ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٥٤
عنهم في صورة صلّى إلى غير القبلة ناسيا و هو غير الالتفات فلعل ما ذكره مبني على عدم الفرق و في كلامه إشعار ما بذلك و قال بعض المتأخرين إن الانحراف إن كان يسيرا لا يبلغ حد اليمين و اليسار لم يضر و إن بلغه و أتى بشيء من الأفعال في تلك الحال أعاد في الوقت و إلا فلا إعادة
و ينبغي التنبيه على الاضطراب الذي أشرنا إليه قال الشيخ في المبسوط بعد أن عد التروك الواجبة في الصلاة و عد منها الالتفات إلى ما وراءه و هذه التروك الواجبة على القسمين أحدهما متى حصل عامدا كان أو ناسيا أبطل الصلاة و القسم الآخر متى حصل ساهيا أو ناسيا أو للتقية فإنه لا يقطع الصلاة و هو كل ما عدا نواقض الوضوء و هذا تصريح منه بأن الالتفات ساهيا لا يقطع الصلاة ثم قال بعد ذلك في فصل آخر و من نقص ركعة أو ما زاد عليها و لا يذكر حتى يتكلم أو يستدبر القبلة أعاد و هذا ظاهر في أن الاستدبار سهوا موجب للبطلان فبين كلاميه تدافع و احتذى كلاميه ابن حمزة في الوسيلة فذكر نحوا منهما
و عد المحقق في الشرائع الالتفات إلى ما وراءه من جملة ما لا يبطل الصلاة إلا عمدا و صرّح في المعتبر بأن الاستدبار مبطل للصلاة عمدا و سهوا و صرّح المصنف في هذا الكتاب بأن الالتفات لا يبطل سهوا و سيجيء قوله و لو نقصها أو ما زاد سهوا أتم إن لم يكن تكلم أو استدبر القبلة أو أحدث و صرح في المنتهى بأن الالتفات إلى ما وراءه سهوا لا يبطل الصلاة و صرّح في مبحث السهو بأن الاستدبار مبطل للصلاة عمدا و سهوا
و صرح بالأول في النهاية و قال في المبحث الذي قريب منه فيمن نقص من عدد صلاته ساهيا أما لو فعل المبطل عمدا و سهوا كالحدث و الاستدبار إن ألحقناه فإنها تبطل و هذا رجوع منه إلى التردد بعد الحكم بعدم كونه مبطلا سهوا و يمكن دفع التدافع في كلام الشيخ و ابن حمزة و كلامي المصنف هاهنا بحمل التكلم و الاستدبار المذكور في كلامهم إذا كان عمدا بعد ظن الخروج فرقا بينه و بين السهو و هذا التوجيه لا يجري في كلام المصنف في المنتهى و ما يحذو حذوه
و لو ظن الخروج من الصلاة فاستدبر عامدا ففي إلحاقه بالسهو و عدمه وجهان و لعل الأول أشهر هذا تحرير الأقوال في هذه المسألة و مستند أصل المسألة روايات منها ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح أنه سمع أبا جعفر٧يقول الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله
و منها ما رواه الصدوق عن عمر بن أذينة في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧أنه سأله عن الرجل يرعف و هو في الصلاة و قد صلى بعض صلاته فقال إن كان الماء عن يمينه أو عن شماله أو عن خلفه فليغسله من غير أن يلتفت و ليبن على صلاته فإن لم يجد الماء حتى يلتفت فليعد الصلاة قال و القيء مثل ذلك
و منها ما رواه الشيخ و الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر٧قال سألته عن الرجل يلتفت في الصلاة قال لا و لا ينقض أصابعه و منها ما رواه ابن بابويه عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر٧ثم استقبل القبلة و لا تقلب بوجهك عن القبلة فتفسد صلاتك فإن اللّٰه عزّ و جل يقول لنبيه٦في الفريضة فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
و روى الكليني و الشيخ عنه في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن زرارة عن أبي جعفر٧قال إذا استقبلت القبلة فلا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك فإن اللّٰه تعالى قال لنبيه في الفريضة فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ و اخشع بصرك و لا ترفعه إلى السماء و لكن حذاء وجهك في موضع سجودك
و منها ما رواه الكليني و الشيخ عن الحلبي في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا و إن كنت قد تشهدت فلا تعد و منها حسنة الحلبي المتقدمة في المسألة السابقة
و منها ما رواه الصدوق عن أبي بصير في الضعيف عن الصادق٧إن تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد و منه ما رواه حسنة الحلبي المتقدمة في المسألة السابقة و منها ما رواه الصدوق عن أبي بصير في الضعيف عن الصادق٧إن تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد و منه ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم بإسناد فيه ضعف عن أحدهما٧قال سئل عن رجل دخل مع الإمام صلاته و قد سبقه بركعة فلما فرغ الإمام خرج مع الناس ثم ذكر أنه فاتته ركعة قال يعيد ركعة واحدة يجوز له ذلك إذا لم يحول وجهه عن القبلة فإذا حول وجهه فعليه أن يستقبل الصلاة استقبالا إلى غير ذلك من الأخبار
