ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٥٩
الصّبح فيجوز تقديمه عليه مع استحباب إعادته بعده
أمّا الأوّل فعليه اتفاق علماء الإسلام نقل ذلك جماعة من الأصحاب و أمّا الثاني فهو مشهور بين الأصحاب قال ابن أبي عقيل الأذان عند آل الرّسول : الخمس بعد دخول وقتها إلا في الصّبح فإنه جائز يجوز أن يؤذن لها قبل دخول وقتها بذلك تواترت الأخبار عنهم و قالوا كان للرّسول٦مؤذّنان أحدهما بلال و الآخر ابن أم مكتوم و كان أعمى و كان يؤذن قبل الفجر و بلال إذا طلع الفجر و كان يقول٧إذا سمعتم أذان بلال فكفوا عن الطعام و الشراب أصبح بذلك و بما رواه الشيخ في الصّحيح عن ابن سنان عن أبي عبد اللّٰه٧قال قلت له إنّ لنا مؤذنا يؤذن بليل فقال إما إن ذلك ينفع الجيران لقيامهم إلى الصّلاة
و إمّا السنة فإنه تتأدى مع طلوع الفجر و لا يكون بين الأذان و الإقامة إلّا الركعتان و عن ابن سنان في الصّحيح أيضا عن أبي عبد اللّٰه٧قال سألته عن النداء قبل طلوع الفجر فقال لا بأس و أمّا السّنة فمع الفجر و إن ذلك ينفع الجيران يعني قبل الفجر و يستفاد من قوله٧و أمّا السّنة فمع الفجر أن الأذان المتقدّم لمجرّد التّنبيه فلا يعتد به للصلاة و خالف في الحكم المذكور ابن إدريس فمنع من تقدم الأذان في الصّبح أيضا و هو المنقول عن ظاهر اختيار المرتضى في المسائل المصرية و ابن الجنيد و أبي الصّلاح و الجعفي
و استند السّيد إلى أن الأذان دعاء إلى الصّلاة ففعله قبل وقتها وضع للشيء في غير موضعه و لما روي أنّ بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النّبي٦أن لا يعيد الأذان
و أجيب عن الأول بمنع انحصار فائدة الأذان فيما ذكر بل له فوائده أخرى كامتناع الصّائم من الأكل و الشّرب و التّأهب للصّلاة و اغتسال الجنب و إتمام النوافل الليلة و نحوها و عن الرّواية بالقول بالموجب كما مرّ و الأقرب في المسألة القول الأول و لا حدّ لهذا التقديم عندنا و الأولى أن يجعل في ذلك ضابطا ليصحّ التعويل عليه و لا فرق بين كون المؤذن واحدا أو اثنين الثّالثة يجوز ارتزاق المؤذن من بيت المال إذا اقتضته المصلحة لأنه من مصالح المسلمين و أما أخذ الأجرة عليه ففيه خلاف فذهب جمع من الأصحاب منهم الشيخ في الخلاف إلى عدم الجواز و ذهب المرتضى إلى الكراهة و هو ظاهر المحقق في المعتبر و الشّهيد في الذّكرى
احتج الأوّلون بما رواه الشيخ عن السّكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن عليّ٧قال آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي أن قال يا علي إذا صلّيت فصل صلاة أضعف من خلفك و لا تتخذن مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا و الرواية ضعيفة السّند فالتعويل عليها مشكل و هل الإقامة كالأذان فيه وجهان و حكم المصنف في النهاية بعدم جواز الاستيجار عليها و إن قلنا بجواز الاستيجار على الأذان فارقا بينهما بأن الإقامة و لا كلفة فيها بخلاف الأذان فإن فيه كلفة بمراعاة الوقت و هو ضعيف
النّظر الثّاني في الماهيّة
أي ماهية الصلاة أعمّ من الواجبة و المندوبة و فيها مقاصد
الأول في كيفيّة الصّلاة اليوميّة
