ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٦٩
و يتحول عنها إلى غيرها قال كل ذلك لا بأس به و إن قرأ آية واحدة فشاء أن يركع بها ركع و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر٧قال سألته عن الرّجل يفتتح القراءة في الصّلاة يقرأ بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم قال نعم إذا افتتح الصّلاة فليقلها في أول ما يفتتح ثم يكفيه ما بعد ذلك و عن عبد اللّٰه ابن علي و أخيه محمد بن علي الحلبي في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧أنهما سألا عمّن يقرأ بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب قال نعم إن شاء سرّا و إن شاء جهرا قال أ فيقرأها في سورة الأخرى فقال لا
و لا يخفى أن حمل هذا الحديث على التقية أولى لأن ظاهره نفي رجحان قراءتها مع السّورة الأخرى و ليس الأمر كذلك و عن عمار الساباطي في الموثق عن أبي عبد اللّٰه٧في الرّجل يسمع السجدة في الساعة التي لا يستقيم الصّلاة فيها قبل غروب الشمس و بعد صلاة الفجر فقال لا يسجد و عن الرّجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم فقال إذا بلغ موضع السّجدة فلا يقرأها فإن أحب أن يرجع فيقرأ سورة غيرها و يدع التي فيها السجدة فيرجع إلى غيرها
و يؤيّد استحباب السورة ما رواه الشيخ في الصّحيح عن إسماعيل بن الفضل قال صلّى بنا أبو عبد اللّٰه٧أو أبو جعفر٧فقرأ بفاتحة الكتاب و آخر سورة المائدة فلما سلم التفت إلينا فقال أما إني إنما أردت أن أعلمكم و هذا الخبر مما استدل به جماعة من الأصحاب على الاستحباب و هو غير بعيد لكنه للتأييد أصلح لقيام احتمال أن يكون ذلك في صلاة مندوبة يصحّ فيها الجماعة أو يكون الغرض من قوله٧إنما أردت أن أعلمكم تعليم طريق التقية لكن الاحتمالان بعيدان كما لا يخفى عند المتدبر
و ممّا يؤيده أيضا قوله٧في صحيحة علي بن يقطين بعد سؤاله عن تبعيض السورة أكره و لا بأس في النّافلة لأن إطلاق الكراهة على أمر واجب في الصّلاة بعيد و استدلّ بعضهم بهذه الرّواية على وجوب السورة و هو فاسد و يؤيده أيضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧أ يقرأ الرّجل السورة الواحدة في الركعتين من الفريضة فقال لا بأس إذا كانت أكثر من ثلاث آيات فإنها و إن احتمل فيها أن يكون المراد تكرارها لكن التقييد بكونها أكثر من ثلاث آيات مشعر بإرادة التبعيض و يؤيده أيضا ما رواه الشيخ في الصّحيح عن أبي بكير عن زرارة قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الرّجل يقرن بين السّورتين في الركعة فقال إن لكلّ سورة حقا فأعطها حقها من الركوع و السجود قلت ينقطع السورة فقال لا بأس
و يؤيد الاستحباب ما رواه الشيخ في الصّحيح عن أبان بن عثمان عمّن أخبره عن أحدهما٧قال سألته هل يقسم السورة في ركعتين فقال نعم اقسمها كيف شئت و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه٧أنه سئل عن السّورة أ يصلي الرّجل بها في ركعتين من الفريضة فقال نعم إذا كانت ست آيات قرأ بالنصف منها في الركعة الأولى و النّصف الآخر في الركعة الثّانية و هذه الرّواية نقلها المحقق عن حريز بن عبد اللّٰه عن أبي بصير و لعلّه نقله عن كتاب حريز فتكون صحيحة و في الصّحيح عن عبد اللّٰه بن بكير عن مسمع البصري قال صلّيت مع أبي عبد اللّٰه٧فقرأ بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين ثم قرأ السّورة التي بعد الحمد و لم يقرأ بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم ثم قام في الثّانية فقرأ الحمد و لم يقرأ بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم ثم قرأ سورة أخرى و فيه تأييد ما لكنه ضعيف لاحتمال أن يكون جهة الترك الضرورة أو التقية و المستفاد مما عدا الخبرين الأوليين جواز تبعيض السورة و يلزم منه جواز الاقتصار على الحمد وحدها بناء على ما يظهر من كلام المصنّف في المختلف من عدم القائل بالفصل
