ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٥٧
الأذان و الإقامة من الحيعلتين مثنى في أذان الصّبح و اختلف الأصحاب في حكم التثويب بالمعنى الّذي ذكرناه أولا حال الاختيار من غير تقية فقال ابن إدريس و ابن حمزة و جماعة من المتأخرين بالتحريم و هو ظاهر الشيخ في النهاية
و قال الشيخ في المبسوط و المرتضى في الإنتصار بالكراهة و هو اختيار المحقق و عن ابن الجنيد أنه لا بأس في أذان الصّبح بعد قولك حي على خير العمل الصّلاة خير من النّوم مرتين و ليستا من أصل الأذان حجة الأول أن شرعيتها موقوفة على ورود النقل و ثبوته عن صاحب الشّرع و لم يثبت فتكون بدعة و الرّوايات السابقة خالية عنها و لو كانت داخلة في الأذان لاشتملت عليها لاقتضاء مقام البيان ذلك
و أما ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن التثويب الّذي يكون بين الأذان و الإقامة فقال ما نعرفه فغير واضح الدلالة على العموم لأن الظاهر ما كان بين الأذان و الإقامة قال محمد بن الحسن كان التثويب الأول الصّلاة خير من النّوم من بين الأذان و الإقامة ثم أحدث النّاس بالكوفة حيّ على الصّلاة حيّ على الفلاح مرّتين بينهما
و أما ما رواه الشيخ عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه٧قال النداء و التثويب في الإقامة من السنة و عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر٧قال كان أبي ينادي في بيته بالصّلاة خير من النّوم و لو رددت ذلك لم يكن به بأس فحملها الشيخ على التقية مستندا إلى إجماع الطائفة على ترك العمل بها قال المحقق في المعتبر في كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي من أصحابنا قال حدّثني عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه٧أنه قال الأذان اللّٰه أكبر اللّٰه أكبر أشهد أن لا إله إلا اللّٰه أشهد أن لا إله إلا اللّٰه و قال في آخره لا إله إلا اللّٰه مرة ثم قال إذا كنت في أذان الفجر فقل الصّلاة خير من النوم بعد حيّ على خير العمل و قل بعده اللّٰه أكبر اللّٰه أكبر لا إله إلا اللّٰه و لا تقل في الإقامة الصّلاة خير من النّوم إنما هو في الأذان ثم نقل عن الشيخ في الإستبصار أنه حمل ذلك على التقية و قال لست أرى هذا التّأويل شيئا فإن في جملة الأذان حيّ على خير العمل و هو انفراد الأصحاب فلو كان للتقية لما ذكره لكن الأوجه أن يقال فيه روايتان عن أهل البيت٧أشهرها تركه
و قد يجاب عنه بأنه ليس في الرّواية تصريح بأنه يقول حيّ على خير العمل جهرا فيحتمل أن يكون المراد أنه إذا قيل سرّا يقول بعده الصّلاة خير من النّوم فحملها على التّقية غير بعيد و بالجملة يمكن جمع بين الأخبار بوجهين الأول حمل هذا الخبر على التقيّة و الثاني حمل الاختلاف على التخيير و الشهرة يعتضد الأول و يؤيده كون هذا الخبر مخالفا لما عليه عمل الأصحاب من تربيع التكبير في أول الأذان و تثنية التهليل في آخره فالعمل على المشهور
و يكره
