ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٦٦
صرّحوا بانسحاب حكم الإبطال في الذّكر المستحب أيضا و تنظر فيه المدقق الشيخ علي فقال من نودي بالذّكر المندوب الصّلاة و غير الصّلاة معا كان قصد إفهام الغير بتكبير الركوع أو زجره لا يبطل به الصّلاة إذ لا يخرج بذلك عن كونه ذكر اللّٰه و لا يصير من كلام الآدميين و كلام الاعتداد به في الصّلاة حينئذ لو تحقق لم يقدح في الصّحة لعدم توقف صحة الصّلاة عليه قال إذا قصد الإفهام مجرّدا عن كونه ذكرا فإنه يبطل حينئذ
و في كلام الأخير نظر و الظّاهر في المسألة أن القرآن و الذكر و الدّعاء لو قصد به غير الصّلاة لم تبطل الصّلاة لعموم ما دلّ على جوازهما في الصّلاة من غير دليل على التخصيص و أما غير ما ذكر فالحكم بالبطلان قوة لتوقف الامتثال عليه كما أشرنا إليه لكن لا يثبت بهذا المسلك وجوب القضاء فتدبّر
الخامس ذكر المصنف و غيره أن من قصد بالصّلاة أو ببعض أجزائها الرّياء يبطل صلاته و صرّح المصنف بانسحاب الحكم في الذكر المندوب أيضا و الكلام في هذه المسألة كما في المسألة السّابقة غير أن ما دل على جواز القرآن و الذكر في الصّلاة مخصوص هاهنا لتحريم العبادة التي قصد به الرياء فلعموم الحكم بالبطلان هاهنا وجه أقوى أشرنا إليه
و المدقق الشيخ علي فرق في الذّكر المندوب بين قصد الرياء و غيره فحكم بالبطلان في صورة قصد الرّياء لكونه منهيا عنه فيخرج عن كونه ذكرا قطعا فيبطل به الصّلاة و في هذا التعليل نظر لأن التحريم لا يستلزم خروجه عن كونه ذكرا كما لا يخفى
السّادس ذكر المصنف و غيره أن قصد الرياء أو الوجوب أو غير الصّلاة في الزائد على القدر الواجب من هيئة الصّلاة كالطمأنينة لا يوجب الإبطال إلا مع الكثرة و الحكم بالبطلان في صورة الكثرة مبنيّ على ما سيجيء من أن الفعل الكثير موجب للبطلان و أن الكثرة متحققة بمثل هذا الفعل و سيجيء تحقيقه في محلّه و قد يقال إنه مبني على أن الأكوان غير باقية و أن الباقي محتاج إلى المؤثر فعلى القول ببقاء الأكوان و استغناء الباقي لا يتحقق الكثرة بزيادة الطمأنينة إذ هي بعد حدوثها باقية مستغنية عن المؤثر إذ لا يعقل وجود الكثرة إذا لم يصدر من الفاعل شيء ضعفه ظاهر
الثالث
من واجبات الصّلاة تكبيرة الإحرام سمّيت بذلك لأن بها يحرم ما كان محللا قبلها على المكلف كالكلام و سميت تكبيرة الافتتاح لأن بها يحصل الدّخول في الصّلاة و هي ركن في الصّلاة تبطل الصّلاة بتركها عمدا و سهوا و الظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأصحاب و نقل عليه إجماع المسلمين إلا الشاذ منهم جماعة من الأصحاب و يدل عليه مضافا إلى الاتفاق و كون الجزئية مقتضية لذلك و توقف الامتثال عليه أخبار كثيرة
منها ما رواه الشيخ في الصّحيح عن زرارة قال سألت أبا جعفر٧عن الرّجل ينسى تكبيرة الإحرام قال يعيد و في الصّحيح عن محمد و هو ابن مسلم عن أحدهما٧في الذي يذكر أنه لم يكبر في أوّل صلاته فقال إذا استيقن أنه لم يكبر فليعد و لكن كيف يستيقن
و في الصحيح عن ذريح بن محمّد المحاربي عن أبي عبد اللّٰه٧قال سألته عن الرّجل ينسى أن يكبر حتى قرأ قال يكبر و عن ذريح بإسناد آخر صحيح ما يقرب منه و في الصّحيح عن علي بن يقطين قال سألت أبا الحسن٧عن الرجل ينسى أن يفتتح الصّلاة حتى يركع قال يعيد الصّلاة و في الصّحيح عن الفضل بن عبد الملك و ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه قال في الرّجل يصلّي فلم يفتتح بالتكبير هل يجزيه تكبيرة الركوع قال لا بل يعيد صلاته إذا حفظ أنه لم يكبر
