ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٨٠
تضمنت رواية المفضل لتسميتهما سورتين و نحن فقد بينا أن الجمع بين السورتين في الفريضة مكروه فتستثنيان من الكراهة انتهى كلامه و هو حسن و روى الشيخ في الصّحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن زيد الشحام قال صلّى أبو عبد اللّٰه٧فقرأ في الأولى و الضحى و في الثّانية أ لم نشرح و حملها الشيخ على النافلة و هو غير بعيد و في الصحيح عن زيد الشحام قال صلى بنا أبو عبد اللّٰه فقرأ بنا بالضحى و أ لم نشرح و حملها الشيخ على أن المراد أنه قرأهما في ركعة لكن ذلك خلاف المتبادر كما لا يخفى
و يجب البسملة بينهما نفاه الشيخ في التبيان قضاء لحق الوحدة و لأن الشّاهد على الوحدة اتصال المعنى و البسملة ينفيه و مع ذلك ابن إدريس استند إلى تواتر البسملة بينهما و كتابتها في المصحف مع مبالغة السّلف في تجريده عن الزوائد و لا ينافي ذلك الوحدة كما في سورة النمل قال المحقق في المعتبر إن كانتا سورتين فلا بدّ من مراعاة البسملة و إن كانتا سورة واحدة فلا إعادة للاتفاق على أنها ليست آيتين من سورة واحدة
و يجوز
العدول عن سورة إلى غيرها ما لم يتجاوز النصف إلا في التوحيد و الجحد و لا يعدل عنهما إلا إلى الجمعة و المنافقين تنقيح هذا المقام إنما يتم برسم مسائل الأولى المشهور جواز العدول من سورة إلى أخرى في غير التّوحيد و الجحد ما لم يتجاوز النّصف ذكره الشيخ و الفاضلان و غيرهم و اعتبر ابن إدريس و الشهيد في الذكرى و الدروس عدم بلوغ النّصف و أسنده في الذكرى إلى الأكثر و نسبه المدقق الشيخ علي إلى المصنف في النهاية لكن وجدت كلام المصنف في النهاية موافقا للأول و التحديد بمجاوزة النصف أو بلوغه غير موجود في النصوص كما اعترف جماعة من الأصحاب بل الرّوايات مطلقة بجواز العدول
منها ما رواه الشيخ و الكليني في الصّحيح عن عمرو بن أبي نصر قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧رجل يقوم في الصّلاة و يريد أن يقرأ سورة فيقرأ قل هو اللّٰه أحد و قل يا أيّها الكافرون فقال يرجع من كل سورة إلا قل هو اللّٰه أحد و قل يا أيّها الكافرون و ما رواه الشيخ عن الحلبي قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧رجل قرأ في الغداة سورة قل هو اللّٰه أحد قال لا بأس و من افتتح بسورة ثم بدا له أن يرجع في سورة غيرها فلا بأس إلا قل هو اللّٰه أحد و لا يرجع منها إلى غيرها و كذلك قل يا أيّها الكافرون و هذه الرّواية جعلها جماعة من الأصحاب منهم المصنف في المنتهى من الصحاح و للتوقف فيه مجال لأن في طريقه أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن مسكان و الحال أن أحمد و من كان في طبقته بل من كان فوقها لا يروون عن ابن مسكان إلا بالواسطة و كثيرا ما يكون الواسطة محمد بن سنان و ملاحظة هذه المقدّمة مضافا إلى ما علم من طريقة الشيخ من إسقاط بعض الوسائط في أثناء الأسانيد أحيانا يوجب الشك في اتصال أسناد هذا الخبر فلا يبقى الوثوق بصحته
و أما ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن بكير عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه٧في الرّجل يريد أن يقرأ السورة فيقرأ غيرها فقال له أن يرجع ما بينه و بين أن يقرأ ثلثيها فدال على التحديد بالثلثين و هو غير المدعى و حمله على الشروع في الثلث الثاني كما ارتكبه بعض الأصحاب فمع كونه تكلفا بعيدا يعارض مفهومه مذهب الجماعة إلا بتأويل بأن يقال العدول بعد الشروع في الثلث الثاني مكروه
