ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٦٨٦
من مكّة و إن خرجت نصف اللّيل فلا يضرّك أن تصبح بغيرها قال و سألته عن رجل زار عشاء فلم يزل في طوافه و دعائه و في السعي بين الصّفا و المروة حتى يطلع الفجر قال ليس عليه شيء كان في طاعة اللّٰه
و ما رواه الصدوق عن جعفر بن ناجية أنّه قال إذا خرج الرّجل من منى أوّل اللّيل فلا ينتصف له اللّيل إلا و هو بمنى و إذا خرج بعد نصف اللّيل فلا بأس أن يصبح بغيرها و ما رواه الكليني عن عبد الرحمن الغفار الجازي قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل خرج من منى يريد البيت قبل نصف اللّيل فأصبح بمكّة فقال لا يصلح له حتّى يتصدّق بها صدقة أو يهريق دما فإن خرج من منى بعد نصف اللّيل لم يضرّه شيء
و ما رواه الشيخ عن علي عن أبي إبراهيم٧قال سألته عن رجل زار البيت فطاف بالبيت و بالصّفا و المروة ثم رجع فغلبته عينه في الطّريق فنام حتى أصبح قال عليه دم شاة و عن أبي الصّباح الكناني قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الدلجة إلى مكة أيّام منى و أنا أريد أن أزور البيت فقال لا حتّى ينشقّ الفجر كراهية أن يبيت الرّجل بغير منى و ينبغي التنبيه على أمور
الأول ذكر بعض الأصحاب أنّه يجب في البيتوتة بمنى النيّة مقارنة لأوّل اللّيل بعد تحقّق الغروب و قصد الفعل و هو المبيت تلك اللّيلة و تعيين الحج و الوجه و القربة و الاستدامة الحكمية و الكلام في تحقق النّية و القدر المعتبر منها قد ظهر من المباحث السّابقة و يستفاد من هذا الكلام وجوب البيتوتة من أوّل دخول البيت و كان الحجة عليه الأخبار الدّالة على المنع من البيتوتة في غيرها إلّا ما يستثنى و البيتوتة تصدق بمسمى الكون في اللّيل قال في القاموس و من أدركه الليل فقد بات و في الصّحاح بات يفعل كذا إذا فعله ليلا كما يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا
الثاني يستفاد من مفهوم صحيحة محمّد بن مسلم و صحيحة جميل أن من خرج من منى بعد خروج [غروب] الشّمس لم يجب عليه الإصباح بها و الجمع بين الأخبار يقتضي أن يقال المفهوم غير معتبر هاهنا بل تقييد الحكم في الخبرين بما قبل غروب الشّمس إنّما هو مبني على المتعارف حيث يخرجون في اليوم للطّواف
الثالث المستفاد من الصّحيحتين المذكورتين و صحيحة عيص أن من خرج إلى مكة قبل غروب الشّمس يكفيه العود بمنى بحيث يصبح فيها و المستفاد من صحيحة معاوية بن عمّار و حسنته أن من خرج من منى أوّل اللّيل عليه أن ينتصف اللّيل فيها و لا يمكن الجمع بالفرق بين من خرج قبل غروب الشّمس كما في الصحيحتين و بين من خرج أوّل اللّيل كما في روايتي ابن عمّار لأنّ هذا الفرق مع أن الظّاهر أنّه لم يقل به أحد لا يجري نظرا إلى صحيحة عيص
فيمكن الجمع بين الأخبار بحمل الأخيرتين على من لم يشتغل بالنّسك و ما يعارضها على من كان مشتغلا بالعبادة فإن المشتغل بالعبادة يستحب له أن يصبح بمنى كما دلت صحيحة صفوان عليه و يشكل هذا نظرا إلى أن حمل الروايتين على غير المشتغل بالنسك يقتضي جواز توقّفه في غير منى إذا أتاها قبل نصف اللّيل و هو مشكل نظرا إلى ما دل على المنع من البيتوتة في غيرها بناء على أن البيتوتة تصدق بمطلق الكون في اللّيل
و يبقى في المقام إشكال آخر و هو أنّه يستفاد من غير واحد من الأخبار أنّه يكفي الخروج من مكة بعد الفراغ من الزيارة و لا يجب إتيان منى و هو ينافي المنع من البيتوتة في غيرها فمما يدلّ على ذلك صحيحة معاوية بن عمّار و حسنته المذكورتان و ما رواه الشّيخ عن محمّد بن إسماعيل في الصّحيح عن أبي الحسن٧في الرّجل يزور فينام دون منى فقال إذا جاز عقبة المدنيين فلا بأس أن ينام
و رواه الكليني مرسلا و عن جميل بن درّاج في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال من زار فنام في الطّريق فإن بات بمكّة فعليه دم و إن كان قد خرج منها فليس عليه شيء و إن أصبح دون منى و ما رواه الصدوق عن هشام بن بن الحكم في الصّحيح و الكليني عنه في الحسن عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا زار الحاجّ من منى فخرج من مكّة فجاز بيوت مكّة فنام ثم أصبح قبل أن يأتي منى فلا شيء عليه
و ما رواه الكليني عن جميل بن درّاج في الحسن عن بعض أصحابنا في رجل زار البيت فنام في الطريق قال إن بات بمكة فعليه دم و إن كان قد خرج منها فليس عليه شيء و لو أصبح دون منى
