ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٦٤
المصير إليه و فيه نظر إذ الحكم بكونه مجرّد احتياط إنما يستقيم إذا دلّ دليل على عدم اعتباره أو لم يكن رعايته منوطة بالخروج عن عهدة تكليف ثابت و الأمر هاهنا ليس كذلك لأن التكليف بالصّلاة ثابت و عند عدم الطمأنينة المذكورة لا يحصل الامتثال يقينا فيجب الطّمأنينة ليحصل اليقين و الامتثال و قد حققنا هذا الأصل في غير هذا الكتاب و لو خف في الركوع قبل الطمأنينة وجب أن يرتفع منحنيا إلى حدّ الراكع ليكملها و ليس له الانتصاب لئلا يزيد الركن ثم يأتي بالذكر الواجب من أوله و إن أتى ببعضه و حصل فصل طويل إن أوجبنا تسبيحة واحدة إذ لم يسبق عنه كلام تام فلا يجوز البناء و إن أوجبنا تعدد التسبيح أعاد إن كان في أثناء تسبيحه و حصل فصل طويل و إلا بنى على السّابق و لو خف بعد الذكر فقد تم ركوعه فيقوم معتدلا مطمئنا و لو خف بعد الاعتدال من الركوع لم يبعد وجوب القيام ليسجد عن قيام و الطمأنينة إن لم تحصل سابقا
و استشكل المصنف وجوب القيام لو كان لخفة بعد الطّمأنينة للشك في كون الهوي إلى السجود قائما واجبا برأسه أو وجوبه من باب المقدمة فيسقط حينئذ و لو تمكن المصلّي قاعدا أو ما دونه من القيام للركوع خاصة وجب لكونه ركنا في الصّلاة واجبا برأسه فلا يسقط بالعجز عن غيره و الظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأصحاب
الثاني
من واجبات الصّلاة النيّة و وجوبها في الصّلاة ثابت بإجماع المسلمين و نقل ذلك المصنف و غيره و حقيقتها العزم على الفعل و القصد إليه بأن لا يكون صدور الفعل عنه على سبيل السّهو و النسيان قال بعضهم النية عند الفقهاء القصد المقارن للفعل
و لا يخفى أن هذا أمر سهل الحصول لا يكاد ينفك عنه المكلف حين إرادة الفعل و لهذا يحكى عن علمائنا المتقدّمين أنهم ما كانوا يذكرون النية في كتبهم الفقهية بل يقولون أوّل واجبات الوضوء مثل غسل الوجه و أول واجبات الصّلاة تكبيرة الافتتاح إلى غير ذلك و كأنه لهذا السبب لم يذكر النية في الأخبار الواردة في بيان حقائق العبادات في مواقع التعليم مع تأكد الحاجة إليها و عموم البلوى بها و هذا من أقوى الحجج على سهولة الخطب في أمر النيّة و إنها أمر لا ينفك عنها العقلاء بحيث لا يحتاج المكلفون إلى التنبيه عليها و الإرشاد إليها و من هاهنا قال بعض الفضلاء لو كلّف اللّٰه الصّلاة أو غيرها من العبادات بغير نية كان تكليفا بما لا يطاق
و قال آخر لو لا قيام الأدلة على اعتبار القربة و إلا لكان ينبغي أن يكون هذا من باب اسكتوا عمّا سكت اللّٰه عنه و بما ذكرنا يظهر أن التّدقيقات النّاشية بين النّاس في أمر النيّة من مستحدثات المتأخرين و مبدعاتهم من غير أن يكون لها ظهور كلا أو بعضا في الصدر الأول و عدم التوغل فيها أولى و أشد
و هي ركن تبطل الصّلاة بتركها عمدا أو سهوا و المراد بالركن بما يلتئم منه الماهية مع بطلان الصلاة بتركه عمدا و سهوا كالركوع و السّجود أو ما يشتمل عليه الماهيّة من الأمور الوجوديّة المتلاحقة مع القيد المذكور و التقييد بالأمور الوجودية لإخراج التروك كترك الكلام و الفعل الكثير فإنها لا تعد أركانا عندهم و يمكن أن يكون المراد بالركن ما يبطل الصّلاة بتركه مطلقا فيكون أعمّ من الشرط
