ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٩٤
دون المشاهدة فإن المشهور بين الأصحاب عدم المنع هناك و وافقهم الشيخ في المبسوط و خالف في الخلاف فقال من صلى وراء الشبابيك لا يصح صلاته مقتديا بصلاة الإمام الذي يصلي داخلها
و استدل بصحيحة زرارة و لعل موضع الاستدلال النهي عن الصلاة خلف المقاصير فإن الغالب فيها أن تكون مشبكة و أجاب المصنف بأنه يجوز أن يكون المقاصير المشار إليها غير مخرمة و ربما يقال وجه الدلالة إطلاق قوله إن صلى قوم و بينهم و بين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام و فيه تأمّل لأن الظاهر أن المراد بعدم التخطي عدم التخطي باعتبار البعد بقرينة ذكر الحائل بعده و هذه المسألة فعل تردد و الظاهر أنه لا بأس في الحائل القصير الذي لا يمنع المشاهدة و لو كان مانعا من المشاهدة في بعض الأحوال دون بعض فالأقرب أنه ليس بمانع لعموم أدلة الجماعة و عدم ظهور الخبر السابق في المعنى الشامل له و لو لم يشاهد المأموم الإمام و شاهد بعض المأمومين صحت صلاته و إلا بطلت صلاة الصف الثاني و ما بعده إذا لم يشاهد الإمام و بطلان ذلك معلوم
و قال في المنتهى إنه لا يعرف فيه خلافا و ذكر جماعة من الأصحاب أنه لو وقف المأموم خارج المسجد بحذاء الباب و هو مفتوح بحيث يشاهد الإمام أو بعض المأمومين صحت صلاته و صلاة من على يمينه و شماله و وراءه لأنهم يرون من يرى الإمام و لو وقف بين يدي هذا الصف صف آخر عن يمين الباب أو عن يساره بحيث لا يشاهدون من في المساجد بطلت صلاتهم و الحكم الثاني صحيح
و أما الحكم الأول فقد ذكره غير واحد من الأصحاب كالشيخ و من تبعه و هو متجه إن ثبت الإجماع على أن مشاهدة بعض المأمومين يكفي مطلقا و إلا كان في الحكم المذكور إشكال نظرا إلى قوله٧إلا من كان بحيال الباب فإن ظاهره قصر الصحة على صلاة من كان بحيال الباب و جعل بعضهم هذا الحصر إضافيا بالنسبة إلى الصف الذي يتقدمه عن يمين الباب و يساره
و فيه عدول عن الظاهر يحتاج إلى دليل و المشهور بين الأصحاب عدم المنع من حيلولة النهر و خالف فيه أبو الصّلاح و ابن زهرة فإن خصا ذلك بما لا يمكن تخطيه كان له وجها مع تأمّل فيه و إن عما الحكم طوليا بالدليل و التقييد بالرجل احترازا عما لو كان الإمام رجلا و المأموم امرأة فإنه يجوز ائتمامها به مع وجود الحائل على المشهور بين الأصحاب و خالف فيه ابن إدريس حيث قال و قد وردت رخصة للنساء أن يصلين و بينهن و بين الإمام حائط و الأول أظهر و أصح و عني به مساواة الرجال و الأول أقرب لما رواه الشيخ عن عمار الساباطي في الموثق قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الرجل يصلّي بالقوم و خلفه دار فيها نساء هل يجوز لهن أن يصلين خلفه قال نعم إن كان الإمام أسفل منهن قلت فإن كان بينهن و بينه حائطا أو طريقا قال لا بأس
و كذا لا يصلح الائتمام مع علو الإمام على المأموم و كذا لا يصح الائتمام مع تباعده بغير صفوف بالمعتد فيهما و تنقيح هذا المقام يتم برسم مسائل