الرابع ذكر الشّيخ و كثير من الأصحاب أنّه رخّص للرعاة المبيت في منازلهم و ترك المبيت بمنى ما لم تغرب الشّمس عليهم بمنى و ذكر في المنتهى أنه لا يعلم خلافا في الترخّص و نقل في التذكرة الإجماع عليه و كذا أهل سقاية العبّاس و إن غربت الشمس عليهم بمنى و من اضطر إلى الخروج من منى لخوف على النّفس أو المال المضر فوته أو لتمريض مريض أو نحو ذلك و يظهر من المنتهى الاتّفاق عليه و استقرب في التذكرة أن رخصة السّقاية لا يختصّ بالعبّاسيّة
و يجوز النفر يوم الثاني عشر بعد الزّوال لمن اتقى النساء و الصيد في إحرامه و هذا الحكم لا أعرف فيه خلافا بين الأصحاب و ذكر في المنتهى أنّه مجمع عليه بين العلماء كافّة و الأصل فيه قوله تعالى وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقىٰ و هاهنا سؤال و هو أن المتأخّر قد استوفى ما عليه من العمل فلا يكون مظنّة لتعلّق الإثم به فكيف ورد في حقّه فلا إثم عليه
و أجيب عنها بوجوه منها أن الرّخصة قد تكون عزيمة كما في القصر فلمكان هذا الاحتمال رفع الحرج في الاستعجال و التأخّر دلالة على التخيير بين الأمرين و منها أنّ أهل الجاهليّة كانوا فريقين منهم من يزعم أن المتأخر آثم و منهم من يزعم أن المتقدم آثم فرد اللّٰه تعالى على الفريقين و منها أن نفي الإثم عن المتأخّر ناظر إلى من زاد على مقام ثلاثة أيّام فكأنّه قيل من نقص عن الثلاثة فلا إثم عليه و من زاد عليها أو نفر مع النّاس فلا إثم عليه و منها أنّه من باب رعاية المقابلة و المشاكلة مثل جزاء سيئة سيّئة مثلها بل هاهنا أولى
و منها أنّ المراد دفع التوهم الحاصل من دليل الخطاب حتى لا يتوهم ثبوت الإثم للمتأخّر و قد أشار إليه الصّادق٧في صحيحة أبي أيوب الآتية و منها أن معناه رجع مغفورا لا ذنب عليه تقدم أو تأخر و يدلّ عليه غير واحد من الروايات منها صحيحة الحلبي و محمّد بن مسلم و حسنة الحلبيّ السّابقتان في بحث محرّمات الإحرام في بحث تحريم الجدال
و منها ما رواه الكليني عن عبد الأعلى قال قال أبو عبد اللّٰه٧كان أبي يقول من أمّ هذا البيت حاجّا أو معتمرا مبرّأ من الكبر رجع من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمّه ثم قرأ فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه و من تأخّر فلا إثم عليه لمن اتّقى قلت ما الكبر قال قال رسول اللّٰه٦إن أعظم الكبر غمص الخلق و سفه الحق قد يجهل الحقّ و يطعن على أهله و من فعل ذلك نازع اللّٰه رداءه
و في الفقيه و سئل الصادق٧عن قول اللّٰه عز و جل فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ قال ليس هو على أنّ ذلك واسع إن شاء صنع ذا و إن شاء صنع ذا لكنّه يرجع مغفورا لا إثم عليه و لا ذنب له
و روى الكليني في الموثّق إلى إسماعيل بن نجيح الرماح قال كنا عند أبي عبد اللّٰه٧بمنى ليلة من الليالي فقال ما يقول هؤلاء فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه و من تأخر فلا إثم عليه قلنا ما ندري قال بلى يقولون من تعجّل من أهل البادية فلا إثم عليه و من تأخّر من أهل الحضر فلا إثم عليه و ليس كما يقولون قال اللّٰه عز و جلّ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ ألا لا إثم عليه لمن اتقى إنّما هي لكم و النّاس سواء و أنتم الحاج
و عن سفيان بن عيينة عن أبي عبد اللّٰه٧قال سأل رجل أبي بعد منصرفه من الموقف فقال أ ترى يخيب اللّٰه هذا الخلق كلّه فقال أبي ما وقف بهذا الموقف أحد إلا غفر اللّٰه له مؤمنا كان أو كافرا إلّا أنهم في مغفرتهم على ثلاث منازل مؤمن غفر اللّٰه له ما تقدّم من ذلك و ما تأخّر و أعتقه من النّار و ذلك قوله عز و جلّ رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ أُولٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّٰا كَسَبُوا وَ اللّٰهُ سَرِيعُ الْحِسٰابِ و منهم من غفر اللّٰه له ما تقدّم من ذنبه و قيل له أحسن فيما بقي من عمرك و ذلك قوله عزّ و جل فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ إلى آخره يعني من مات قبل أن يمضي فلا إثم عليه و من تأخّر فلا إثم عليه لمن اتقى الكبائر
و أمّا العامة فيقولون فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه يعني في النّفر الأول و من تأخّر فلا إثم عليه يعني لمن اتقى الصيد أ فترى أن الصّيد إنّما يحرمه اللّٰه بعد ما أحلّه في قوله عز و جلّ وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا و في تفسير العامّة معناه فإذا حللتم فاتقوا الصّيد و كافر وقف بهذا الموقف يريد زينة الحياة الدّنيا غفر اللّٰه له من ذنبه إن تاب من الشّرك فيما بقي من عمره و إن لم يتب وفاه أجره و لم يحرمه أجر هذا الموقف و ذلك قوله عزّ و جل مَنْ كٰانَ يُرِيدُ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