و بالجملة لا خلاف في ركنيتها بهذا المعنى و نقل المصنف و غيره اتفاق العلماء على ذلك و احتجّوا على وجوبها و ركنيتها بقوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و قول النّبي٦إنما الأعمال بالنيات و إنما للمرء ما نوى و قول الرضا٧لا عمل إلا بنيته و بأن الأعمال تقع على وجوه مختلفة بعضها غير مراد اللّٰه فلا يختص المراد إلا بالنيّة و للنّظر إلى كلّ واحد من تلك الوجوه طريق كما لا يخفى على الفطن بعد الإحاطة بما ذكرنا في كتاب الطّهارة
و اختلف الأصحاب في كون النيّة جزءا للصلاة أو شرطا فيها فقيل بالأول و قيل بالثاني و تردد بعضهم و أدلة الطّرفين مدخولة و الفائدة في تحقيق ذلك قليلة و قد فرّع على القولين أشياء بعضها لا يتفرع عليهما و بعضها قليل الفائدة فالإعراض عن الإطالة في هذا الباب أولى و الاشتغال إلى تحقيق حقيقة النيّة أهم
فاعلم أن هاهنا أمورا الأول ما؟؟؟
الذات على الوجه الإجمالي و المراد بالذات الأمور المعتبرة في ماهية صلاة معينة كالظهر مثلا بحيث يكون الإخلال بشيء منها موجبا لعدم الامتثال الثاني القصد المساوق بالشيء الملحوظ على الوجه المذكور قبل الاشتغال به الثّالث ملاحظة اتصاف الفعل الملحوظ على الوجه المذكور ببعض الأوصاف المميزة له مثل كونه ظهرا مثلا و كونه واجبا أو ندبا و كونه أداء أو قضاء إلى غير ذلك
الرابع إرادة التقرب بالفعل المذكور و جعل القربة غاية للفعل الخامس اقتران القصد المذكور بأوّل الأفعال بحيث لا يحصل بينهما فصل السادس الاستدامة الحكمية أما الأول فلا ريب في اعتباره و كذا الثاني و أما الرابع فلا شك في وجوبه و أمّا اشتراطه في ترتب الثّواب فلا خلاف فيه بين الأصحاب و أما في الصّحة بمعنى سقوط القضاء و سقوط العقاب التابع للترك فمشهور بين الأصحاب و خالف فيه السيّد المرتضى و قد مرّ الكلام في ذلك في كتاب الطّهارة و فسر الشارح الفاضل النيّة بإرادة الفعل المخصوص المتعبّد به مقارنة له للّه تعالى ثم الإجماع على توقف الصّلاة عليها و كأنه غفل عن خلاف المرتضى
و يمكن تأويل كلام الشارح بوجه ما و أما الخامس و السّادس فسيجيء الكلام فيه عن قريب و أما الثّالث فقد أشار إليه المصنف بقوله
و يجب أن يقصد فيها أي في النية تعيين الصّلاة مثل كونه ظهرا و عصرا ذكر ذلك الشيخ و من تبعه و نفى المصنف في المنتهى الخلاف فيه و ادعى في التذكرة إجماع علمائنا عليه و احتج الشيخ في الخلاف على وجوب التعيين و الوجه و الأداء أو القضاء بوجهين أحدهما حصول الامتثال يقينا عند ذلك و ثانيهما أن الفعل يقع على وجوه مختلفة فيحتاج إلى مميز فاحتيج إلى اعتبار تعيين الظهر مثلا ليتميز عن العصر و قصد الوجوب ليتميز عن المعادة و قصد الأداء ليتميز عن القضاء و في الأخير نظر لأنه إن قصد أن الفعل يقع على وجوه مختلفة صحيحة شرعا في زمان واحد فممنوع لأن العصر إنما يجب بعد الظّهر خصوصا في الوقت المختص بالظهر و مع هذا لا يجري في المغرب