يجب على المكلف معرفة واجب أفعال الصّلاة من مندوبها يجب على المكلّف معرفة كيفية الصّلاة و ما يعتبر في ماهيتها ليتمكن من الإتيان بها على جهة الامتثال و لا بدّ من أن تكون تلك المعرفة مستندة إلى دليل تفصيليّ إن كان مجتهدا أهلا للاستدلال أو دليل إجمالي إن كان مقلّدا لم يبلغ مرتبته كما تقرر في الأصول
و لا يكفي تقليد غير المجتهد و كل ذلك مشروط بكون المكلف مستجمعا للفهم و العقل و التمكن مقدار ما يصح تكليفه بما ذكرنا فلو كان التكليف لا يتمكن بنفسه من التأمّل في المقدمات المنتجة لأن معرفة الصلاة لا بد أن يكون لها مستند صحيح يجوز التعويل عليه و هو إمّا الأخذ عن دلائلها أو الاعتماد فيها على آخذها كما هو شأن المجتهد و المقلّد و لم يحصل له هذه المعرفة بالاستماع و التعليم أيضا فحينئذ لا يجب عليه معرفة أفعال الصّلاة على الوجه المذكور و مع هذا لا يسقط عنه التكليف بالصّلاة إذا لم يكن منسلخا عن العقل الّذي هو مناط التكليف بالكلّية بل يجب عليه الإتيان بها على وجه زعمها و أذعنها و تفصيل الأمر الّذي يجب عليه و الحال هذه متعسر الضّبط لاختلاف الأمر في هذا الباب اختلافا فاحشا لكن الذكي المتأمّل بعد ما أتقن قواعد العدل لا يخفى عليه شيء من ذلك إن شاء اللّٰه تعالى
ثم لو كان المكلف مستجمعا للشّرائط المصحّحة لتكليفه بالمعرفة المذكورة على أحد الوجهين المذكورين و خالف في ذلك و لم يحصل فلا خفاء في كونه إثما مستحقّا للذم و حينئذ إذا دخل الوقت و هو عاجز عن تحصيل المعرفة المذكورة فالظاهر أنه يجب عليه حينئذ الإتيان بالصّلاة حسب ما زعمه و ظنه من أفعالها و كيفيّاتها
و حينئذ فإن طابق الواقع اتفاقا فهل يجب عليها القضاء أم لا المشهور بين المتأخرين نعم و ظاهر الدّليل لا لأن إيجاب القضاء متعلّق بفوات الصّلاة الواقعية و لم يتحقق و لو كان في سعة الوقت متمكنا عن تحصيل المعرفة المذكورة فخالف و لم يحصل حتى ضاق الوقت عنه فالظاهر وجوب الصّلاة بالوجه المذكور عليه و هل يسقط القضاء لو طابق الواقع الظاهر من الدّليل ذلك و إن كان هذا الحكم هاهنا أخفى من السّابق كما يظهر بالتأمّل و التّدقيق و المشهور خلاف ذلك و وجوب المعرفة المذكورة ثابت بالنّسبة إلى القدر الّذي يحصل بمعرفتها التمكن من الإتيان بالصلاة و الأمور المعتبرة فيها على وجه الامتثال بحيث يحصل البراءة عن التكليف
و هل يعتبر في ذلك التمييز بين واجبات الأفعال و مندوباتها حتّى يوقع كلّا منهما على وجهه كما حكم به المصنف إثبات ذلك متعسّر مع أن الأصل يقتضي عدمه و عدم ظهور هذه التدقيقات إلا من المتأخرين من غير أن يكون لها أثر في الأعصار السّابقة عليهم و لهذا المقام دقائق و تفاصيل مبنية على المقدمات الكلامية و لا يناسب شرحها المقام و إن ساعد التوفيق فعمل فيه رسالة مفردة وافية بحقها كافية في استقصائها و المراد بالمعرفة المذكورة في كلام المصنف أعمّ من العلم اليقيني لأن غالب الأحكام يناط بالظن
و يمكن أن يكون المراد بها اليقين و المراد من الواجب و المندوب بالنسبة إلى المكلّف و إن خالف الحكم الأصليّ اليقيني لوقوع الخطاء في المسألة و ظنية الطّريق لا ينافي قطعيّة الحكم و إذا قطع المصنف بوجوب معرفة واجب أفعال الصّلاة من مندوباتها أردفه بقوله
