ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٠٥
و اللّواط و شهادة الزّور و اليأس من روح اللّٰه و الأمن من مكر اللّٰه و القنوط من رحمة اللّٰه و معونة الظّالمين و الرّكون إليهم و اليمين الغموس و حبس الحقوق من غير عسر و الكذب و الكبر و الإسراف و التّبذير و الخيانة و الاستخفاف بالحج و المحاربة لأولياء اللّٰه و الاشتغال بالملاهي و الإصرار على الذّنوب
و قد وقع في الأخبار في خصوص بعض الذنوب أنّها كبائر كالغناء و الحيف في الوصيّة و الكذب على اللّٰه و رسوله و الأئمّة : و غيرها و سيجيء لذلك زيادة تحقيق في كتاب الشّهادات
ثم اعلم أن المراد بالإصرار على الصّغيرة الإكثار منها سواء كان من نوع واحد أو من أنواع مختلفة و قيل المراد به على نوع واحد منها و قيل يحصل بكلّ منهما و نقل بعضهم قولا بأن المراد به عدم التّوبة و هو ضعيف و قسم بعض علمائنا الأعلام الإصرار إلى فعليّ و حكمي فالفعلي هو الدّوام على نوع واحد من الصّغائر بلا توبة أو الإكثار من جنس الصّغائر بلا توبة و الحكمي هو العزم على فعل تلك الصّغيرة بعد الفراغ منها و هذا مما ارتضاه جماعة من المتأخرين و النّص خال عن بيان ذلك لكن المداومة على نوع واحد من الصّغائر و العزم على فعل تلك الصّغيرة بعد الفراغ منها يناسب معنى اللّغوي المفهوم من الإصرار
و أمّا الإكثار من الذّنوب و إن لم يكن من نوع واحد بحيث يكون ارتكابه للذنب أغلب من اجتنابه عنه إذا عن له من غير توبة فالظاهر أنه قادح في العدالة بلا خلاف في ذلك بينهم نقل الإجماع عليه المصنف في التّحرير فلا فائدة في تحقيق كونه داخلا في مفهوم الإصرار أم لا و يفهم من العبارة المنقولة سابقا عن المحقق أنه غير داخل في معنى الإصرار و كذا من كلام المصنف حيث قال في باب الشّهادات من هذا الكتاب و بالإصرار على الصّغائر أو في الأغلب و نحوه قال في القواعد و قال في التّحرير و عن الإصرار على الصّغائر و الإكثار منها
ثم قال و أمّا الصّغائر فإن داوم عليها أو وقعت منه في أكثر الأحوال ردّت شهادته إجماعا و على كلّ تقدير فالمداومة و الإكثار من الذنب و المعصية غير قادح في العدالة و أمّا العزم عليها بعد الفراغ ففي كونه قادحا تأمّل إن لم يكن ذلك اتفاقيا و في صحيحة عمر بن يزيد السّابقة إشعار ما بالعدم إذ الظّاهر أن إسماع الكلام المغضب للأبوين معصية و اعتبر المتأخرون في معنى العدالة الملكة الّتي تبعث على ملازمة التّقوى و المروة و المراد بالملكة الهيئة النّفسانية الرّاسخة و لم أجد ذلك في كلام من تقدم على المصنف و ليس في الأخبار منه أثر و لا شاهد عليه فيما أعلم و كأنهم اقتفوا في ذلك أثر العامة حيث يعتبرون ذلك في مفهوم العدالة و يوردونه في كتبهم
و اعلم أن المحقق لم يذكر في معنى العدالة المروة و هو قول لبعض العلماء نظرا إلى أن مخالفة المروة مخالفة للعباد لا الشّرع و المشهور اعتبارها في الإمامة و الشّهادة سواء جعلناها جزء مفهوم العدالة كما هو المشهور أم جعلناها صفة برأسها كما جرى عليه جماعة قال بعض الأعلام الوجه أنه لا يقبل شهادة من لا مروة له لأن طرح المروة إما أن يكون لخبل و نقصان أو قلة مبالاة و حياء و على التّقديرين يبطل الثّقة و الاعتماد على قوله أما المخبل فظاهر و أمّا قليل الحياء فلأن من لا حياء له يصنع ما شاء كما ورد في الخبر و ما ذكره و إن كان وجها اعتباريّا حسنا إلا أن التّعويل عليه مع فقد شاهد من جهة النّصوص لا يخلو عن إشكال و في ضبط المروة عبارات متقاربة منها أن صاحب المروة هو الذي يصون نفسه عن الأدناس و لا يشبهنا عند النّاس أو الّذي يتحرر مما يسخر به و يضحك أو الذي يسير بسيرة أمثاله في زمانه و مكانه