لكن قال الشيخ في المبسوط قراءة سورة بعد الحمد واجب على أنه إن قرأ بعض سورة لا نحكم ببطلان الصّلاة و قال ابن الجنيد و لو قرأ بأم الكتاب و بعض السورة في الفرائض أجزأه احتج الموجبون بوجوه منها قوله تعالى فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وجه الاستدلال أن الأمر للوجوب و قوله تعالى مٰا تَيَسَّرَ عام فوجب قراءة كل ما تيسّر لكن وجوب الزائد على مقدار الحمد و السورة في الصلاة منفي بالإجماع فيبقى وجوب السورة سالما عن الرافع
و منها ما رواه الشيخ عن منصور بن حازم قال قال أبو عبد اللّٰه٧لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة أو بأكثر و منها ما رواه عن يحيى بن عمران الهمداني قال كتبت إلى أبي جعفر٧جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم في صلاته وحده وحده في أم الكتاب فلما صار إلى غير أمّ الكتاب من السّورة تركها فقال العباسي ليس بذلك بأس فكتب بخطه يعيدها مرتين على رغم أنفه يعني العباسي
و منها ما رواه عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه٧قال لا يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها و يجوز للصحيح و قضاء صلاة التطوع باللّيل و النّهار
و منها ما رواه في الصّحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه٧قال لا بأس أن يقرأ الرّجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوف شيئا و في معناه ما رواه بإسناد عن محمد بن سنان الضعيف عن الحسن الصيقل قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧أ يجزئ عني أن أقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها إذا كنت مستعجلا أو أعجلني شيء فقال لا بأس و منها ما رواه عن معاوية بن عمار في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال من غلط في سورة فليقرأ قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ ثم ليركع
و استدل أيضا على وجوب السّورة بما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما٧قال سألته عن رجل يقرأ السورتين في الركعة فقال لا لكلّ سورة ركعة و بما دل على تعيين السورة في كثير من المواضع و بما دل على عدم العدول من سورة إلى أخرى و بوقوعه في الصّلاة البياني و كأنه إشارة إلى رواية حماد المشهورة و بأن النبي٦كان يواظب على هذا فيكون واجبا لأن فعله٦بيان للمجمل و بقوله٧صلّوا كما رأيتموني أصلّي فهذا أقصى ما استدل به على وجوب السورة
و الجواب عن الأوّل أن مورد الآية صلاة التهجد كما يعلم من سياقها فتكون خارجة عن محلّ البحث و أيضا يجوز أن تكون لفظة ما نكرة موصوفة لا موصولة حتى تفيد العموم فيكون المعنى أي شيء تيسّر أي اقرءوا مقدار ما أردتم و أجبتم و لعلّ ذلك أظهر لكونه المتبادر عرفا كما يقال أعطه ما تيسر و كونه أنسب بسياق الآية و غرض التخفيف و الامتنان المقصود بيانه بها و التفريع على قوله فَتٰابَ عَلَيْكُمْ و استلزامه التفصي و الخلوص عن مثل ذلك التخصيص الّذي يمتنع عند التحقيق إذ هو في نهاية البعد