إذا عرفت هذا فاعلم أن الصحيح أن الانحراف عن القبلة بكل البدن يوجب بطلان الصلاة مطلقا و إن لم يصل إلى حد التشريق و التغريب عملا بمنطوق صحيحة زرارة المذكورة و عموم عدة من الأخبار المذكورة فإن قلت يدفعه مفهوم حسنة الحلبي فإن مقتضاه عدم البطلان عند عدم كونه فاحشا و ما رواه الشيخ في الإستبصار عن عبد الحميد بن عبد الملك في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الالتفات في الصلاة يقطع الصلاة فقال لا و ما أحب أن يفعل كذا في الإستبصار
و في التهذيب عن عبد الحميد عن عبد الملك و لعل ما في الإستبصار هو الصحيح قلت لا يبعد أن يقال الفحش حاصل عند الالتفات بكل البدن فإنه كما يحصل باعتبار زيادة الانحراف يحصل باعتبار شمول البدن أيضا مع أن العمل بالمنطوق راجح
و أما خبر عبد الحميد فمحمول على صورة عدم الالتفات بالكلية جمعا بين الأدلة و أما الانحراف بالوجه إذا وصل إلى حد الخلف فمقتضى صحيحة زرارة المنقولة عن الفقيه أنه موجب للبطلان و يدل عليه أيضا حسنة الحلبي المذكورة أن الظاهر أن الفحش متحقق في الصورة المذكورة
و يدل عليه أيضا ما دل على أن الالتفات مبطل من غير تخصيص نعم يعارضه مفهوم صحيحة زرارة و الجواب عنه أن عموم المفهوم فيها معتبر بالنسبة إلى الأفراد الشائعة الغالبة دون الأفراد النادرة فإن الالتفات بالوجه بحيث يصل إلى حد الخلف مع عدم الانحراف بكل البدن نادر جدا
و هذا أولى في وجه الجمع بينه و بين منطوق حسنة الحلبي من أن يحمل الفحش فيه باعتبار كلّ البدن حسب توفيقا بين الخبرين و بين صحيحة زرارة المنقولة عنه الفقيه فإذن ذلك أقرب من تخصيص الخبر المذكور بالالتفات بجميع البدن و هو ظاهر
و اعلم أن ليس المراد بالخلف في قولنا الالتفات بالوجه بحيث يصل إلى الخلف المقابل للقبلة حقيقة بل هو ما يقرب منه و يمكن إلحاق ما بين الجانبين و الخلف به مطلقا نظرا إلى ما ذكرنا من الدليل و أما الالتفات إلى محض اليمين و اليسار ففي كونه مبطلا تأمّل و لا يبعد ترجيح عدم الإبطال لمفهوم صحيحة زرارة و ما رواه الشيخ عن علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى ٧ قال سألته عن الرجل يكون في صلاته فيظن أن ثوبه قد انخرق أو أصابه شيء هل يصلح له أن ينظر فيه أو يمسه قال إن كان في مقدم ثوبه أو جانبيه فلا بأس و إن كان في مؤخره فلا يلتفت فإنه لا يصلح و يعضده عموم رواية عبد الحميد
فإن قلت حسنة الحلبي السابقة و صحيحة زرارة المنقولة عن الفقيه تدلان على الإبطال قلت لا نسلّم تحقق الفحش في الصورة المذكور فلا معارضة للحسنة المذكورة و أما الصحيحة فمخصصة بالالتفات الفاحش جمعا بين الأدلة و من هنا يظهر أن الالتفات إلى أحد الجانبين إذا لم يصل حد التشريق و التغريب غير مبطل
و هل يحرم الالتفات إلى أحد الجانبين الظاهر العدم للأصل و لظاهر صحيحة عبد الحميد و صحيحة محمد بن مسلم غير ناهضة بالدلالة على التحريم خصوصا مع انضمام غير المحرم إليه فيها نعم إذا كان الالتفات طويلا جدا احتمل القول بالتحريم أو الإبطال و كذا لو فعل شيئا من أفعال الصلاة حال الالتفات لوجوب الاستقبال بجميع البدن عند الإتيان بأفعال الصلاة
و يحتمل الفرق بين ما لا يمكن تداركه من الأفعال كالأركان و غيرها كالقراءة هذا هو الكلام في صورة العمد و أما السهو فإن بلغ الانحراف حد اليمين أو اليسار و كان الانحراف بكل البدن أو بالوجه خاصة مع بلوغه حد الاستدبار فلا يبعد اختيار أنه مثل العمد في البطلان فيجب الإعادة في الوقت و خارجه لعموم المستند و عدم ما يصلح للتخصيص و أما ما دل على العفو عن السهو فإنما المستفاد منه عدم الإثم و العقاب لا عدم ترتب الأحكام الوضعية
فإن قلت قد روى الكليني و الشيخ عن عبد الرحمن أبي عبد اللّٰه في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا صليت و أنت على غير القبلة فاستبان لك أنك صليت و أنت على غير القبلة و أنت في وقت فأعد و إن فاتك الوقت فلا تعد و هذا يدل على عدم وجوب القضاء لمن التفت ساهيا أما بناء على عموم الرواية بالنسبة إلى من صلى على غير القبلة تمام الصلاة ساهيا فينسحب الحكم هاهنا بطريق أولى و أما بناء على عمومها بالنسبة إلى من صلى بعض صلاته على غير القبلة ساهيا
و يدل عليه أيضا صحيحة زرارة المذكورة في بحث القبلة عند شرح قول المصنف و لو صلى باجتهاده أو لضيق الوقت و النسبة بين الخبرين و ما استندتم إليه من الأخبار عموم من وجه فيجوز ارتكاب التخصيص في كلا الجانبين فما وجه ترجيح ما ذكرتم قلت تخصيص الروايتين بمن صلى على غير القبلة ظانا أولى من ارتكاب التأويل في الأخبار الكثيرة و في قوله