ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٦٧
فغير ضارّ بل لا بدّ من القدر الطبيعي منه و اشتهر بين الأصحاب أنه يشترط القصد إلى الافتتاح فلو قصد به تكبير الركوع لم ينعقد و هو حسن لصحيحة ابن أبي يعفور و الفضل بن عبد الملك و لو قصدهما معا كما في المأموم فالإجزاء من مذهب ابن الجنيد و الشيخ في الخلاف محتجا بإجماع الفرقة
و روى الشيخ عن معاوية بن شريح عن الصّادق٧إذا جاء الرّجل مبادرا و الإمام راكع أجزأه تكبيرة واحدة لدخوله في الصّلاة و الركوع و منعه المصنف و من تبعه استنادا إلى أن الفعل الواحد لا يتصف بالوجوب و الاستحباب و فيه نظر لأن الإجزاء عنهما لا يقتضي اتصافها بالجهتين بل يجوز أن يكون المراد حصوله ثواب المجموع
و يمكن أن يقال ما دلّ على استحباب تكبيرة الركوع مخصوص بصورة لم يعرض علّة للوجوب و ذلك لا ينافي رجحانها مطلقا في الصّورة المذكورة باعتبارين فيحصل له ثواب المجموع فإذن قول الشيخ متجه و لو نذر تكبير الركوع لم يجز عنهما عند المانعين استنادا إلى أن تغاير المسببات و أن الأصل عدم التداخل و فيه نظر لأن العلل الشرعيّة معرفات لا أسباب حقيقته فلا ضير في تواردها على أمر واحد و الأصل المذكور ممنوع
و العاجز عن العربية يتعلم واجبا لوجوب تحصيل مقدّمة الواجب المطلق و اشتهر بينهم أنه لو تعذر أجزأ بلغته مراعيا في ذلك المعنى العربي قاله الشيخ و من تأخر و استدل جماعة منهم عليه بأن التكبير ذكر فإذا تعذر اللّفظ أتى بمعناه تحصيلا لفائدة المعنى و فيه نظر لأنه إذا ثبت بالأدلة وجوب التكبير و هو لا يصدق على التّرجمة كما مرّ فإذا تعذر لزم سقوطه للعجز المستتبع له و إثبات شيء آخر بدله يحتاج إلى دليل و لا دليل على وجوب تحصيل فائدة المعنى
و الظاهر استواء الألسنة و اللّغات في الترجمة و ربما يقال بتقديم السّريانية و العبرانية ثم الفارسيّة و لا حجة عليه و اعلم أنّ في كثير من عباراتهم قيد الإتيان بالترجمة يضيق الوقت و في هذا التقييد تأمّل لأن مناط اعتبار الترجمة العجز بالكلية و هو قد يحصل في سعة الوقت إذا علم العجز في تمامه و لهذا صرّح المصنف في النهاية بجواز الصّلاة في أول الوقت إذا علم انتفاء التعلّم في الوقت لكن لم يظهر خلاف في هذه المسألة مع وجوب تحصيل البراءة اليقينية المتوقفة على الإتيان بالترجمة فما ذكره متجه
و الأخرس يأتي منها بالمقدور فإن عجز عن التلفظ أصلا وجب عليه أن يعقد قلبه بها مشيرا بها و بأصابعه اختلف عبارات الأصحاب في بيان القدر الواجب على الأخرس فقال الشيخ في المبسوط و المصنف في التحرير يكبر بالإشارة بإصبعه و يومي و ارتضاه المحقق في المعتبر و قال في النهاية و قراءة الأخرس و شهادته الشهادتين إيماء بيده مع الاعتقاد بالقلب و قريب منه كلام المصنف هاهنا و كلام المحقق في الشرائع إلا أنّهما أطلق الإشارة من غير تقييد باليد و زاد على الأمرين جماعة من الأصحاب منهم المصنف في القواعد و الشهيد في البيان تحريك اللّسان و ذكر في التذكرة تحريك اللّسان و الإشارة باليد بدون عقد القلب
و قال في النهاية حرّك لسانه و أشار بإصبعه أو شفتيه و إلهامه مع العجز عن حركة اللسان و في بعض عباراتهم أن الأخرس يعقد قلبه بمعنى التكبير و الظاهر أنهم لم يريدوا بالمعنى مدلول اللّفظ كما ذكره جماعة من الأصحاب استنادا إلى أن ذلك لا يجب على غير الأخرس بل المراد قصد كونه ذكرا للّه و ثناء عليه
