ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٨٠
وجب عليه الخمس باعتبار كونه من الأرباح و استقرب الشهيد في البيان مساواة ما يؤخذ من البحر بغير غوص لما يؤخذ بالغوص و هو غير بعيد و لعلّ مستنده إطلاق رواية أحمد بن أبي نصر السابقة في اعتبار النصاب في المعدن و الظاهر عدم وجوب الخمس فيما يؤخذ مطروحا في الساحل للأصل السالم عن المعارض
و العنبر أن أخذ بالغوص فله حكمه أي حكم الغوص و إن أخذ من وجه الماء فمعدن قال ابن إدريس نقلا عن الجاحظ في كتاب الحيوان أنّه قال العنبر يقذفه البحر إلى جزيرة فلا يأكل فيه شيء إلا مات و لا ينقره طائر بمنقاره إلا نصل فيه منقاره و إذا وضع رجليه عليه نصلت أظفاره و عن الشيخ أنّه نبات من البحر و عن ابن جزلة المتطب في كتاب منهاج البيان أنّه من عين في البحر
و في القاموس العنبر من الطيب روث دابّة بحرية أو نبع عين فيه و نقل الشهيد في البيان عن أهل الطب أنّهم قالوا إنّه جماجم يخرج من عين في بحر أكبرها وزنه ألف مثقال و الظاهر اتفاق الأصحاب على وجوب الخمس فيه و يدلّ عليه الرّواية المتقدّمة في المسألة السّابقة و اختلفوا في مقدار نصابه فذهب الأكثر إلى أنه إن أخرج بالغوص روعي فيه مقدار دينار كما في الغوص و إن أخذ من وجه الماء أو من السّاحل كان له حكم المعادن و عن المفيد في المسائل الغرية أنّه نصابها عشرون دينارا و ظاهر الشيخ في النهاية وجوب الخمس فيه من غير اعتبار نصاب و لعلّه أقرب لانتفاء ما يدلّ على تعميم اعتبار الدّينار فيما يخرج بالغوص و عدم صدق اسم المعدن على ما يؤخذ من وجه الماء
و الخمس واجب أيضا فيما يفضل عن مئونة سنة له و لعياله من أرباح التجارات و الصناعات و الزّراعات و في المعتبر و المنتهى و جميع الاكتسابات و هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب و نسبه في المعتبر إلى كثير من علمائنا و في المنتهى إلى علمائنا أجمع و نقل عن ابن الجنيد أنّه قال و أمّا ما استفيد من ميراث أو كدّ يد أو صلة أو ربح تجارة أو نحو ذلك فالأحوط إخراجه لاختلاف الرّواية في ذلك و لو لم يخرجه الإنسان لم يكن كتارك الزكاة التي لا خلاف فيها إلا أن يوجب ذلك من لا يسمع خلافه ممّا يحتمل تأويلا و لا يرد عليه رخصة في ترك إخراجه
و ظاهر كلامه العفو عن هذا النّوع و في البيان و ظاهر ابن الجنيد و ابن أبي عقيل العفو عن هذا النّوع و أنه لا خمس فيه و الأكثر على وجوبه و هو المعتمد لانعقاد الإجماع عليه في الأزمنة السّابقة لزمانهما و اشتهار الروايات فيه انتهى احتج الموجبون بقوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ و الآية و فيه نظر لأن الغنيمة لا يشمل الأرباح لغة و عرفا على أن المتبادر من الغنيمة الواقعة في الآية غنيمة دار الحرب كما يدل عليه سوق الآيات السّابقة و اللّاحقة و بالأخبار
منها ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن سنان في الضعيف قال قال أبو عبد اللّٰه٧على كل امرئ غنم أو اكتسب الخمس مما أصاب لفاطمة٧و لمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها الحجج على الناس فذلك لهم خاصّة يصنعونه حيث شاءوا و حرّم عليهم الصدقة حتى الخياط ليخيط قميصا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق إلا من أحللناه من شيعتنا لتطيب لهم به الولادة إنه ليس شيء عند اللّٰه يوم القيامة أعظم من الزنا إنّه ليقوم صاحب الخمس فيقول يا رب سل هؤلاء بما أبيحوا
و ردّ هذه الرواية بضعف السند لأن من جملة رجالها عبد اللّٰه ابن القاسم الحضرمي و قال النجاشي إنه كان كذابا يروي عن الغلاة لا خير فيه و لا يعتد بروايته و العجب أن المصنف وصفها بالصحة و بأن ظاهرها اختصاص الخمس بالأئمة٧و هو خلاف المعروف من مذهب الأصحاب و فيه بحث سيجيء بيانه و عن حكم مؤذن بني عبيس في الضعيف عن أبي عبد اللّٰه٧قال قلت له و اعلموا أنما غنمتم من شيء فإن للّه خمسه و للرسول الآية قال هي و اللّٰه الإفادة يوما بيوم إلا أن أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكوا
و رواه الكليني عن حكم في الضعيف أيضا و ردّ بضعف السند لاشتماله على عدة من الضعفاء و المجاهيل و في الصحيح إلى محمد بن الحسن الأشعري و هو مجهول قال كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني أخبرني عن الخمس أ على جميع ما يستفيد الرّجل من قليل و كثير من جميع الضروب و على الضّياع فكيف ذلك فكتب بخطه الخمس بعد المئونة و رد بجهالة الراوي