و يحتمل أن يكون المراد صلّوا ما تيسر من الصّلاة باللّيل بأن يكون المراد من القراءة الصّلاة تسمية للكل باسم الجزء و هذا الاحتمال نقله الشيخ الطبرسي عن أكثر المفسرين و هذا الاحتمال ليس أبعد مما بني عليه كلام المستدل من ذلك التخصيص المستبعد و إن سلم رجحان التخصيص على المجاز و لو سلم أن المراد بالقراءة معناها الحقيقي و أن ما للعموم لكن حمل الأمر على الرّجحان المطلق احتمال قريب مناسب يساق الآية و غير خفي رجحانه على التخصيص الّذي بني عليه كلام المستدل
و عن الثاني بعد الإغماض عن ضعف السّند المشتمل على محمد بن عبد الحميد فإنه غير موثق في كتب الرجال صريحا نعم قد يعد المصنّف الرّواية المشتملة عليه من الصّحاح مع اشتماله عليه أن النهي وقع عن قراءة الأقل من سورة و الأكثر و المستفاد من العبارة أن النّهي فيهما بمعنى واحد و ثبت أنه في الأكثر بمعنى الكراهة كما سيجيء فيكون في الأقل كذلك مع أن وجود ما يقتضي الجواز من النصوص السّابقة سبب واضح للحمل على الكراهة و إن سلّم كون ذلك خلاف الظاهر في نفسه إذ لا خفاء في أن حمل أخبار الجواز على كثرتها و قوة أسانيدها على حال الضّرورة مرجوح بالنسبة إلى هذا التأويل جدّا
و عن الثالث بعد استضعاف السّند بيحيى أن قوله يعيدها محمول على الاستحباب جمعا بينها و بين ما سبق من الأدلة خصوصا روايتا محمد بن مسلم و الحلبيّين و الأقرب إرجاع ضمير يعيدها إلى البسملة فكأنه٧قال عليه أن يعيد البسملة إذا أراد قراءة السورة و الإعادة رجوع إلى الشيء ثانيا و لا يعتبر فيه اشتمال الأوّل على خلل إلا في عرف خاص بأصحاب صناعة و أما إرجاعه إلى الصّلاة فيقتضي الأمر بإعادة الصّلاة لأجل ترك فعل مندوب و هو لا يخلو عن بعد و إن كان نظيره متحققا
و عن الرابع بعد استضعاف السّند لأن فيه محمّد بن عيسى عن يونس و قد نقل الصّدوق عن شيخه ابن الوليد أنه قال ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس و حديثه لا يعمل به أن التحقيق أن مفهوم الصّفة إنما يكون حجة إذا حصل الظن بأن ذكر الصّفة بخصوصيتها لا فائدة له سوى التخصيص و الأمر هاهنا ليس كذلك لاحتمال أن تكون فائدة تخصيص الحكم بالمريض و عدم التعميم حذرا عن اجتزاء المكلفين على المسامحة في أمر هذه الفضيلة المؤكدة و جريهم على مقتضى الترخيص و من مارس الأحاديث و تصفحها يجد نظير ذلك من الكثرة و الشّيوع بمكان و يرشد إليه قوله٧و يجوز للصّحيح في قضاء صلاة النوافل إذ لا يختص الجواز بالقضاء اتفاقا و لو سلم ظهورها فيما ذكر و سلم صلاحية المفهوم لتخصيص العمومات في بعض الصور كما هو التحقيق و إن منعه جماعة من الأصوليين
نقول قد وقع التّعارض بينها و بين الأخبار السّابقة الدالة على جواز الترك و يمكن الجمع بينهما بوجهين أحدهما حمل أخبار الجواز على حال الضرورة و ثانيهما ارتكاب التأويل في الخبر المذكور إما بأن يقال المفهوم فيه غير ملحوظ
أو يقال المراد من الجواز فيه الإباحة لا المعنى الشامل للكراهة و إطلاقه عليه شائع مشهور حتى يمكن القول بكونه على سبيل الحقيقة و لا ريب في رجحان الثاني على الأول و من هنا يظهر أن ما ذكره بعض أفاضل الشّارحين من لزوم حمل أخبار الجواز على حال الضّرورة و استنادا إلى أن المطلق و العام يحمل على المقيد و الخاص محلّ نظر
و عن الخامس بأنها غير دالة على المطلوب صريحا لكون دلالتها بالمفهوم قد عرفت الأمر فيها بل لقائل أن يقول هي بالدلالة على نقيض المدعى أشبه إذ مقتضاها جواز اقتصار المصلّي على الفاتحة إذا أعجلته حاجة و الجواب أعمّ من الضّرورية