الأول المشهور بين الأصحاب أنه لا يجوز علو الإمام على المأموم في مثل الأبنية دون الأرض المنحدرة و ربما ينقل فيه الإجماع و ذهب الشيخ في الخلاف إلى الكراهة و رجحه بعض المتأخرين و تردد فيه المحقق في المعتبر و مستند الأول ما رواه الشيخ و ابن بابويه و الكليني عن عمار الساباطي عن أبي عبد اللّٰه٧قال سألته عن الرجل يصلّي بقوم و هم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلّي فيه فقال إن كان الإمام على شبه الدكان أو على موضع أرفع من موضعهم لم يجز صلاتهم و إن كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقل إذا كان الارتفاع بقدر شبر يسير فإن كان أرضا مبسوطة و كان في موضع منها ارتفاع فقام الإمام في الموضع المرتفع و قام من خلفه أسفل منه و الأرض مبسوطة إلا أنهم في موضع منحدر قال لا بأس و قال إن كان رجل فوق بيت مسطح أو غير ذلك دكانا أو غيره و كان الإمام يصلي على الأرض أسفل منه جاز للرجل أن يصلي خلفه و يقتدي بصلاته و إن كان أرفع منه بشيء كثير
و في الكافي بدل قوله إذا كان الارتفاع بقدر شبر إذا كان الارتفاع ببطن مسيل ففي الخبر اختلاف و اضطراب مع عدم صحة سندها و لهذا تردد في الحكم المذكور المحقق و يجوز علو المأموم على الإمام عند الأصحاب و كلام المصنف في المنتهى يشعر بكون ذلك إجماعيا عندنا و يدل عليه مضافا إلى إطلاق الأوامر موثقة عمار السابقة
و أما ما رواه الشيخ عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن صفوان و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم عن محمد بن عبد اللّٰه و هو مجهول عن الرضا٧قال سألته عن الإمام يصلي في موضع و الذين يصلّون خلفه في موضع أرفع منه فقال يكون مكانهم مستويا فينبغي حملها على الاستحباب جمعا بين الأدلة
الثانية اختلف في مقدار العلو المانع فقيل إنه القدر المعتد به و اختاره المصنف هنا و قيل قدر شبر و قيل ما لا يتخطؤه الإنسان و قربه المصنف في التذكرة و لعله نظر إلى رواية زرارة السابقة في المسألة المتقدمة و قال في التذكرة لو كان العلو يسيرا جاز إجماعا
الثالثة إن قلنا بالمنع فهل يختص البطلان بصلاة المأمومين أم يعم صلاة الإمام الذي ذكره الأصحاب الأول و ذهب بعض العامة إلى الثاني
الرابعة اتفق علماؤنا على أنه لا يجوز التباعد بين الإمام و المأموم إلا مع اتصال الصفوف و إليه ذهب العامة و اختلف الأصحاب في تحديده فذهب الأكثر إلى أن المرجع فيه إلى العادة و قال الشيخ في الخلاف حده بما يمنع من مشاهدته و الاقتداء بأفعاله
و يظهر من المبسوط جواز البعد بثلاثمائة ذراع و قال أبو الصلاح و ابن زهرة لا يجوز أن يكون بين الصفين ما لا يتخطى و يدل على هذا القول صحيحة زرارة المتقدمة في المسألة المتقدمة السابقة
و أجاب عنها المحقق في المعتبر بأن اشتراط ذلك مستبعد فيحمل على الأفضل و فيه تأمّل و أجاب المصنف باحتمال أن يكون المراد ما لا يتخطى من الحائل لا المسافة و فيه أن الظاهر المسافة بقرينة التصريح بحكم الحائل بعده كما سبق مع أن هذا الحمل لا يوافق قول المصنف من تجويز الصلاة خلف الشبابيك و الحائل القصير الذي لا يمنع المشاهدة و يمنع الاستطراق