و عن علي بن مهزيار في الصحيح قال قال لي أبو علي بن راشد قلت له أمرتني بالقيام بأمرك و أخذ حقّك فأعلمت مواليك بذلك فقال لي بعضهم و أي شيء حقه فلم أدر ما أجيبه فقال يجب عليهم الخمس فقلت في أي شيء فقال في أمتعتهم و ضياعهم قلت فالتاجر عليه و الصانع بيده فقال ذلك إذا أمكنهم بعد مئونتهم ورد بأنه يقتضي اختصاص الخمس بالأئمة٧و هو خلاف المعروف من مذهب الأصحاب و فيه تأمّل و بأن راويها لم يوثق في كتب الرجال صريحا
و فيه نظر لأن الشيخ وثقه في كتاب الرجال و منهم من عد الخبر حسنا و ليس بشيء و لا عن ريان بن الصلت في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال كتبت إلى أبي عبد اللّٰه٧ما الذي يجب علي يا مولاي في غلّة رحى في أرض قطيعة لي و في ثمن سمك و بردي و قصب أبيعه من أجمة هذه القطيعة فكتب يجب عليك فيه الخمس إن شاء اللّٰه قال و في القاموس القطيعة كشريعة الهجران و محال ببغداد أقطعها المنصور أناسا من أعيان دولته ليعمروها و يسكنوها و سمي تلك المحال بعينها ثم قال و أقطعه قطيعة أي طائفة من أرض الخراج
قال في المنتهى بعد نقل ذلك عن القاموس و غير خفي أن لفظ الحديث محتمل للمعنيين و المناسب للأوّل في تركيبه الإضافة و للثاني الاتباع على الوصفية أو البدلية و يتبعه في الاحتمال متعلق الجار في قوله لي و التقييد بالقطيعة على جميع الاحتمالات لبيان الواقع لا لخصوصية في غلتها كما قد يتوهّم بذلك يشهد صدق التأمّل فلا مجال للتشكيك في دلالته على ثبوت الخمس في الغلات من هذه الجهة انتهى كلامه و هو حسن و عن علي بن مهزيار في الصحيح قال كتب إليه أبو جعفر٧و قرأت أنا كتابه إليه في طريق مكة قال الّذي أوجب في سنتي هذه و هذه سنة عشرين و مائتين فقط لمعنى من المعاني أكره تفسير المعنى كلّه خوفا من الانتشار و ما فسر لك بعضه إن شاء اللّٰه أن موالي أسأل اللّٰه صلاحهم أو بعضهم قصروا فيما يجب عليهم فعلمت ذلك فأحببت أن أطهرهم و أزكيهم بما فعلت في عامي هذا من أمر الخمس قال اللّٰه تعالى خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلٰاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَ اللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقٰاتِ وَ أَنَّ اللّٰهَ هُوَ التَّوّٰابُ الرَّحِيمُ وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلىٰ عٰالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهٰادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ و لم أوجب ذلك عليهم في كلّ عام و لا أوجب عليهم إلا الزكاة التي فرضها اللّٰه تعالى عليهم و إنما أوجب عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب و الفضة التي قد حال عليها الحول و لم أوجب ذلك عليهم في آنية و لا متاع و لا دواب و لا خدم و لا ربح ربحه في تجارة و لا ضيعة إلا ضيعة مسافر لك أمرها تخفيف مني عن موالي و ما مني عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم و لما ينويهم في ذاتهم فأما الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام قال اللّٰه تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فالغنائم و الفوائد يرحمك اللّٰه فهي الغنيمة يغنمها المرء و الفائدة يفيدها و الجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر و الميراث الذي لا يحتسب من غير أب و لا ابن و مثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله و مثل مال يوجد لا يعرف له صاحب و من ضرب ما صار إلى موالي من أموال الحزمية و الفسقة فقد علمت أن أموالا عظاما صارت إلى قوم من موالي فمن كان عنده من ذلك فليتوصل إلى وكيلي و من كان نائيا بعيد الشقة فليتعمل لإيصاله و لو بعد حين فإن نية المؤخر من عمله فأما الذي أوجب من الضياع و الغلات في كلّ عام فهو نصف السدس ممن كانت ضيعته تقوم بمئونته و من كانت ضيعته لا يقوم بمئونته فليس عليه نصف سدس و لا غير ذلك
و قد ذكر بعض الأصحاب في هذا المقام بحث أ يعجبني أن أنقله بتمامه قال على ظاهر هذا الحديث عدة إشكالات ارتاب منها فيه بعض الواقفين عليه و نحن نذكرها مفصّلة ثم نحلها بما يزيل عنه الارتياب بعون اللّٰه سبحانه و مشيته الإشكال الأول أن المعهود المعروف من أحوال الأئمّة٧أنهم خزنة العلم و حفظة الشرع يحكمون فيه بما استودعهم الرسول و أطلعهم عليه و أنهم لا يغيرون الأحكام بعد انقطاع الوحي و انسداد باب النسخ فكيف يستقيم قوله في هذا