ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٥٤٢
إذ لا أعرف مستند التحريم المشي تحت الظلال و قد اعترف جماعة من أصحابنا المتأخرين بعدم الوقوف على مستند له و الصلاة خارجا من المسجد الذي اعتكف فيه إلا بمكة فيصلي حيث شاء إلا عند تضييق الوقت أما الحكم الأول فلأن الخروج عن المسجد إنما يجوز عند المصنف فيكون متقدرا بقدرها و أما الثاني فلما رواه الكليني و ابن بابويه و الشيخ عن عبد اللّٰه بن سنان في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال المعتكف بمكة يصلي في أي شاء سواء عليه يصلي في المسجد و في بيوتها
و ما رواه الشيخ و الكليني عن منصور بن حازم في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال المعتكف بمكة يصلي في أي بيوتها شاء و المعتكف في غيرها لا يصلي إلا في المسجد الذي سماه و استثني من الحكم الأول صلاة الجمعة فيجوز الخروج لها و إقامتها خارجا إذا لم تقم في المسجد الذي اعتكف فيه و ألحق الشيخ في المبسوط بصلاة الجمعة صلاة العيد و هو مبني على جواز صومه على بعض الوجوه كما سبق
و المطلقة رجعيا يخرج إلى منزلها للعدة ثم تقضي مع وجوبه أما وجوب الخروج إلى منزلها ففي التذكرة أنه مذهب علمائنا أجمع و استدل عليه بقوله تعالى لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لٰا يَخْرُجْنَ و بأن الاعتداد في البيت واجب فيجب الخروج إليه كالجمعة في حق الرجل و ذكر الشهيد الثاني أن ذلك إنما يتم مع كون الاعتكاف مندوبا أو واجبا غير معين أو مع اشتراطها الحل عند المعارض و لو كان معينا من غير شرط فالأقوى اعتدادها في المسجد و من الاعتكاف لأن حق اللّٰه أحق أن يقضى و استحسنه صاحب المدارك و عندي فيه نظر و ينبغي تقييد القضاء بعدم الاشتراط لما تقدم من سقوطه بالاشتراط
و كذا الحائض و المريض و يحرم عليه أي على المعتكف ليلا و نهارا النساء لمسا و تقبيلا و جماعا و الحكم بتحريم هذه الثلاثة على المعتكف مقطوع به في كلام الأصحاب و الأصل فيه قوله تعالى وَ لٰا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عٰاكِفُونَ و المراد من اللمس و التقبيل ما كان بشهوة و أما ما ليس كذلك فليس بمحرم و لا أعلم خلافا في فساد الاعتكاف بالجماع و في فساده بالتقبيل و اللمس قولان و شم الطّيب اختلف الأصحاب في ذلك فذهب الأكثر إلى التحريم و خالف فيه الشيخ في المبسوط و مستند الأول ما رواه الكليني عن أبي عبيدة في الصحيح عن أبي جعفر٧قال المعتكف لا يشم الطيب و لا يتلذذ بالريحان و لا يمار و لا يشتري و لا يبيع و في دلالة الخبر على التحريم تأمل
و استدعاء المني لا أعرف في ذلك نصا على الخصوص و ربما يفهم من بعض عباراتهم عدم منافاته لأصل الاعتكاف بل للصوم و كيف كان فلا ريب في التحريم مطلقا إنما الكلام في منافاته للاعتكاف و مدخلية خصوص الاعتكاف فيه و البيع و الشراء لا أعلم خلافا في ذلك بين الأصحاب و لعل مستنده صحيحة أبي عبيدة السّابقة و اختلف الأصحاب في فساد الاعتكاف بهما فعن الشيخ في المبسوط لا يفيد الاعتكاف جدال و لا خصومة و لا سباب و لا بيع و لا شراء و إن كان لا يجوز له فعل ذلك أجمع و قال ابن إدريس الأولى عندي أن جميع ما يفعل المعتكف من القبائح و يتشاغل به من المعاصي و السباب يفسد اعتكافه و أما ما يضطر إليه من أمور الدنيا من الأفعال المباحات فلا يفسد به اعتكاف لأن حقيقة الاعتكاف في عرف الشرع هو اللبث للعبادة و المعتكف اللابث للعبادة إذا فعل قبائح و مباحات لا حاجة إليها فما لبث للعبادة و في المختلف و نحن نطالبه بوجه ما قاله
و احتجاجه أضعف من أن يكون شبهة فضلا عن كونه حجة فإن الاعتكاف لو شرط فيه دوام العبادة بطل حالة النوم و السّكوت و إهمال العبادة و ليس كذلك بالإجماع و قال المصنف في المنتهى كلما يقتضي الاشتغال بالأمور الدنيوية من أصناف المعاش ينبغي القول بالمنع عنه عملا بمفهوم النهي عن البيع و الشراء و فيه نظر و قال فيه أيضا الوجه تحريم الصنائع المشغلة من العبادة كالخياطة و شبهها إلا ما لا بد منه و فيه أيضا نظر و استثني من تحريم البيع و الشراء ما تدعو الحاجة إليه كبيع الغذاء و الماء و سائر الأشياء الضرورية و لا يبعد اعتبار عدم التمكن من الوكيل في ذلك و شرط الشهيد في الدروس تعذر المعاطاة و هو مبني على أنها ليست بيعا و فيه تأمّل