الخامسة لو خرجت الصفوف المتخللة بين الإمام و المأموم عن الاقتداء إما لانتهاء صلاتهم و إما لعدولهم إلى الانفراد و حصل البعد المانع من الاقتداء تنفسخ القدوة و لا تعود بانتقاله إلى محل الصحة و يحتمل جواز تجديد القدرة مع القرب إذا لم يفعل فعلا كثيرا و ذكر بعض المتأخرين أن الأصح أن عدم التباعد إنما يعتبر في ابتداء الصلاة خاصة كالجماعة و العدد في الجمعة تمسكا بمقتضى الأصل السالم من المعارض و هو حسن
و كذا لا يصح الائتمام مع وقوفه أي المأموم قدام الإمام هذا قول علمائنا أجمع على ما حكي عنهم و هو المحكي عن أكثر العامة لأن المنقول عن فعل النبي و الأئمّة٧إما تقدم الإمام أو تساوي الموقفين فيكون خلافه خلاف المشروع و لأن المأموم يحتاج إلى معرفة حال الإمام لغرض المتابعة و التقدم يحوجه إلى استعلام حاله بالالتفات إلى ما ورائه و ذلك مبطل و في الوجهين تأمّل و ظاهر كلام المصنف جواز المساواة بينهما و هو المشهور بين الأصحاب و حكي عن ظاهر ابن إدريس المنع من ذلك و اعتبار تأخر المأموم و لعل الأول أقرب لإطلاق الأدلة الدالة على شرعية الجماعة و ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما٧قال الرجلان يؤم أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه فإن كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه و نحوه روى زرارة عن الصادق٧إذ القيام عن اليمين أعمّ من المحاذاة بل فرده المتبادر المحاذاة فلو كان التأخر واجبا كان بيانه و الإشعار به في مثل هذا القيام لازما حذرا عن تأخير البيان عن وقت الحاجة بل الإغراء بالجهل
و يؤيده ما رواه الشيخ عن سعيد الأعرج بإسناد لا يبعد أن يعد موثقا قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصف مقاما أ يقوم وحده حتى يفرغ من حسابه قال نعم لا بأس يقوم بحذاء الإمام و عن أمير المؤمنين٧فإن لم يمكن الدخول في الصف قام حذاء الإمام أجزأه
و يؤيده الرواية الدالة على صحة الصلاة بما إذا قصد كل منهما الإمامة و لعل حجة ابن إدريس التأسي بالنبي٦و الأئمّة٧و قوله٧في صحيحة محمد بن مسلم فإن كانوا أكثر قاموا خلفه و ما في الأخبار من الصلاة خلفه و تقديم الأفراد في الاستنابة بعدم من يصلي بهم
و الجواب أن مداومة النبي و الأئمّة على ذلك ممنوع سلمنا لكنه أعمّ من الوجوب و الأمر بالقيام خلفه في صحيحة محمد غير واضح الدلالة على الوجوب مع أن قرينه هو الأمر بالقيام عن يمينه محمول على الاستحباب عند الأكثر و كذا التقدم في باقي الأخبار غير متعين للوجوب بل الدليل الدال على الاستحباب في أكثرها موجود
و اعلم أن الظاهر أن المعتبر في التقدم و التساوي النظر إلى العرف و قد ذكر جماعة من الأصحاب أن المعتبر التساوي بالأعقاب فلو تساوى العقبان لم يضر تقدم أصابع رجل المأموم أو رأسه و صدره و لو تقدم عقبه على عقب الإمام لم ينفعه تأخر أصابعه و رأسه و استقرب المصنف في النهاية اعتبار التقديم بالأصابع و العقب معا و صرح بأنه لا يقدح في التساوي تقدم رأس المأموم في حالتي الركوع و السجود و مقاديم الركبتين و الأعجاز في حال التشهد و هذه التفاصيل ليس في شيء من النصوص و اعلم أنه اختلف الأصحاب في جواز استدارة المأمومين في المسجد الحرام حول الكعبة فجوزه ابن الجنيد بشرط أن لا يكون