و بالجملة المروة مجانبة ما يؤذن بخسة النّفس و دناءة الهمة من المباحات و المكروهات و صغائر المحرمات التي لا يبلغ حد الإصرار كالأكل في الأسواق و المجامع في أكثر البلاد و البول في الشّرائع وقت سلوك النّاس و كشف الرّأس في المجامع و تقبيل أمته و زوجته في المحاضر و لبس الفقيه ثياب الجندي و الإكثار من الحكايات المضحكة و المضايقة في اليسير الّذي لا يناسب حاله و نقل الماء و الأطعمة بنفسه ممن ليس أهلا لذلك إذا كان عن شح و ظنة و يختلف ذلك بحسب الأشخاص و الأحوال و الأوقات و البلاد و لو ارتكب بعض هذه الأشياء تخفيفا للمئونة و اقتداء بالسّلف التّاركين للتكلّف و التّقيد بالرسوم المبتدعة لم يكن ذلك قادحا في المروة كما صرّح به بعض الأصحاب
و أما ما ورد الشّرع برجحانه كالاكتحال بالإثمد و الحناء فلا حرج فيه و إن كان منكرا في أكثر البلاد مستهجنا عند العامة و المصنف لم يذكر في مفهوم العدالة حيث عرفها في كتاب نهاية الوصول الاجتناب عن الإصرار على الصّغائر بل اعتبر فيها ترك الكبائر و بعض الصّغائر و هو ما يدل فعله على نقص في الدّين و عدم الرّفع عن الكذب و بعض المباحات و هو ما يقدح في المروة و اقتفى في ذلك أثر الرّاوي في المحصول و لعلّه أدخل الإصرار على الصّغائر في الكبائر فاكتفى بذكرها منها و لا يعتبر في العدالة الإتيان بالمندوبات إلا أن يبلغ تركها حدا يؤذن بقلة المبالاة بالدّين و الاهتمام بكمالات الشّرع كترك المندوبات أجمع قيل و لو اعتاد ترك صنف منها كالجماعة و النّوافل و نحو ذلك فكترك الجميع لاشتراكها في العلّة المقتضية لذلك نعم لو تركها أحيانا لم يضرّ و إذا زالت العدالة بارتكاب ما يقدح فيها فتعود بالتوبة لا أعلم في ذلك خلافا بين الأصحاب و كذلك من حدّ في معصية ثم تاب رجعت عدالته و قبلت شهادته
و نقل بعض الأصحاب إجماع الفرقة على ذلك و من العامة من اعتبر إصلاح العمل مدة فمنهم من اعتبر سنة و منهم من اعتبر ستّة أشهر و لعلّ الأشهر عند الأصحاب أنه لا يكفي في ذلك مجرد إظهار التّوبة إذ لا يؤمن أن يكون له في الإظهار غرضا فاسدا بل لا بد من الاختيار مدة يغلب معه الظّن بأنه أصلح سريرته و أنه صادق في توبته و من الأصحاب من اعتبر إصلاح العمل و أنه يكفي في ذلك عمل صالح و لو ذكر أو تسبيح و منهم من اكتفى في ذلك بتكرار إظهار التّوبة و النّدم و مجرّد استمراره على التّوبة و ذهب الشّيخ في موضع من المبسوط إلى الاكتفاء في قبول الشّهادة بإظهار التّوبة عقيب قول الحاكم له تب و أقبل شهادتك لصدق التّوبة المقتضي لعود العدالة
و فيه أن المقتضي لعود العدالة التّوبة المعتبرة شرعا لا مطلق إظهار التّوبة و يجيء على قول من اعتبر في مفهوم العدالة الملكة أن لا يكتفي التّوبة في عود العدالة بل يحتاج إلى عود الملكة و رسوخ الهيئة في النّفس لكنهم لم يذكروا ذلك بل صرّحوا بأن التّوبة كافية و الظّاهر أنه لا خلاف فيه كما ذكرنا
