ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٦٢٥
لما دخل عليك في إحرامك مما لا يعلم
المقصد الثاني في الطّواف
و هو ركن
يبطل الحج بتركه عمدا لا خلاف في وجوب الطواف و قد مر ما يصلح أن يكون حجة على ذلك في بحث أقسام الحج بتركه عمدا كما يعلم من كلام المصنف و غيره من الأصحاب و يدل على ركنية الطواف في الحج أنه قد ثبت بالأخبار السابقة في شرح أقسام الحج أن الطواف معتبر في ماهية الحج فالاختلال به موجب لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه فبقي التكليف باقيا بحاله إلى أن يحصل الخروج عن عهدته
و استدل عليه بعضهم بما رواه الشيخ عن علي بن يقطين في الصحيح قال سألت أبا الحسن٧عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف الفريضة قال إن كان على وجه الجهالة في الحج أعاد و عليه بدنة و روى الصدوق عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن٧أنه سأل عن رجل سها أن يطوف بالبيت الحديث و روى الشيخ عن حماد بن عيسى في الصحيح عن علي ابن أبي حمزة قال سئل عن رجل جهل أن يطوف بالبيت حتى يرجع إلى أهله قال إن كان على جهة الجهالة أعاد الحج و عليه بدنة و فيه نظر لاختصاص هذه الأخبار بغير العامد و الاستدلال بها على حكم العامد لا طريق إلى توجيهه إلا بدعوى الأولوية و هو يحتاج إلى تحقق علة الحكم و بيان أولوية في الفرع و ذلك في معرض الإشكال
و اعلم أن إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في هذا الحكم بين طواف الحج و طواف العمرة و كذا إطلاق العبارة يقتضي شمول الحكم لطواف النساء لكن الظاهر أنه ليس بمراد إذ قد ذكر في غير واحد من كتبه ما يدل على عدم بطلان الحج بتركه و ذكر الشهيد الثاني أن طواف النساء ليس بركن إجماعا و قال الشهيد في الدروس كل طواف واجب ركن إلا طواف النساء و يمكن الاستدلال على هذا الحكم بقول الصادق٧في صحيحة معاوية بن عمار و حسنته السابقتين في بحث أقسام الحج عند شرح قول المصنف و القارن كذلك و طواف بعد الحج و هو طواف النساء و قوله٧في صحيحة الحلبي السابقة هناك و طواف بالبيت بعد الحج فإن مقتضى كونه بعد الحج خروجه عن ماهيته لكن لا يثبت بذلك عموم الحكم بالنسبة إلى جميع أقسام الحج و بالنسبة إلى العمرة مع أن مقتضى الدليل الذي ذكرنا على حكم طواف الفريضة تحقق البطلان بترك طواف النساء أيضا إلا أن يثبت الإجماع على عدم القائل بالفصل بين أقسام الحج و بين الحج و العمرة و فيه من الإشكال ما لا يخفى
و استدل عليه بعضهم بما رواه ابن بابويه عن أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز في الصحيح قال كنت عند أبي عبد اللّٰه٧فدخل رجل عليه فقال أصلحك اللّٰه إن معنا امرأة حائضا و لم تطف طواف النساء و يأبى الجمال أن يقيم عليها قال فأطرق و هو يقول لا يستطيع أن يتخلف عن أصحابها و لا يقيم عليها جمالها ثم رفع رأسه إليه فقال تمضي فقد تم حجها و فيه نظر لأن المستفاد من هذا الخبر تمام حجها عند الاضطرار و لا يدل على ذلك في حال الاختيار
و استدل عليه بعضهم بما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار في الموثق قال لو لا ما من اللّٰه على الناس من طواف الوداع لرجعوا إلى منازلهم و لا ينبغي لهم أن يمسوا نساءهم يعني لا يحل لهم النساء حتى يرجع فيطوف بالبيت أسبوعا آخر بعد ما يسعى بين الصفا و المروة و ذلك على النساء و الرجال واجب توجيه الدلالة أنّ الاكتفاء بإعادة الطواف حسب إنما يقتضي صحة الحج و إلا لكان الواجب إعادة الحج و فيه نظر لأن المستفاد منه حكم الجهال المخالفين فلا ينسحب في غيرهم إلا بدليل قال بعض الأصحاب
و يتحقق ترك الطواف في الحج بخروج ذي الحجة قبل فعله و في عمرة التمتع بضيق وقت الوقوف إلا عن التلبس بالحج قبله و في العمرة المفردة المجامعة لحج الإفراد أو القران بخروج السّنة بناء على وجوب إيقاعها فيها لكنه غير واضح و في المجردة إشكال إذ يحتمل وجوب الإتيان بالطواف فيها مطلقا لعدم التوقيت و البطلان بالخروج عن مكة بالإعراض عن فعله انتهى و احتمل بعض الأصحاب تحقق الترك في الجميع بنية الإعراض عنه و الشروع في نسك آخر بحيث يعد تركا عرفا و أن يراد به خروجه من مكة بنية الترك و فيه نظر إذ مع بقاء الوقت يمكن الإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب شرعا فلا يحصل الترك المقتضي للبطلان
و اعلم أنهم قطعوا بأن الجاهل كالعامد في الحكم المذكور نص عليه الشيخ و غيره و يدل عليه صحيحة علي بن يقطين و رواية علي بن أبي حمزة السابقتان و مقتضاهما وجوب البدنة أيضا على الجاهل و في وجوبها على العالم وجهان أقربهما العدم للأصل السالم عن المعارض و تنظر فيه في الدروس نظرا إلى الأولوية و فيه تأمّل و إذا بطل الحج بترك الركن كالطواف مثلا ففي حصول التحلل بمجرد ذلك أو البقاء على إحرامه إلى أن يأتي بالفعل الفائت في محله بأن يكون إطلاق اسم البطلان عليه مجازا إذ حصول التحلل بأفعال العمرة أوجه و بالأخير قطع المدقق الشيخ علي