الترجيع لغير الإشعار اختلف الأصحاب في حقيقة الترجيع فقال الشيخ في المبسوط أنه تكرار التكبير و الشهادتين في أول الأذان و قال المصنف في المنتهى أنه تكرار الشهادتين مرتين و قال الشهيد في الذكرى أنه تكرار الفصل زيادة على الموظف و هو مناسب لما ذكره بعض أهل اللغة من أنه ترديد القراءة و ذكر جماعة من أهل اللّغة منهم صاحب القاموس و صاحب المغرب أنه تكرار الشّهادتين جهرا بعد إخفائهما و هو ناظر إلى قول الشّافعي حيث استحب الترجيع بهذا المعنى تعويلا على حجة ضعيفة و من العامة من سنه و قال معناه أن يخفض مرّة و يجهر أخرى من غير زيادة على فصول الأذان و اختلف الأصحاب في حكم الترجيع أيضا فقال الشيخ في المبسوط و الخلاف أنه غير مسنون و قال ابن إدريس و ابن حمزة أنه محرم و هو ظاهر الشيخ في النهاية و ذهب آخرون إلى كراهة قال في المنتهى الترجيع مكروه ذهب إليه علماؤنا و هذا مشعر بالاتفاق فلعلّه يريد بالكراهة المعنى الشامل للتحريم
حجة القول بالتحريم لا يخلو عن رجحان لأن الأذان سنة متلقاة من الشّارع كسائر العبادات فتكون الزيادة فيه تشريعا محرما و المراد بالزيادة المحرمة زيادتها على أنها من الأذان معتبرة فيه لا مطلقا
و أمّا الترجيع لإشعار المصلّين فجوزه الشيخ و من تأخر عنه و نقل المصنف في المختلف الاتفاق عليه و يدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن محبوب عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه٧قال لو أن مؤذنا أعاد في الشهادة و في حيّ على الصّلاة أو حيّ على الفلاح المرتين و الثلاث و أكثر من ذلك إذا كان إماما يريد جماعة القوم ليجمعهم لم يكن به بأس و الخبر المذكور بعد انضمامه إلى الإجماع المنقول كاف في حصول الظنّ بمدلوله
و كذا يكره الكلام لغير المصلحة الصّلاة بعد قول المؤذن قد قامت الصّلاة كراهة مغلطة و إليه ذهب الأكثر و قال الشيخان في النهاية و المقنعة و المرتضى في المصباح إذا قال الإمام قد قامت الصّلاة حرم الكلام إلا ما يتعلق به و بالصّلاة من تسوية صفّ أو تقديم إمام و احتجوا عليه بما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي عمير قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الرّجل يتكلّم في الإقامة قال نعم فإذا قال المؤذن قد قامت الصّلاة فقد حرم الكلام على أهل المسجد إلا أن يكونوا قد اجتمعوا من شتى و ليس لهم إمام فلا بأس أن يقول بعضهم لبعض تقدم يا فلان
و في الصّحيح عن أبي جعفر٧أنه قال إذا أقيمت الصّلاة حرم الكلام على الإمام و أهل المسجد إلا في تقديم إمام و في الموثق عن سماعة قال قال أبو عبد اللّٰه٧إذا قال المؤذن الصّلاة فقد حرم الكلام إلا أن يكون القوم ليس يعرف لهم إمام
و الجواب أنّ هذه الأخبار معارضة بصحيحة حماد بن عثمان و رواية الحسن بن شهاب السّالفتين عند شرح قول المصنف تاركا للكلام فيجب حمل التحريم فيها على الكراهة الشّديدة جمعا بين الأدلة
و الالتفات يمينا و شمالا في أثناء الأذان بل يلزم سمت القبلة لعموم أدلة الاستقبال و هذا رد على الشّافعي حيث استحب أن يلتفت عن يمينه عند قوله حيّ على الصّلاة عن يساره عند قوله حيّ على الفلاح و على ابن حنيفة حيث استحب أن يدار بالأذان في المأذنة
و مع التشاح يقدم الأعلم و مع التساوي يقرع أي لو اجتمع اثنان فصاعدا و كلّ منهم يريد الأذان قدم الأعلم و الظاهر أن المراد به الأعلم بأحكام الأذان التي من جملتها الأوقات كما صرّح به جماعة من المتأخرين و مع التساوي يقرع و في الذّكرى قدم الأعلم بالأوقات