و رواه الكليني بأدنى تفاوت في المتن و في الصّحيح عن ابن بكير عن عبيد بن زرارة قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل أقام الصّلاة فنسي أن يكبر حتى يفتتح الصّلاة قال يعيد فإن قلت قد روى الشيخ و ابن بابويه في الصّحيح عن عبيد اللّٰه بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّٰه٧قال سألته عن رجل نسي أن يكبر حتى دخل في الصّلاة فقال أ ليس كان من نيته أن يكبر قال نعم قال فليمض في صلاته
و في الصّحيح عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا٧قال قلت له الرّجل نسي أن يكبر تكبيرة الافتتاح حتى كبر للركوع فقال أجزأه و روى الشيخ في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر٧قال قلت له رجل ينسى أول تكبيرة الافتتاح فقال إن ذكرها قبل الرّكوع كبّر ثم قرأ ثم ركع و إن ذكرها في الصّلاة كبّرها في قيامه في موضع التكبيرة قبل القراءة و بعد القراءة قلت فإن ذكرها بعد الصّلاة قال فليقضها و لا شيء عليه
و رواه الصدوق أيضا في الفقيه في الصّحيح عن زرارة في المتن مخالفة في مواضع منها أن فيه كبرها في مقامه في موضع التكبير و هو أنسب و روى الشيخ في الصحيح عن سماعة بن مهران عن أبي بصير قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل قام في الصّلاة و نسي أن يكبر فبدأ بالقراءة فقال إن ذكرها و هو قائم قبل أن يركع فليكبر و إن ركع فليمض في صلاته فما وجه الجمع بين هذه الأخبار و الأخبار الأولة
قلت أمّا الخبر الأول فالظاهر من السؤال عما كان في نية المصلّي فرض المسألة في حكم الشّك و التعبير بالنسيان مبني على المسامحة في التأدية فإن نسيان الفعل كما يطلق على تركه ناسيا قد يطلق على ذهابه عن الذّهن بعد حضوره فيه و العلم به و أمّا الخبر الثاني فقد حمله الشيخ على الشّك أيضا و لا يخلو عن بعد بالنسبة إلى السّابق و قد يقال لو حمل على إرادة التكبير المستحب نظرا إلى عدم الوثوق بصحة إثبات الماء مع لفظ التكبير لقلة الضّبط في أمثاله كما يعرفه الممارس و لتركها في حديث أول الباب مع مناسبتهما لم يكن بعيدا من الصواب و هو حسن و قد يحمل على المأموم إذا نسي أن يكبر للافتتاح و الركوع فإنه يجزئه و هو تأويل بعيد جدّا
و أمّا الرّواية الثالثة فقد حملها الشيخ في الإستبصار على الشّك أيضا و هو بعيد عن سياقها جدّا و ذكر في التهذيب أن ضمير فليقضها عائد إلى الصّلاة لا إلى التكبير و أن قوله و لا شيء عليه يؤيد به نفي العقاب لأنه لم يتعمّد تركها قال بعض الأصحاب و هذا الذي ذكره هو أقصى ما يقال في تأويل الحديث و ينبغي أن يضاف إليه حمل قوله و بعد القراءة على إرادة ما كان قد مر المصلّي قبل ذكر التكبير و حاصله أنه يستأنف الصّلاة حين ذكر نسيان التكبير قال و لو شكّ في استقامة هذا الحمل لم يكن إلا اطراح الخبر فإنه لا يقام و ما ورد بالإعادة انتهى و هو جيّد
و أما الرواية الرابعة فحملها الشيخ على الشك و يمكن حملها على نسيان التكبير المستحب أيضا و فيه بعد و يمكن حمل هذه الأخبار جميعا على التقية لموافقتها لمذهب بعض العامة