و يقضيه أي الطواف في السّهو و لو بعد قضاء المناسك و لو تعذر قضاؤه بنفسه استناب هذا الحكم مشهور بين الأصحاب مقطوع به في كلامهم من غير نقل خلاف لكن ذكر الشيخ في التهذيب و من نسي طواف الحج حتى يرجع إلى أهله قال عليه بدنة و إعادة الحج من قابل و هو المستفاد من كلامه في الإستبصار و الأول أقرب لما رواه الشيخ عن علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى٧قال سألته عن رجل نسي طواف الفريضة حتى قادم بلاده و واقع النساء كيف يصنع قال يبعث بهدي و إن كان تركه في حج بعث به في حج و إن كان تركه في عمرة بعث به في عمرة و كل من يطوف عنه ما ترك من طوافه و المستفاد من الرواية حكم من ترك الطواف حتى قدم بلاده
و الاستدلال به على عموم الدعوى يحتاج إلى ضميمة و الحكم فيه شامل لطواف الحج و العمرة و طواف النساء و حملها الشيخ على طواف النساء حيث استدل على ما ذهب إليه من البدنة و وجوب الإعادة بصحيحة علي بن يقطين و رواية علي بن أبي حمزة ثم نقل هذه الرواية فحملها على ما ذكر محتجا عليه بما رواه الكليني عن معاوية بن عمار في الحسن قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧رجل نسي طواف النساء حتى دخل أهله قال لا يحل له النساء حتى يزور بالبيت و قال يأمر من يقضي عنه إن لم يحج فإن توفي قبل أن يطاف عنه فليقض عنه وليه أو غيره و الشيخ نقل هذه الرواية عن الكليني لكن أدخل في سنده ما يجعلها مرسلا و الصحيح ما في الكافي
و فيه نظر لعدم دلالة الخبرين على حكم الناسي و عدم المنافاة بينهما و بين صحيحة علي بن جعفر حتى يحتاج إلى التأويل و عدم دلالة حسنة معاوية على ما ذكرنا من التأويل و تصدى بعض المحققين من متأخري أصحابنا لتوجيه كلام الشيخ و قال مبنى كلام نظر الشيخ في هذا المقام على أن الجهل و النسيان فيه سواء
و تقريب القول في ذلك أن وجوب إعادة الحج على الجاهل يقتضي مثله في الناسي إما بمفهوم الموافقة بشهادة الاعتبار بأن التقصير في مثل هذا النسيان أقوى منه في الجهل أو لأن أعذار كل منهما على خلاف الأصل لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه فيبقى في العهدة و لا يصار إلى الأعذار إلا عن دليل واضح و قد جاء الخبران على وفق مقتضى الأصل في صورة الجهل فتزداد الحاجة في العمل بخلافه في صورة النسيان إلى وضوح الدليل و التتبع و الاستقراء يشهدان بانحصار دليله في حديث علي بن جعفر و جهة العموم فيه ضعيفة و احتمال العهد الخارجي ليس بذلك البعيد عنه و في ذكر مواقعة النساء نوع إيماء إليه فإن الدليل الواضح الصالح لا يعول عليه في إثبات هذا الحكم المخالف للأصل
و الظاهر المحوج إلى التفرقة بين الأشباه و النظائر و الوجه في إيثار ذكر النسيان و الإعراض عن التعرض للجهل بعد ما علم من كونه مورد النص زيادة الاهتمام ببيان الاختلاف بين طواف الحج و طواف النساء في هذا الحكم و رفع توهم الاشتراك فيه و اتفق ذلك في كلام المفيد فاقتفى الشيخ أثره و ليس الالتفات إلى ما حررناه بعيد عن نظر المفيد و لخفائه لتلبس الأمر على كثير من المتأخرين فاستشكلوا كلام الشيخ و اختاروا العمل بظاهر صحيحة علي بن جعفر إلا أن جماعة منهم تأولوا حكم الهدي فيه بالحمل على حصول الموافقة بعد الذكر لئلا ينافي القاعدة المقررة في حكم الناسي و أن الكفارة لا تجب عليه في غير الصّيد و يضعف بأن عموم النّص هناك قابل للتخصيص بهذا فلا حاجة إلى التكلف في دفع التنافي بالحمل على ما قالوه و في مشهوري أخبار السّعي ما يساعد على هذا التخصيص
و لبعض الأصحاب فيه كلام يناسب ما ذكرنا في توجيه كون التقصير وقوع في مثل هذا النسيان أقوى منه في الجهل و في الدروس روى علي بن جعفر أن ناسي الطواف يبعث بهدي و يأمر من يطوف عنه و حمله الشيخ على طواف النساء و الظاهر أن الهدي ندب و إذ قد أوضحنا الحال من الجانبين بما لا مزيد عليه فلينظر الناظر في أرجحهما و ليصر إليه و الذي يقوى في نفسي مختار الشيخان و العجب من ذهاب بعض المتأخرين إلى الاكتفاء بالاستنابة في استدراك الطواف و إن أمكن العود أخذا بظاهر حديث علي بن جعفر مع وضوح دلالة الأخبار السابقة في نسيان طواف النساء على اشتراط الاستنابة بعدم القدرة على المباشرة و إذا ثبت ذلك في طواف النساء فغيره أولى بالحكم كما لا يخفى على منعم النظر انتهى كلامه أعلى اللّٰه مقامه
و عندي أن ما ذكره في توجيه كلام الشيخ