و المماراة و هي لغة المجادلة و هي الخصومة في المناظرة و الأصل في ذلك صحيحة أبي عبيدة السابقة قال المصنف في التذكرة و يستحب دراسة القرآن و البحث في العلم و المجادلة فيه و دراسته و تعليمه في الاعتكاف بل أفضل من الصلاة المندوبة و قال ابن إدريس في (السرائر و النظر في العلم و مذاكرة أهله لا يبطل الاعتكاف و هي أفضل من الصّلاة تطوعا عند جميع الفقهاء و قال الشهيد الثاني و المراد به يعني المماراة هنا المجادلة على أمر ديني أو دنيوي لمجرد إثبات الغلبة أو الفضيلة كما يتفق لكثير من المتسمين بالعلم و هذا النوع يحرم في غير الاعتكاف أيضا قال و لو كان الغرض من الجدال في المسألة العلمية مجرد إظهار الحق و رد الخصم عن الخطإ كان من أفضل الطاعات و المائز بين ما يحرم منه و ما يجب أو يستحب النية فليحرز المكلف من تحويل الشيء عن كونه واجبا إلى جعله من كبائر القبائح
و اعلم أنه نقل عن الشيخ ره أنه حرم على المعتكف لبس المخيط إجماعا و لا إزالة الشعر و لا أكل الصيد و لا عقد النكاح و كيفما كان فلا ريب في ضعف هذا القول لانتفاء حجة عليه و عدم نقله من فعل النّبي٦و الأئمّة٧و السّلف الصالح ره و هل يختص المحرمات المذكورة بالاعتكاف الواجب أو يتناول المندوب أيضا إطلاق النص و الفتوى يقتضي الثاني و قد تقدم نظيره في الارتماس
و يجوز النظر في المعاش و الخوض في المباح و الأولى الاقتصار في ذلك على القدر الضروري و الاشتغال بالذكر و الصّلاة و قراءة القرآن و غيرها من العبادات و يفسده أي الاعتكاف كل ما يفسد الصوم لأن الصوم شرط في الاعتكاف و فساد الشرط يستلزم فساد المشروط فإن أفطر في المتعين نهارا أو جامع فيه ليلا كفر و في غيره أي غير المتعين يقضي واجبا و لا كفارة على رأي تنقيح هذا المقام يتم ببيان أمور
الأول لا أعلم خلافا بين الأصحاب في وجوب الكفارة بالجماع في الاعتكاف في الجملة و يدل عليه ما رواه ابن بابويه و زرارة في الصحيح و الكليني عنه في الضعيف قال سألت أبا جعفر٧عن المعتكف يجامع فقال إذا فعل ذلك فعليه ما على المظاهر و ما رواه الكليني و الصدوق عن أبي ولاد في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم و هي معتكفة بإذن زوجها فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد بيتها فتهيأت لزوجها حتى قبلها فقال إن كانت خرجت من المسجد قبل أن يمضي ثلاثة أيام و لم تكن اشترطت في اعتكافها فإن عليها ما على المظاهر
و ما رواه الكليني و الشيخ عن سماعة بن مهران في الموثق قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن معتكف واقع أهله قال عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا عتق رقبة أو صوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا
الثاني اختلف الأصحاب في وجوب الكفارة في الاعتكاف بغير الجماع فذهب المفيد و المرتضى إلى وجوب الكفارة بسبب فعل المفطر و ذهب الشيخ و المحقق و أكثر المتأخرين إلى اختصاص الكفارة بالجماع و هو أقرب للأصل السالم من المعارض لاختصاص الروايات بالجماع و لا أعرف مستندا يدل على ثبوت الحكم في مطلق المفطر
الثالث هل يجب الكفارة بفعل موجبها في مطلق الاعتكاف واجبا كان أو مندوبا أو يختص ذلك بالواجب المتعين فيه أوجه و لكل وجه قائل من الأصحاب و إطلاق النصوص يقتضي الأول و بمضمونه أفتى الشيخان قال المحقق في المعتبر و لو خصا ذلك باليوم الثالث أو بالاعتكاف اللازم لكان أليق بمذهبهما لأنا بينا أن الشيخ ذكر في النهاية و الخلاف أن للمعتكف الرجوع في اليومين الأولين من اعتكافه و أنه إذا اعتكفهما وجب الثالث و إذا كان له الرجوع لم يكن لإيجاب الكفارة مع جواز الرجوع وجه لكن يصح هذا قول الشيخ فإنه يرى وجوب الاعتكاف بالدخول فيه انتهى
الرابع اختلف الأصحاب في أن هذه الكفارة مخيرة أم لا فذهب الأكثر إلى الأول و قيل إنها ككفارة الظهار و يدل على الأول موثقة سماعة السابقة و على الثاني صحيحة زرارة و صحيحة أبي ولاد و الجمع بين الأخبار بحمل الخبرين على الأفضلية قريب فالترجيح لقول الأكثر و لو جامع في نهار رمضان فكفارتان إحداهما للاعتكاف و الأخرى لصوم رمضان لا أعلم في هذا الحكم خلافا بين الأصحاب و مستنده أن اختلاف الأسباب يقتضي اختلاف المسبّبات
و ما رواه ابن بابويه عن عبد الأعلى ابن أعين في الضعيف قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل وطئ امرأته و هو معتكف ليلا في شهر رمضان قال عليه الكفارة قال قلت فإن وطئها نهارا قال عليه كفارتان و الوجه الأوّل ضعيف و الرواية ضعيفة السند و الدلالة يشكل التعويل عليه لا يبعد أن يستعان في ذلك بالشهرة بين الأصحاب و إيراد الصدوق