و إيقاع كلّ منهما على وجهه ذكر الشارح الفاضل هاهنا تفصيلا محصّله أن لو نوى بالواجب الندب عمدا أو جهلا بطلت الصّلاة للإخلال بالواجب على ذلك الوجه المقتضي للبطلان و لعدم إتيانه بالمأمور به على وجهه فلم يطابق فعله ما في ذمته لاختلاف الوجه و يمتنع إعادته لئلا يلزم زيادة أفعالها الصّلاة عمدا و أنت خبير بأنه لم يقم دليل على وجوب الإتيان بالفعل على وجهه بمعنى أن يقصد إنفاقه بالجهة التي عليها في الواقع من الوجوب أو النّدب و لا على وجوب المطابقة لما في الذّمة بهذا المعنى
ثم لا نسلّم أن الزّيادة في الأفعال عمدا مطلقا موجب للبطلان لا بدّ لذلك من دليل ثم قال و لو عكس بأن نوى بالمندوب من الأفعال الوجوب فإن كان الفعل ذكرا بطلت الصّلاة أيضا للنهي المقتضي للفساد و لأنه كلام في الصّلاة ليس منها و لو ما استثني فيها و إن كان فعلا اعتبر في الحكم بإبطاله الكثرة التي يعتبر في الحكم الفعل الخارج عن الصلاة و إن لم يكن كثيرا لم تبطل و يقع لغوا مع احتمال البطلان به مطلقا للنهي المقتضي للفساد
و فيه نظر لأنّا لا نسلّم أن الذكر المستحب لو قصد به الوجوب كان منهيّا سلّمنا لكن النّهي حينئذ غير متعلّق بعين الصّلاة و لا جزئها فلا يلزم بطلان الصّلاة بذلك ثم القدر المسلّم أن الكلام الّذي لا يكون ذكرا و لا دعاء إذا صدر في أثناء الصّلاة يلزم بطلانها لا مطلقا ثم حكمه بإبطال الفعل المندوب الّذي قصد به الوجوب إذا كان كثيرا محلّ نظر لأن الفعل الكثير إنما يبطل إذا لم يكن مندوبا في الصّلاة
و أمّا إذا كان مندوبا فلا نسلّم أنه يبطل الصّلاة سواء قصد به الوجوب أو الندب ثم احتماله البطلان به مطلقا معلّلا بالنهي المقتضي للفساد محلّ تأمّل لتعلق النّهي بالأمر الخارج و استقرب الشّهيد في البيان الصّحة في القسم الّذي قصد بالمندوب الواجب مطلقا استنادا إلى نية الوجوب أفادت تأكيد الندب و هذا الفرق غير مرتبط بدليل صحيح و قد أطال الشارح الفاضل الكلام على هذا و إذ قد عرفت ضعف مستند الحكم من أصله كان الإعراض عنه أولى
و الواجب
من الصّلاة اليوميّة سبعة بناء على عدم وجوب التسليم و يعجبني أن أورد هاهنا حديثين مشتملين على معظم أفعال الصّلاة أحدهما ما رواه الصدوق في الصّحيح و الكليني و الشيخ في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن حماد بن عيسى أنه قال قال لي أبو عبد اللّٰه٧يوما تحسن أن تصلّي يا حماد قلت يا سيّدي أنا أحفظ كتاب حريز في الصّلاة قال فقال لا عليك قم صلّ قال فقمت بين يديه متوجّها إلى القبلة فاستفتحت الصّلاة و ركعت و سجدت فقال يا حماد لا تحسن أن تصلّي ما أقبح بالرّجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما تقيم صلاة واحدة بحدودها تامة
قال حماد فأصابني في نفسي الّذي فقلت جعلت فداك فعلمني الصّلاة فقال أبو عبد اللّٰه٧مستقبل القبلة منتصبا فأرسله يديه جميعا على فخذيه قد ضم أصابعه و قرب بين قدميه حتى كان بينهما ثلاثة أصابع مفرجات و استقبل بأصابع رجليه جميعا لم يحرفها القبلة بخشوع و استكانة فقال اللّٰه أكبر ثم قرأ الحمد بترتيل و قل هو اللّٰه أحد ثم صير هنيئة بقدر ما هو قائم ثم قال اللّٰه أكبر و هو قائم ثم ركع و ملأ كفيه من ركبتيه منفرجات و ردّ ركبتيه إلى خلفه و نصب عنقه و غمض عينيه ثم سبّح ثلاثا بترتيل و قال سبحان ربّي العظيم و بحمده ثم استوى قائما فلمّا استمكن من القيام قال سمع اللّٰه لمن حمده ثم كبّر و هو قائم و رفع يديه حبال وجهه و سجد و وضع يديه على الأرض قبل ركبتيه