ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٥٢
الأذان في الصّلوات كلّها فإن تركته فلا تتركه في المغرب و الفجر فإنه ليس فيهما تقصير
و ما رواه ابن بابويه في الصّحيح عن زرارة عن أبي جعفر٧أنه قال إن أدنى ما يجزي من الأذان أن تفتح اللّيل بأذان و إقامة و تفتح النّهار بأذان و إقامة و يجزئك في سائر الصّلوات إقامة بغير أذان
و الجواب أن هذه الأخبار محمولة على تأكّد الاستحباب جمعا بينها و بين الأخبار الأولة و ينفى قول من أوجبهما في السّفر في الجماعة و في الصّبح و المغرب و الجمعة مضافا إلى ما سبق ذكره ما رواه الشيخ في الصّحيح عن محمّد بن مسلم و الفضيل بن يسار عن أحدهما٧قال يجزئك إقامة في السّفر و بإسناد فيه علي بن السندي عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه٧قال سمعته يقول يقصر الأذان في السّفر كما يقصر الصّلاة تجزي إقامة واحدة
و ما رواه ابن بابويه في الصّحيح عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّٰه عن الصّادق٧أنه يجزئ في السّفر إقامة بغير أذان و إذا عرفت هذا فاعلم أن الأقرب استحباب الأذان مطلقا و أمّا الإقامة ففيه إشكال لعدم التصريح بالترخيص فيها في شيء من الأخبار بل وقع الأمر به في أخبار كثيرة و في كثير من الأخبار السّابقة ظهور ما في وجوبها ذكر الشيخ أخبارا ثلاثة دالة على أن الإقامة من الصّلاة لكن في طريق الكلّ صالح بن عقبة و هو ضعيف جدّا و الترجيح لاستحبابها للأصل بناء على أنه خارج عن حقيقة الصّلاة للاتفاق و لما دلّ على أن أول الصّلاة التكبير فلا يتوقف تحصيل اليقين بالبراءة من التكليف بالصّلاة عليه و لعدم القائل بالفضل كما نقله المصنف في المختلف و لإشعار خبر زرارة و حماد بالاستحباب و عدم وضوح دلالة الأوامر و الأخبار السّابقة على أكثر من التأكيد في الرجحان المطلق و الاحتياط أن لا يترك بحال
أداء و قضاء و إن كان استحبابهما في الأداء آكد للمنفرد و الجامع إشارة إلى ردّ القائلين بوجوبهما في الجماعة
للرّجل و المرأة إذا لم تسمع الرّجال الأجانب فلو أجهرت بحيث لا يصل إلى هذا الحدّ لم يكن به بأس و قد أجمع الأصحاب على مشروعية الأذان للنساء و يدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن المرأة تؤذن للصّلاة فقال حسن إن فعلت و إن لم تفعل أجزأها أن يكبر و أن تشهد أن لا إله إلّا اللّٰه و أن محمّدا رسول اللّٰه٦و لا يتأكد في حقهن لما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل بن دراج قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن المرأة عليها أذان و إقامة فقال لا و يجزي لهن الاكتفاء بالشّهادتين لما رواه الشّيخ في الصّحيح عن زرارة قال قلت لأبي جعفر٧النساء عليهن أذان فقال إذا شهدت الشّهادتين فحسبها و تقييد المصنف بعدم استماع الرّجل مبنيّ على تحريم ذلك و كون صوتها بالنّسبة إلى الرّجال عورة و فيه خفاء فإن سمعوا مع علمها حرم و لم تعتد به للنهي المفسد للعبادة بناء على المقدّمة المذكورة
