذلك كله قدم أشرفهم أي أعلاهم نسبا و أفضلهم في نفسه و أعلاهم قدرا فإن استووا في هذه الخصال قدم أتقاهم و أورعهم لأنه أشرف في الدين و أفضل و أقرب إلى الإجابة ثم قال و الأقوى عندي تقديم هذا على الأشرف لأن شرف الدين خير من شرف الدنيا فإن استووا في ذلك كله فالأقرب القرعة لأنهم أقرعوا في الأذان في عهد الصحابة فالإمام أولى
قال في الذكرى و لو علل بالأخبار العامة في القرعة كان حسنا و احتمل الشهيد في الذكرى تقديم الأورع على المراتب التي بعد القراءة و الفقه و هو غير بعيد و المراد بالورع الفقه و حسن السيرة و هو مرتبة وراء العدالة تبعث على ترك المكروهات