و احتجوا على اعتبار تحريك اللسان بأنه كان واجبا مع القدرة على النطق فلا يسقط بالعجز عنه إذ لا يسقط الميسور بالمعسور و فيه نظر لأن تحريك اللسان إنما كان واجبا عند القدرة من باب المقدّمة لا أصالة و سقوط وجوب ذي المقدّمة مستتبع لسقوط وجوبها و الخبر عند التأمّل الصّحيح لا يدل إلا على أن سقوط بعض الواجبات بالأصالة لا يستلزم سقوط بعض الآخر لعدم ظهور عمومه بالنسبة إلى أفراد الواجب مطلقا و على اعتبار الإشارة و تحريك اللسان أيضا بما رواه السّكوني عن أبي عبد اللّٰه٧أنه قال تلبية الأخرس و تشهده و قراءته القرآن في الصّلاة تحريك لسانه و إشارة بإصبعه
و فيه نظر لضعف الرواية و عدم شمولها المحلّ البحث و احتج جماعة من الأصحاب على اعتبار العقد بالقلب أن الإشارة لا اختصاص لها بالتكبير و لا بدّ لمريده من مخصّص و هذا مبني عن وجوب الإشارة و قد عرفت ما فيه و لهذا احتمل بعض الشارحين للشرائع سقوط الفرض للعجز عنه كما ذكره بعض العامة إلا أن عدم ظهور الموافق من الأصحاب يضعف هذا الاحتمال و توقف تحصيل البراءة اليقينية على الإتيان بالثلاثة يقتضي وجوبها فتدبر
و يتخير في السبع أيها شاء جعلها تكبيرة الافتتاح سيأتي أنه يستحب للمصلّي التوجّه بست تكبيرات مضافا إلى تكبيرة الافتتاح بينهما دعاءان و المصلّي بالخيار إن شاء جعلها الأخيرة و أتى بالسّت قبلها و إن شاء جعلها الأولى و يأتي بالسّت بعدها و إن شاء جعلها الوسطى و الكلّ جائز و ذكر الشهيد في الذّكرى و من تبعه إذ الأفضل جعلها الأخيرة و مستنده غير واضح
فإن كبر و نوى الافتتاح ثم كبر ثانيا كذلك أي بنيّة الافتتاح بطلت صلاته فإن كبر ثالثا كذلك أي بنيّة الافتتاح صحّت صلاته و لا فرق في البطلان بما ذكر بين قصد الخروج عن الصلاة قبل الإتيان بالثانية أم لا على القول بأن قصد الخروج غير مبطل و أما على القول بأنه مبطل فينبغي تقييده بعدم حصول القصد المذكور سابقا أم لا و انعقاد الصّلاة بالثّالثة مشروط باقتران النّية بها و هذا الحكم مشهور بين الأصحاب ذكره الشيخ و من تبعه
و احتج عليه المصنف بأنه فعل منهي عنه فيكون باطلا و مبطلا و فيه نظر و إن لم تكن المسألة إجماعية كان للمناقشة فيه مجال و يمكن تصحيحه بالتقريب الّذي أشرنا مرارا فتدبّر و يستحب رفع اليدين بها هذا هو المشهور بين الأصحاب حتى أن المصنف في المنتهى نفى عنه الخلاف بين أهل العلم و قال المحقق في المعتبر أنه سنة بغير خلاف و نقل عن السّيد المرتضى القول بوجوب رفع اليد في تكبيرات الصّلاة كلّها و يجوز أن يكون مراده تأكّد الاستحباب فإنه يطلق الوجوب على ذلك كثيرا و يؤيد ذلك أنه لم ينقل عنه القول بوجوب تكبير الركوع و السجود و يدل على رجحان الرفع أخبار ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار قال رأيت أبا عبد اللّٰه٧إذا كبر في الصّلاة رفع يديه حتى يكاد يبلغ أذنيه
و في الصّحيح عن ابن سنان قال رأيت أبا عبد اللّٰه٧يرفع يده حبال وجهه حين استفتح و ما رواه الكليني في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن زرارة عن أبي جعفر٧قال إذا قمت في الصّلاة فكبرت فارفع يديك و لا تجاوز بكفيك أذنيك أي حبال وجهك و يدل على عدم الوجوب ما رواه الشيخ في الصّحيح عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى٧قال قال على الإمام أن يرفع يده في الصّلاة ليس على غيره أن يرفع يده في الصّلاة
