ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢١٩
ما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار أنه سأل عن الرّجل يقوم في الصّلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يمينا و شمالا فقال قد مضت صلاته و ما بين المشرق و المغرب قبلة و نزلت هذه الآية في قبلة المتحير وَ لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ و إنما جعلنا ذلك من المؤيدات لاحتمال أن يكون قوله و نزلت هذه الآية من كلام ابن بابويه لكنه خلاف الظاهر كما يفهم من سياق كلامه
و يدل عليه أيضا ما رواه الكليني في الصحيح عن ابن أبي عمير قال سألت أبا جعفر٧من قبلة المتحير فقال يصلي حيث يشاء قال الكليني بعد نقل هذا الخبر و روي أيضا أنه يصلّي إلى أربع جوانب و يؤيده ما في رواية داود بن الحصين المنقولة عن بعض أصحابنا عن زرارة عند شرح قول المصنف قيل و إلى غير القبلة احتج الشيخ و من تبعه برواية خداش المذكورة في المسألة السابقة و الرواية غير نقي السند و مدلولها نفي الاجتهاد بالكلية و هو متروك معارض بما دلّ على ثبوت الاجتهاد في الجملة فإذن لا تعويل على هذه الرواية
و استدل في المعتبر على هذا القول بأن الاستقبال بالصّلاة واجب ما أمكن و لا يتحقق الاستقبال إلا بذلك و الجواب منع الصغرى مستندا بالروايات المذكورة و نقل عن السيّد رضي الدّين بن طاوس استعمال القرعة في الصورة المذكورة و على القول المشهور يعتبر في الجهات الأربع كونها على خطين مستقيمين وقع أحدهما على الآخر بحيث يحدث منهما زوايا قائمة لأنها المتبادر من النص و قيل بالاجتزاء بالأربع حيث اتفق و هو بعيد
و اشترط الشهيد في البيان التباعد بينهما بحيث لا يكون بين كل واحدة و بين الأخرى ما يعده قبلة واحدة لقلة الانحراف و مع العذر يصلي إلى أي جهة شاء المشهور بينهم أن مع العذر يصلي من الجهات ما احتمله الوقت و إن ضاق إلا عن صلاة واحدة صلى إلى أي جهة شاء لأن التقدير تساوي الاحتمالات فيسقط الترجيح قال المحقق في المعتبر و كذا لو منعت ضرورة عن عدو أو سبع أو مرض
و الأعمى يقلد و كذا العامي الذي لا يتمكن عن الاجتهاد إما مطلقا أو لضيق الوقت هذا هو المشهور بين المتأخرين و به صرّح ابن الجنيد على ما نقل عنه و الشيخ في المبسوط جوز تقليد العدل العارف و كلامه في الخلاف يعطي عدم جواز التقليد للأعمى و غيره و وجوب الصلاة إلى الأربع مع السعة و التخيير مع الضيق و الأقرب الأوّل لأنه أحد الأمارات المفيدة للظن فيجوز التّعويل عليه عند عدم الأمارة أقوى منه لما مر من الأدلة
احتج الشيخ بأن الأعمى و من لا يعرف أمارة القبلة إذا صلينا إلى أربع جهات برئت ذمتهما بالإجماع و ليس على براءة ذمتهما إذا صلّيا على واحدة دليل و استدل على التخيير عند الضرورة بأن وجوب القبول عن الغير لم يقم عليه دليل و الصّلاة على الجهات الأربع منفي يكون الحال حال ضرورة فثبت التخيير و جوابه معلوم ممن حققنا و جوز الشيخ في المبسوط جواز التقليد الصبي و المرأة
و قال المصنف في المختلف و الوجه عندي اشتراط العدالة و منع الشيخ من قبول الفاسق و الكافر و اختار جماعة جواز الرجوع إليهم عند الوثوق و حصول الظن و هو أقرب للوجه الذي أشرنا إليه و المراد بالتقليد هنا قبول قول الغير سواء استند إلى الاجتهاد أو اليقين و يقدم العدل العارف بأدلة القبلة و أماراتها فإن تعذر فغيره و الكل مشترط بإفادة الظن
و الظاهر وجوب الرّجوع إلى أقوى الظنين فيدور الأمر معه فلو وجد المكفوف محرابا فهو أولى و كذا تقليد المخبر عن علم أولى من تقديم المخبر عن ظن
و كذا الكلام في صورة الاختلاف في العدالة و العلم و الضبط و العدد و غيرها من الأمارات و هل يجوز للعامي المتمكن من معرفة الأدلة التقليد في سعة الوقت المشهور بين المتأخرين عدم الجواز و احتمل في الذكرى الجواز و ظاهر الشيخ في المبسوط جواز تقليد العدل العارف و هو غير بعيد لما ظهر من أدلة كمال المسامحة في رعاية القبلة و لو استغنى في البلد عن اعتبار العلامات فهل يجب عليه التعلم يبنى على أن تعلم علامات القبلة هل يجب عينا أو كفاية و كان الأكثر على الأول و ما له في الذكرى إلى وجوب التعلم عينا عند عروض الحاجة كإرادة السفر مثلا