بقي في هذا المقام تحقيق أن المعتبر في إمام الجماعة و قبول الشّهادة هل هو الظّن الغالب بحصول العدالة المستند إلى البحث و التّفتيش أم يكفي في ذلك ظهور الإسلام و عدم ظهور الإسلام و عدم ظهور ما يقدح في العدالة المشهور بين المتأخرين الأول و جوز بعض الأصحاب التّعويل في العدالة على حسن الظّاهر و قال ابن الجنيد كل المسلمين على العدالة إلى أن يظهر خلافها
و ذهب الشّيخ في الخلاف و ابن الجنيد و المفيد في كتاب الإشراف إلى أنه يكفي في قبول الشّهادة ظاهر الإسلام مع عدم ظهور ما يقدح في العدالة و مال إليه في المبسوط و هو ظاهر الإستبصار بل ادّعى في الخلاف الإجماع و الأخبار و قال البحث عن عدالة الشّهود ما كان في أيام النّبي٦و لا أيام الصّحابة و لا أيام التّابعين و إنما هو شيء أحدثه شريك بن عبد اللّٰه القاضي و لو كان شرطا لما أجمع أهل الأمصار على تركه قال بعض الأصحاب بعد نقل القولين و نسبة القول الثّاني إلى الجماعة المذكورة و باقي المتقدمين لم يصرّحوا في عباراتهم بأحد الأمرين بل كلامهم محتمل لهما
و الظّاهر عدم القائل بالفصل في باب الإمامة و الشّهادة فما يدل على الحال في أحدهما يدل على الحال في أحدهما يدل على الحال في الآخر و التّرجيح للقول الأخير و هو أنه لا يعتبر في العمل بمقتضى العدالة البحث في التّفتيش بل يكفي الإسلام و حسن الظّاهر و عدم ظهور القادح في العدالة الأخبار كثيرة يستفاد ذلك من التحاق بعضها ببعض و إن لم يكن كل واحد منها بانفراده ناهضا بإثبات المدّعى
فمن ذلك ما رواه الكليني و الشّيخ عن حريز في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان و لم يعدل الآخران قال فقال إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزّور أجيزت شهادتهم جميعا و أقيم الحدّ على الّذي شهدوا عليه إنّما عليهم أن يشهدوا إنما أبصروا و علموا و على الوالي أن يجيز شهادتهم إلا أن يكونوا معروفين بالفسق و منها ما رواه الصّدوق عن عبيد اللّٰه بن المغيرة بإسناد ظاهر الصّحة قال قلت للرضا٧رجل طلق امرأته و شهد شاهدين ناصبيين قال كان من ولد على الفطرة و عرف بالصّلاح في نفسه جازت شهادته و ليس في إسناد هذا الخبر من يتوقف في شأنه إلا أحمد بن محمد بن يحيى الذي يروي الصّدوق عنه و هو غير موثق في كتب الرّجال
و الظّاهر أن ذلك غير قادح في صحة الرّواية لأن أحمد بن محمّد المذكور من مشايخ الإجازة و ليس بصاحب كتاب و النّقل من الكتب الّتي هو الواسطة في نقلها رعاية لاتصال الأسناد خصوصا أخبار الفقيه فإنها منقولة من الكتب المعتمدة كما صرح به مؤلفه و الكتب كانت معروفة في زمانهم فلا يضر ضعف مشايخ الإجازة و عن عبد اللّٰه بن المغيرة بالإسناد السّابق عن أبي الحسن الرّضا٧قال من ولد على الفطرة و عرف بصلاح في نفسه جازت شهادته
و روى الشّيخ هذين الخبرين بإسنادين ضعيفين و منها ما رواه الشّيخ في الموثق عن عبد اللّٰه بن أبي يعفور عن أخيه عبد الكريم عن أبي جعفر٧قال تقبل شهادة المرأة و النّسوة إذا كنّ مستورات من أهل