و الظاهر أنه لا قائل بالفصل بين الإمام و غيره فعدم وجوبه على غير الإمام يوجب تعدية الحكم إليه و لهذا إذا ذكر الشيخ أن المعنى في هذا الخبر أن فعل الإمام أكثر فضلا و أشد تأكيدا و إن كان فعل المأموم أيضا فيه فضل و يؤيده عدم ذكر الرفع في تكبيرة الافتتاح و تكبير السجود في صحيحة حماد السّابقة و في جعله في رواية الأصبغ الآتية من الزينة و الخشوع تأييد ما لاستحبابه
احتج السّيد بإجماع الفرقة و بأن النبي٦و الأئمّة٧فعلوه و للأمر به كما في قوله تعالى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ روى الشّيخ في الصّحيح عن ابن سنان عن الصّادق٧في قول اللّٰه عز و جل فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ قال هو رفع يديك حذاء وجهك و روى عمرو بن يزيد قال سمعت أبا عبد اللّٰه٧يقول في قوله تعالى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ هو رفع يديك حذاء وجهك و روى جميل قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ فقال بيده هكذا يعني استقبل بيديه حذو وجهه القبلة في افتتاح الصّلاة و هاتين الروايتين قد أوردهما الشيخ أبو علي الطبرسي في مجمع البيان و أورد بعض المتأخرين رواية أخرى عن حماد بن عثمان عن الصّادق٧في معنى الرّوايات المذكورة
و روى عن مقاتل بن حنان عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين٧قال لما نزلت هذه السّورة قال النّبي٦لجبرئيل ما هذه النحرة التي أمرني ربّي قال ليست بنحرة و لكن يأمرك إذا تحرمت للصّلاة أن ترفع يديك إذا كبّرت و إذا رفعت رأسك من الركوع و إذا سجدت فإنه صلاتنا و صلاة الملائكة في السماوات السّبع قال لكل شيء زينة و زينة الصّلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة و قال النبي٦رفع الأيدي من الاستكانة قلت و ما الاستكانة قال أ لا تقرأ هذه الآية فَمَا اسْتَكٰانُوا لِرَبِّهِمْ وَ مٰا يَتَضَرَّعُونَ أوردها الثعلبي و الواحدي على ما نقل عنهم الشيخ الطّبرسي
و يؤيد قول السيّد وقوع الأمر برفع الأيدي في حسنة زرارة السابقة
و لا يخفى أن بعض هذه الروايات مطلق و بعضها مخصوص بتكبيرة الافتتاح فمن أراد إثبات تعميم حكم الوجوب في تكبيرات الصّلاة كلها احتاج إلى الاستعانة بعدم القائل بالفصل و الجواب منع ثبوت الإجماع فيما اشتهر خلافه و فعلهم : أعمّ من الوجوب و لم يثبت كونه بيانا للمجمل لتوقفه على عدم تحقق البيان القولي و هو ممنوع و قوله٧صلّوا كما رأيتموني أصلّي محمول على الاستحباب كما أشرنا إليه سابقا و الآية غير واضحة الدلالة على هذا المعنى مع اختلاف المفسّرين في تفسيرها فقد قيل إن أناسا كانوا يصلّون و ينحرون لغير اللّٰه فأمر اللّٰه نبيه أن يصلّي و ينحر للّه عز و جل أي فصلّ لوجه ربّك إذا صليت لا لغيره و انحر لوجهه و باسمه إذا نحرت و قيل هي صلاة الفجر يجمع و النحر بمنى و قيل صلاة العيد فيمكن أن يراد نحر الإبل و يمكن أن يعم الذبح فيشمل الشّاة و المراد الهدي الواجب كما في المعالم أو الأضحية كما في الكشاف و حينئذ يمكن اختصاص الوجوب به٧بناء على المشهور من عدم وجوبها و قيل صل صلاة