و قال الشيخ في المبسوط و إذا تشاح النّاس في الأذان أقرع بينهم لقول النّبي٦لو يعلم النّاس ما في الأذان و الصّف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لفعلوا فدل على جواز الاستفهام فيه و لم يذكر الشيخ الترجيح بالأعلمية قال المصنف في التذكرة و هذا القول جيّد مع فرض التساوي في الصّفات المعتبرة في التأذين و إن لم يتساووا قدم من كان أعلى صوتا و أبلغ في معرفة الوقت و أشدّ محافظة عليه و من يرتضيه الجيران و أعف عن النظر و قريب منه كلامه في المنتهى و قال الشهيد في الذكرى و مع التشاح يقدم من فيه صفة كمال و اعتبار صفة الكمال مطلقا محلّ إشكال
و ذكر المدقق الشيخ علي في اعتبار الأوصاف و مراتب تقديم بعضها على بعض تفاصيل لا ترتبط بدليل و ذكر جماعة من الأصحاب أن الكلام إنما يختصّ بصوته الارتزاق من بيت المال حيث لا يحتاج إلى المتعدد و إلا أذن الجميع و التحقيق أن اختلاف الصفات إن كان بحيث يختلف به مصالح المسلمين كان تقديم الراجح متجها و إن لم يحصل التشاح و إلا فإثبات التقديم بهذه المرجحات محلّ إشكال لفقد النص الدّال عليه و عدم استقلال العقل بإثبات هذه الأمور
و يجوز مع الاجتماع أن يؤذنوا دفعة و الأفضل أن يؤذن كل واحد بعد فراغ الآخر و ينبغي تقييد الأفضلية المذكورة بسعة الوقت كما صرّح به في غير هذا الكتاب وفاقا للمحقق ره و المراد بها عدم اجتماع الإمام و المأمومين لا اتساع وقت أجزاء الصّلاة فإن تأخير الصّلاة عن وقتها المطلوب شرعا لأمر غير موظف مستبعد جدّا و مع ذلك فإثبات الأفضلية المذكورة محلّ إشكال قال الشّيخ في الخلاف لا ينبغي الزّيادة على اثنين
و استدل بإجماع الفرقة على ما رووه من أن الأذان الثالث بدعة و نقل عن ولده الشّيخ أبي علي أنه قال في شرح نهاية والده إن الزائد على اثنين بدعة بإجماع أصحابنا و قال الشيخ في المبسوط و يجوز أن يكون المؤذنون اثنين اثنين إذا أذنوا في موضع واحد فإنه أذان واحد فأمّا إذا أذن واحد بعد الآخر فليس ذلك بمسنون و لا مستحب و فسّر المصنف في المنتهى و المحقق في المعتبر أذان الواحد بعد الآخر بأن يبنى كل واحد على فصول الآخر و هو المعبر عنه بالتراسل و فيه بعد بل الظاهر من كلامه وقوع المجموع بعد تمام الأول كما فهمه المصنف في التذكرة و علّل كراهته بأنه يتضمّن تأخير الصّلاة عن أوّل وقتها من غير موجب و هو حسن
و يمكن الاستدلال على ما اختاره الفاضلان في أصل المسألة بعموم الأدلّة الدّالة على شرعيّة الأذان و شمولها لمحلّ النّزاع فلا يلزم كونه بدعة و لقائل أن يقول عدم تمكين النّبي٦عن ذلك مع توفر الدّاعي عليه شاهد للكراهة أو التحريم
و اعلم أنهم ذكروا أن الأذان الثاني تحريمه على وجه كونه وظيفة شرعية بهذا الوجه كما زعمه العامة لا من حيث كونه ذكرا صرّح به المدقق الشيخ علي في شرح القواعد و يجتزي الإمام بأذان المنفرد ذكره كثير من الأصحاب و احتجوا عليه بفعل النّبي٦و الأئمّة : و ما رواه الشيخ عن عمرو بن خالد عن أبي جعفر٧قال كنا معه نسمع إقامة جار له بالصّلاة فقال قوموا فقمنا فصلّينا معه بغير أذان و لا إقامة قال يجزيكم أذان جاركم و عن ابن مريم الأنصاري قال صلّى بنا أبو جعفر٧في قميص بلا إزار و لا رداء و لا أذان و لا إقامة فلما انصرف قلت له عافاك اللّٰه صلّيت بنا في قميص بلا إزار و لا رداء و لا أذان و لا إقامة فقال إن قميصي كثيف فهو يجزئ أن لا يكون على إزار و لا رداء و إني مررت بجعفر و هو يؤذن و يقيم فلم أتكلّم فأجزأني ذلك و في طريق الرّوايتين ضعف لكنهما مؤيدتان بالشّهرتين