و كذا الكلام في الوجوب و الندب لأن الإعادة إنما يتصور بعد الإتيان بالفعل أولا و أمّا الأداء و القضاء فإنهما يجري الكلام فيهما عند اشتغال الذمة بهما لا مطلقا مع إمكان البحث على ذلك التقدير و إن قصد أن الفعل لا يقع على وجوه و نيات مختلفة مؤثرة في انصراف الفعل إلى ما قصد و إن لم تكن صحيحة شرعا كما إذا قصد العصر حين اشتغال الذمة بالظهر ففيه أن اعتبار التّأثير المذكور أول البحث و إن قصد المعنى المذكور بدون التقييد بالتأثير المذكور فغير مانع كما لا يخفى
و بالجملة في إتمام هذا الاستدلال فرع خفاء مع أنه عول عليه الأكثرون و أمّا الأول فلا يخلو عن قوة بناء على ما ذكرنا من عدم ثبوت شرطية النية و أما إن رجحنا شرطية النية فنقول الأمر بالصلاة مطلقا لا يتخصص بشرط إلا بدليل و لا دليل على اشتراط الأمور المذكورة و اليقين بالامتثال لا يتوقف عليه بعد إطلاق التكليف و هذا الكلام لا يتم على تقدير ترجيح الجزئية أو التردد فيها فيتجه القول بالوجوب حينئذ
لا يقال قد دل عدم ظهور الأمر بذلك منهم : و عدم اهتمام السّلف بذكره و إيراده مع تأكد الحاجة إليه و عموم البلوى به على عدم الوجوب
لأنا نقول لعلّ ذلك لقلة احتياجه إلى التنبيه فإن التعيين و قصد الفريضة و الأداء و القضاء لا يكاد ينفك عن المكلف غالبا فيمكن أن يكون ذلك أغناهم : عن التأكيد و التّنبيه و تبعهم السّلف في ذلك و الحق أن طريق التّأمل غير منسد بالكلية في هذا الكلام إلا أن الرشد في العمل بما اشتهر بين الأصحاب
و أن يقصد فيها الوجه أي الوجوب ذكر ذلك الشيخ و من تبعه و ظاهر التذكرة و اتفاق الأصحاب عليه و طريق الاستدلال فيه كالسابق و قد جمع في بعض عباراتهم اعتبار الوجوب التعليلي مع الوجوب الوصفي و الأول إشارة إلى ما ذكره المتكلمون من أنه لا بدّ من فعل الواجب لوجوبه أو لوجه وجوبه و في الذكرى نسب الجمع بين الأمرين إلى المتكلمين قال و هذا يطرد في جميع نيات العبادات لكن معظم الأصحاب لم يتعرّضوا له في غير الصّلاة و قد بين معنى وجه الوجوب في مبحث الوضوء
و أن يقصد فيها التقرب قد مرّ تحقيق ذلك في كتاب الطهارة و أن يقصد فيها الأداء و القضاء ذكره الشيخ و من تبعه و ظاهر التذكرة اتفاق الأصحاب عليه و استدلوا عليه بالدليلين السّابقين و قد مر التحقيق في هذا الباب و حكي عن بعض الأصحاب أنه اعتبر في النيّة ملاحظة الأفعال على الوجه المفصل ثم العود إلى اعتبار الوصف و القصد إلى الأفعال الملحوظة ثانيا و الظاهر انتفاؤه لأنه لم يعهد ذلك عن الأئمّة : و لا عن السّلف و لو كان ذلك معتبرا لجاء به أثر النية مع أن الملاحظة المفصّلة لا يبقى عند الفراغ من التعدد أو الشروع في النية المذكورة فإن كان الغرض التفصيل فقد فات و إن كان الغرض الملاحظة الإجمالية فهي غير متوقفة على التعدد المذكور مع أن جميع ما عدده إنما يفيد التصور الإجمالي و إن قصد اعتبار ملاحظة جميع الواجبات جزءا كان أو تركا فهو مفض إلى عسر بالغ و أمر النية أسهل خطبا من ذلك
و بالجملة الظاهر فساد هذا القول و لا يعتبر في النية التلفظ بل الاعتبار بالعقد القلبي و كثير من العامة استحبّوا التلفظ و منهم من أوجبه و هو فاسد و هل يجزيه أن ينوي فريضة الوقت من غير تعرض للظهر مثلا