و قد يقال موارد هذا الخبر من أراد أن يقرأ السورة فقرأ غيرها و حق هذا أن يجب عليه الرّجوع ما لم يركع لأن ما أتى به لا يعد قراءة الصّلاة إلا أن يحمل على من قصد سورة ثم ذهل فقصد أخرى و فيه كلام سيجيء عن قريب و أما ما رواه الشيخ في الصّحيح عن الحلبي و الكناني و أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه في الرّجل يقرأ في المكتوبة بنصف السّورة ثم ينسى فيأخذ في أخرى حتى يفرغ منها ثم يذكر قبل أن يركع قال يركع و لا يضره فلا دلالة فيها على شيء من التحديدين أصلا إذ ليس في كلامهم٧تحديد أصلا و المستفاد من كلامهم مجرد صحة الصّلاة عند العدول بعد النّصف في صورة النسيان و لا يفهم منه غير ذلك و ربما يقدح في دلالتها بعدم حجية مفهوم اللّقب و هو ضعيف إذ مفهومها يرجع عند التحصيل إلى مفهوم الغاية كما لا يخفى على المتأمّل
و بالجملة لا دلالة في النصوص على شيء من التحديدين نعم إن ثبت إجماع على عدم جواز العدول بعد تجاوز النصف يثبت ذلك و ينضم إليه جواز العدول قيل ذلك بمقتضى عموم الأخبار فيثبت قول الشيخين و من تبعهما لكن الظاهر عدم ثبوت إجماع عليه و وجهه المصنف في النهاية بالبناء على تحريم القران قال و لا يجوز القران بين سورتين فكذا بين السّورة و معظم الأخرى و أنت خبير بما فيه
و استدل الشارح الفاضل وفاقا للمدقق الشيخ علي على التحديد الثّاني بقوله تعالى وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ فإن الانتقال من سورة إلى أخرى إبطال للعمل خرج ما قبل النّصف بالإجماع فبقي غيره داخلا في عموم المنع و فيه نظر لأنا لا نسلّم أن الانتقال المذكور إبطال للعمل إذ يجوز أن يكون المراد بإبطال العمل تضييع العمل و إخراجه عن الانتفاع بالكلية و إثبات أن استعماله في هذا المعنى على خلاف الحقيقة مشكل على أنه لو سلّم كونه معنى مجازيا فإنه أقرب من ارتكاب التخصيص البعيد اللّازم للمعنى الذي حملوه عليه و على هذا لا يتم الاحتجاج بالآية إلا إذا ثبت أن الانتقال من السورة يوجب ارتفاع ثوابها بالكلية و هو غير ظاهر بل الظّاهر خلافه و هذا المعنى يناسب ما قال بعض المفسّرين من أن المراد إبطال الأعمال بالكفر و النفاق و ما نقل عن بعضهم أن المراد إبطاله بالرياء و السّمعة
و عن بعضهم أن المراد إبطاله بالمعاصي و الكبائر و هذه الوجوه الثلاثة مذكورة في مجمع البيان و في غيرها ما يقرب منها و لم ينقل المعنى الّذي استند إليه المستدل عن أحد من المفسرين في شيء من التفاسير المشهورة فالاستناد إليه مشكل هذا مع أن الاستدلال بالآية إنما يتم على القول بعدم تخصيص الآية بالأخبار الآحاد
و أما على القول بتخصيص الآية بها كما هو الظاهر من مذهب المستدل فالمصير في مقتضى النّصوص السابقة متعين لأنها خاصة بالنّسبة إلى الآية و حينئذ فإن ثبت إجماع على عدم جواز العدول بعد التجاوز عن النّصف كان الخبر متخصصا بقدره و إلا فلا و على التقديرين ينقدح التقدير ببلوغ النّصف الّذي رام المستدل إثباته الثّانية لا يجوز العدول عن سورة قل هو اللّٰه أحد و قل يا أيّها الكافرون إلى غيرها إلا ما استثني متى شرع فيهما عند الأكثر فالمرتضى و الشيخ و ابن إدريس و المصنف في عدة من كتبه و هو المبسوط المفيد و نقل المرتضى في الانتصار إجماع الفرقة عليه و ذهب المحقق في المعتبر إلى الكراهة و توقف فيه المصنف في المنتهى و التذكرة