و بالجملة ارتكاب التأويل في هذه الأخبار معين لكثرة الأخبار الأولة و اعتضادها بعمل الأصحاب و اتفاقهم و تأييدها بالأخبار الدّالة على اعتبارها في حقيقة الصّلاة
و صورتها اللّٰه أكبر يجب مراعاتها و هو المشهور بين الأصحاب و نقل ابن زهرة الاتفاق عليه و خالف في ذلك جماعة من العامة حتى جوز أبو حنيفة أن يقال اللّٰه العظيم اللّٰه الجليل و أن يأتي بالترجمة و أن يقال لا إله إلّا اللّٰه و سبحان اللّٰه إلى غير ذلك و قال الشافعي و جماعة منهم ينعقد قوله اللّٰه أكبر معرفا و إليه ذهب ابن الجنيد و المعتمد الأول لأن العبادات توقيفية يجب تلقيها من الشّارع فمتى لم يكن معهودا منه لم يحصل به الامتثال و المعهود في التكبير الصورة المذكورة فلا يحصل الامتثال بدونه و ما دل على إجزاء التكبير لا ينافي ذلك لأن المعهود المتبادر من التكبير العبارة المذكورة و الظاهر كونه حقيقة فيها مجازا في غيرها مع أنها لو شك في ذلك لكفى الاستدلال بوجوب تحصيل البراءة اليقينية من التكليف الثابت
و استدل على المشهور بما رواه الجمهور في حديث رفاعة عن النبي٦قال و يقول اللّٰه أكبر و بصحيحة حماد السّابقة و بأن النبي٦كان يداوم عليه و هو دليل على تعينه وجوبا و الكل محلّ نظر لا يخفى على المتدبّر و إذا ثبت وجوب الإتيان بالصّيغة على الوجه المعهود
فلو عكس المكلّف و غير ترتيبها أو أتى بمعناها بأن يقال اللّٰه أعظم أو أجلّ أو نحو ذلك مع القدرة على الإتيان بالصورة المعلومة أو أتى بها قاعدا معها أي مع القدرة على القيام أو أتى بها و هو أخذ في القيام بحيث وقعت قبل استيفاء القيام أو هو هاو إلى الركوع و فيه ردّ على الشيخ حيث جوز في الخلاف الإتيان ببعض التكبير مستحبا و مستنده غير معلوم أو أخل بحرف واحد بطلت الصّلاة لعدم الإتيان بالمأمور على وجهه و يتحقق الإخلال بالحرف بوصل إحدى الهمزتين في الكلمتين أما همزة أكبر فظاهر لأنها همزة القطع و همزة اللّٰه فلأنها و إن كانت همزة وصل تقع في الدّرج عند اتصال الكلام بكلام سابق إلا أنه لا كلام قبل التكبير إذا النيّة أمر قلبي لا مدخل للسان فيها و لو فرض تلفظ المصلي بها كان لغوا مخالفا للمعهود المنقول عن صاحب الشّرع فلا عبرة بها فحينئذ وصل التكبير بها يوجب مخالفة المعهود من صاحب الشّرع من القطع و نقل عن بعض المتأخرين جواز الوصل حينئذ عملا بظاهر القانون العربيّ
و فيه أن إيراد الكلام المتّصل به أمر مستحدث مبتدع لم يعهد من الشارع فلا يوجب سقوط التكليف بما ثبت وجوبه من قطع الهمزة كما لا يخفى و من هاهنا يظهر أن اتصال التكبير بكلام آخر بحيث يوجب الدّرج لغة غير جائز لاستلزام ذلك إما مخالفة الشّرع أو مخالفة اللّغة و يعتبر في التكبير الهيئة فلو قاله على حدّ أسماء العدد لم ينعقد و يعتبر فيه عدم الفصل بما يعد فصلا عرفا سواء كان سكوتا أو لفظا فلو قال اللّٰه تعالى أكبر لم ينعقد و يجب عدم المدّ بين الحروف في غير موضعه فلو مدّ همزة اللّٰه بحيث يصير استفهاما فمع القصد يبطل و بدونه وجهان ناشئان من أن الدّلالة غير متوقفة على القصد و خروج ذلك عن المعهود و من أن الإشباع بحيث يحصل به الحرف شائع في كلام العرب غير عزيز بينهم و الأول أرجح عملا بوجوب تحصيل البراءة اليقينية و كذا الكلام في لفظ أكبر فلو تلفظ بحيث صار أكبار و هو الطبل كان فيه الوجهان عند عدم القصد
هذا إذا كان الإشباع كثيرا بحيث يحصل منه حرف صحيح و إلا لم يضرّ أما مدّ اللّام الثاني من الجلالة