قال في الذكرى ظاهر المبسوط الاعتداد به لأنه لا مانع منه مع أنه نهى أن يرفعن أصواتهن بحيث يسمعن الرّجال فإن أراد به مع الإسرار فبعيد الاجتزاء بما لم يسمع لأن المقصود بالأذان الإبلاغ و عليه دل قوله٧ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا و إن أراد مع الجهر فأبعد للنهي عن سماع صوته الأجنبيّة إلا أن يقال ما كان من قبيل الأذكار و تلاوة القرآن مستثنى كما استثني الاستفتاء من الرّجال و تعلّمهن منهم و المحاورات الضروريّة ثم قال و لعلّ الشيخ يجعل سماع الرّجل صوت المرأة في الأذان كسماعها صوته فيه فإن صوت كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر عورة انتهى
و التحقيق أنه إن قلنا بتحريم الإسماع اتجه عدم الاعتداد و إن قلنا بجوازه إما مطلقا أو في الصّورة المذكورة كان في الاعتداد إشكال لتوقف الأمور الشّرعية على التوقيف و لم يثبت الظاهر أنه لا خلاف في أنّه يجوز أن تؤذن للنساء و يعتددن به قال في المنتهى و هو مذهب علمائنا و في المعتبر و عليه علمائنا لما روي من جواز إمامتها لهن و إذا جاز أن تؤمهنّ جاز أن تؤذن لهن لأن منصب الإمامة أتم قالوا و لو أذن للمحارم فكالأذان للنساء في الاعتداد لجواز الاستماع و لم أطلع على نقل إجماع فيه و لو لم يكن إجماعيّا كان للتأمّل فيه مجال
قال في الذّكرى و في حكم المرأة الخنثى فتؤذن للمحارم من الرجال و النساء و لأجانب النساء و لا لأجانب الرّجال و يتأكدان في الجهريّة و هي العشاءان و الصّبح مستنده غير واضح و أسنده في المعتبر إلى الشيخ و وجهه بأن في إيجاب الجهر دلالة على اعتناء الشّارع بالتنبيه عليها و في الأذان زيادة تنبيه فيتأكد فيها و تبعه المصنف و غيره و هو تعليل ضعيف خصوصا الغداة و المغرب و قد مرّ ما يصلح للدلالة عليه
و يسقط أذان العصر
يوم الجمعة اختلف الأصحاب في أذان العصر يوم الجمعة فأطلق الشيخ في المبسوط سقوطه و تبعه جماعة من الأصحاب و هو ظاهر اختيار المفيد على ما نقله الشيخ و قال في النهاية أنه غير جائز و قال ابن إدريس أنه يسقط عمن صلّى الجمعة دون من صلّى الظهر و نقل ذلك عن ابن البراج في الكامل
و نقل عن المفيد في المقنعة و الأركان الأمر بالأذان لصلاة العصر و العبارة المنقولة عن ابن البراج دالة على السقوط لمن يصلّي الجمعة في صورة الجمع و لا يفهم منه حكم التفريق و ذهب بعض المتأخرين إلى استحباب الأذان للعصر إلا في صورة الجمع و نقل عن المفيد في المقنعة أنه قال بعد أن أورد تعقيب الأولى ثم قم فأذن للعصر و أقم الصّلاة
احتج الشيخ في التهذيب على ما حكاه من كلام المقنعة المتضمن للسّقوط بما رواه في الصحيح عن ابن أذينة و عن رهط منهم الفضيل و زرارة عن أبي جعفر٧أن رسول اللّٰه٦جمع بين الظهر و العصر بأذان و إقامتين و جمع بين المغرب و العشاء بأذان واحد و إقامتين و عن حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه٧قال الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة
و يرد عليه أن مقتضى الرّواية الأولى سقوط الأذان الثّاني عند الجمع مطلقا و هو غير المدّعى و الرّواية الثّانية مع قصور أسنادها غير واضحة الدلالة على المدّعى لما فيها من الإجمال الواضح و قد حملها المصنف و غيره على أن المراد بالأذان الثالث الأذان الثّاني للجمعة لأن النبي٦شرع للصّلاة أذانا و إقامة فالزيادة ثالث بالنسبة إليهما