و الأصل في هذه الرّوايتان السّابقتان أعني رواية عمرو بن أبي نصر و رواية الحلبي لكن دلالتهما على التحريم ليس بواضح احتج المحقق بقوله تعالى فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ و لا يبلغ الرّواية قوة في تخصيص القرآن و فيه كلام يعرف من تذكر المباحث السّابقة و التوقف في هذا المقام في موقعه إلا أن مقتضاه عدم العدول تحصيلا للبراءة اليقينية كما نبّهناك عليه مرارا الثالثة يجوز العدول عن التوحيد و الجحد إلى الجمعة و المنافقين في يوم الجمعة ما لم يتجاوز النّصف و لم يبلغه على المشهور بين الأصحاب و ربما يتوهم عدم الخلاف فيه
و قال المحقق في الشرائع في أحكام الجمعة و إذا سبق الإمام إلى قراءة سورة فليعدل إلى الجمعة و المنافقين ما لم يتجاوز نصف السّورة إلا في سورة الجحد و التّوحيد و هو ظاهر إطلاق كلام ابن الجنيد و قال السّيد المرتضى في الإنتصار و مما انفردت الإمامية خطر الرّجوع إلى سورة الإخلاص و روي قل يا أيّها الكافرون أيضا إذا ابتدأ بها ثم نقل الإجماع عليه و ظاهره عموم المنع و الأول أقرب لنا ما رواه الشيخ في الصّحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا افتتحت صلاتك بقل هو اللّٰه أحد و أنت تريد أن تقرأ غيرها فامض فيها و لا ترجع إلا أن تكون في يوم الجمعة فإنك ترجع إلى الجمعة و المنافقين منها
و مما يختص بسورة الجمعة ما رواه بإسنادين في الصّحيح عن محمّد بن مسلم عن أحدهما٧في الرّجل يريد أن يقرأ سورة الجمعة في الجمعة فقرأ قل هو اللّٰه أحد قال يرجع في سورة الجمعة و رواها الكليني في الصّحيح ثم قال و روي أيضا يتمها ركعتين ثم يستأنف و ما رواه الشيخ في الصّحيح عن عبد اللّٰه بن بكير عن عبيد بن زرارة قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل أراد أن يقرأ في سورة فأخذ في أخرى قال فليرجع إلى السورة الأولى إلا أن يقرأ بقل هو اللّٰه أحد قلت رجل صلّى الجمعة و أراد أن يقرأ سورة الجمعة فقرأ قل هو اللّٰه أحد قال يعود إلى سورة الجمعة
و اشترط المدقق الشيخ علي و الفاضل الشارح في جواز العدول عن السورتين أن يكون الشروع فيهما نسيانا استنادا إلى رواية محمد بن مسلم و فيه نظر لأن الرّواية غير واضحة الدّلالة على أن المصلّي شرع في التّوحيد سهوا لجواز أن يكون المراد أنه يريد قراءة الجمعة ثم بدا له سورة التّوحيد و على تقدير التسليم يجوز أن يكون التخصيص في كلام السّائل فلا يفيد نفي الحكم فيما عداه
و بالجملة رواية الحلبي عام و ما ذكر لا يوجب تخصيصا لها فالقول بالتعميم أظهر و لا يخفى أن المذكور في هذه الروايات سورة التّوحيد و ألحق به الأصحاب سورة الجحد و هو مشكل لفقد النص الموجب لتخصيص الرّوايتين الدالتين على النّهي عن العدول عنها كما سبق و ربما يتمسّك في ذلك بعدم القائل بالفصل و إثباته لا يخلو عن إشكال ثم اعتبار النصف في جواز العدول من السّورتين في يوم الجمعة مصرّح به في كلام كثير من الأصحاب منهم ابن بابويه و ابن إدريس و المصنف في النهاية و الشارح الفاضل و غيرهم و أكثر عبارات الأصحاب مجمل من غير تصريح فيه بذلك و إثباته بالدّليل مشكل لأن النصوص السّابقة كما عرفت خالية عن هذا التفصيل