و يعول على قبلة البلد مع عدم علم الخطإ إطلاق العبارة يشمل المحاريب المنصوبة في المساجد و الطرق و القبور قال المصنف في التذكرة يجوز التعويل على المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين و لا يجب عليه الاجتهاد في طلب القبلة و قال في الذكرى لو كانت قرية صغيرة و نشأ فيها قرون من المسلمين لم يجتهد في قبلتها و إطلاق كلامهم يقتضي عدم الفرق بين ما يفيد العلم و الظن
لكن المستفاد من حكمهم بوجوب تقديم العلم على الظن عدم جواز التعويل عليها للمتمكن من العلم إلا إذا أفادت اليقين و لعل الأمر كذلك و علل الحكم المذكور في الذكرى و غيره بأن الخطأ في الجهة مع استمرار الخلق الكثير و اتفاقهم ممتنع و هذا التعويل يختص بالمساجد القديمة التي يكون محضرا للمسلمين و مجمعا لهم لا للمساجد المستحدثة التي يقل وقوع المسلمين إليها
و صرح جماعة منهم بعدم جواز التعويل على المحاريب المنصوبة في الطرق النادرة مرور المسلمين عليها و نحو القبر للمسلمين في الموضع المنقطع و الذي حكم به الأصحاب عدم جواز الاختيار في الجهة في محاريب المسلمين إما في التيامن أو التياسر فالأظهر الجواز لعموم الأمر بالتحري و ربما يمنع ذلك لأن احتمال إصابة الخلق الكثير أقرب من احتمال إصابة الواحد
و فيه أنه يجوز تركهم الاجتهاد لعدم وجوبه فهذا التعليل إنما يتم لو ثبت وجوب الاجتهاد عليهم و وقوعه عنهم و منع ذلك ظاهر قال في الذكرى و قد وقع في زماننا و اجتهاد بعض علماء الهيئة في قبلة مسجد دمشق و أن فيه تياسر عن القبلة مع تواطؤ الأعصار الماضية على عدم ذلك
و نقل عن عبد اللّٰه بن المبارك أنه أمر أهل مرو بالتياسر بعد رجوعه من الحج ثم المراد بالبلد في كلام المصنف بلد المسلمين فلو وجد محراب في بلد لا يعلم أهله أو في بلد مشترك بين المسلمين و الكفار لم يجز التعويل عليه
و المضطر على الراحلة يستقبل القبلة في جميع صلاته إن تمكن و إلا فبالتكبير و إلا سقط ظاهر عبارة المصنف أنه إذا لم يتمكن من الاستقبال في جميع الصّلاة اكتفى بالاستقبال في التكبير فقط لكن المصنف في غير هذا الكتاب و المحقق و المتأخرون عنهما صرحوا بأنه يستقبل القبلة بحسب المكنة في أفعال الصّلاة لقوله تعالى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ و فيه خفاء لأن المستفاد من الآية بمعونة بعض الأخبار وجوب الاستقبال في كل الصّلاة لا في كل جزء جزء فإذا تعذر المكلف به فإثبات شيء آخر بدله يحتاج إلى دليل خاص و هذا بناء على أن التكليف بالكل ليس تكليفا بالأجزاء أصالة
و يمكن الاستدلال عليه بقوله٧لا صلاة إلا إلى القبلة فإنه من حيث المعنى يرجع إلى قولنا كل صلاة لم يستقبل فيها بتمامها إلى القبلة لم يصح خرج عنه بعض الصور التي دل الدليل على صحته فيبقى غيره داخلا في عموم الحكم
و يؤيده قوله٧إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم لكن لا يخفى أن الشيخ قد روى بإسنادين أحدهما من الصحاح عن زرارة قال قال أبو جعفر٧الذي يخاف اللصوص و السبع يصلي صلاة المرافقة إيماء على دابته و ساق الكلام إلى أن قال و لا يدور إلى القبلة و لكن أينما دارت دابته غير أنه يستقبل القبلة بأول تكبيرة حين يتوجّه
و روى الكليني بإسناد صحيح عن زرارة بعض الخبر المذكور و من جملتها قوله و لا يدور إلى القبلة إلى آخر ما نقلنا و المستفاد من هذا الخبر عدم وجوب الاستقبال في غير تكبيرة الإحرام
و يؤيده في الجملة ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة و فضيل و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر٧قال في صلاة الخوف عند المطاردة و المناوشة و تلاحم القتال فإنه يصلي كل إنسان منهم بالإيماء حيث كان وجهه و في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه و المطاردة إيماء يصلي كل رجل على حباله فالحكم المذكور محل إشكال و لو تعذر عليه الاستقبال قيل يجب عليه تحري الأقرب إلى جهة القبلة فالأقرب قيل و كان وجهه أن للقرب أثرا عند الشارع و لهذا افترقت الجهات في الاستدراك لو ظهر خفاء الاجتهاد و هو ضعيف و قيل بالعدم للخروج عن القبلة فيتساوى الجهات