احتج ابن إدريس بأن الإجماع منعقد على استحباب الأذان لكلّ صلاة من الخمس خرج عنه المجمع عليه فيبقى الباقي على العموم و اعترض عليه بمنع الإجماع على السقوط مع صلاة الجمعة لتصريح بعض الأصحاب بالاستحباب مطلقا
و التحقيق أنه إن لم يتحقق الإجماع الّذي نقله كما هو الظاهر كان القول بالاستحباب متجها إلا في صورة الجمع للأدلة الدّالة على شرعية الأذان و استحبابها خرج عنه ما خرج بالدّليل فيبقى غيره داخلا في العمومات السّالمة عن المعارض و لو جمع المسافر أو الحاضر بين الفرضين كان له ترك الأذان الثانية و هو المشهور بين الأصحاب ذكره الشّيخ و جماعة منهم و نقله الشهيد عن ابن أبي عقيل أيضا
و يدل عليه الرّواية المتقدمة و يؤيّده ما رواه الشيخ عن صفوان الجمّال قال صلّى بنا أبو عبد اللّٰه٧الظهر و العصر عند ما زالت الشمس بأذان و إقامتين ثم قال إني على حاجة فتنفلوا و ذكر الشهيد في الذكرى و الشارح الفاضل أن الجمع إن كان في وقت فضيلة الأولى أذن لها و أقام ثم أقام للثّانية من غير أذان و إن كان في وقت فضيلة الثانية أذّن لها ثم أقام للأولى و صلّاها ثم أقام للثانية
و ليس في الرّوايات هذا التفصيل بل المستفاد منها سقوط الأذان للثانية مطلقا و هو ظاهر الشيخ و المصنف في كتبه و ذكر في الذكرى أن الساقط مع الجمع الغير المستحب أذان الإعلام و يبقى أذان الذكر و الإعظام و هو غير واضح و هل سقوط الأذان هاهنا على سبيل الرّخصة أو الكراهة أو التحريم فقيل بالتحريم في الجمعة
و في العصر عرفة و عشاء مزدلفة قاله المصنف و الشهيد في البيان و قال الشارح الفاضل القائل بالتحريم في غير الصور الثّلاثة و قيل بالكراهة في مواضع استحباب الجمع دون غيرها و قيل بالترخيص و لا يبعد أن يقال إنه يكره في موضع يستحب الجمع بالمعنى المستعمل في العبادات بمعنى أن الإتيان به أقل ثوابا من الإتيان بالصّلاة من غير تفريق
و أما في غير مواضع استحباب الجمع فتركه مرخص فيه بمعنى عدم التأكيد في استحبابه كما في غيره إلا أنه مكروه أو مباح و يدل عليه أن ما دل على شرعيّة الأذان من النصوص الدّال على شرعيته مطلقا و ما دل على السّقوط لا يقتضي مرجوحية فعله مطلقا لأن المستفاد منه أن النبي٦تركه و جمع بين الصّلاتين و يجوز أن يكون ذلك ففي موضع استحباب الجمع لغرض حصول الجمع أو يكون ذلك لعلّة و هو لا ينافي الاستحباب
و قد يستدل على التحريم بأنه لم ينقل ذلك عن فعل النبي٦و الأئمّة : و لم يفعل في عهده فتكون بدعة و بالروايتين المذكورتين و فيه نظر لأن عدم النقل ليس دليل العدم و عدم فعله في عهدهم : ممنوع و مجرّد عدم النقل لا يستلزم كونه بدعة إذا دلت الظواهر و العمومات على شرعيته و أما الرّوايتان فقد عرفت الحال فيهما و أما في الصورتين الآتيتين فالظاهر التحريم كما سنبيّن فإن قلت لم يظهر القائل بالفصل بين المواضع الثلاثة قلت تفصيل هذه المسألة غير مذكور في كلام القدماء بل هو مستحدث بين المتأخرين فلا قدح في عدم ثبوت الموافق
بقي الكلام في تحقيق معنى الجمع و لم أطلع على تصريح بذلك في كلام الأصحاب سوى ابن إدريس فإنه قال في السّرائر بعد أن ذكر استحباب الجمع في المواضع الثلاثة و حدّ الجمع أن لا يصلّى بينهما نافلة و أمّا التسبيح و الأدعية فمستحب ذلك و ليس بجمع
و يستفاد ذلك من كلام الشهيد في