ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٦٧١
يقنع قنوعا و قناعة إذا سأل و منه الحديث القناعة كنز لا ينفد لأن الإنفاق لا ينقطع كلّما تعذر عليه شيء من أمور الدنيا قنع بما دونه و رضي به و منه الحديث الآخر عز من قنع و ذلّ من طمع لأن القانع لا يذلّه الطلب فلا يزال عزيزا و في النّهاية المعتر هو الّذي يتعرض للسؤال من غير طلب و في الدّروس فالقانع السائل و المعتر غير السائل و تفسير القانع بالسائل و المعتر بغير السّائل منقول عن الحسن و سعيد بن جبير و هو المذكور في تفسير علي بن إبراهيم
و يدل عليه رواية الحلبي و عن ابن عباس و مجاهد و قتادة أن القانع الراضي بما عنده و بما يعطى من غير سؤال و المعتر المعترض بالسؤال و روى العرني عن ابن عباس القانع الذي لا يعرض و لا يسأل و المعتر الذي يريك نفسه فيعرض و لا يسأل و بما ذكرنا يظهر أن القانع له معنيان
و المستفاد من أكثر الأخبار المذكورة أن المراد في الآية الراضي بما يعطى و من رواية الحلبي أنه بمعنى السّائل و يمكن أن يقال لو أعطي السائل الراضي حصل امتثال الجميع إذ ليس في الرّوايات الدالة على أن المراد به الراضي اعتبار عدم السؤال فيكون بين المعنيين عموم و خصوص لكن ظاهر القاموس التباين بين المعنيين و كذا ما نقل من تفسير جماعة من المفسرين و التعويل على الرّوايات المذكورة الدالة على أن القانع الذي يرضى بما يعطى من غير اعتبار السؤال و عدمه
وجه الاستدلال بالآيتين على ما ذكرنا أنّه تعلّق الأمر في الآية الأولى بالأكل و إعطاء الفقير و في الثّانية بالأكل و إعطاء القانع و المعتر و ظاهر الأمر الوجوب و إن كان القول بأن الأمر بالأكل في الآيتين للإذن و ليس للوجوب و الاستحباب لأن أهل الجاهلية كانوا يحرمونها على نفوسهم مشهور في كتب التفاسير و هو ظاهر أكثرهم و لا دليل يقتضي العدول عن الظاهر و الامتثال إنّما يحصل بما ذكرنا إذ ليس في الآية تعيينا لقدر المأكول و المعطى فيحصل الامتثال بالمسمّى و لا تعارض بين الآيتين حتى يقع الاحتياج إلى الجمع بينهما تقييد أحدهما بالآخر أو الحمل على التخيير إذ ليس في شيء منهما حصر الواجب و لو قلنا بأنّ الحصر يفهم منهما بحسب الظاهر لا لاحتياج حاصل إلى التأويل و ما ذكرنا من الحمل على عدم إرادة الحصر أقرب من التأويلين المذكورين لا يقال المذكور في الآية أعمّ من الهدي الواجب و المتبرع بها و ليس الأكل و الإطعام من المندوب واجبا فلا بدّ من صرف الآية عن ظاهرها و ليس حمل الأمر على الاستحباب يعد من تخصيص الهدي بالواجب لأنّا نقول حمل الأمر على الوجوب و تخصيص الهدي بالواجب أقرب لكون المقصود الأصلي حجة الإسلام الواجبة على أهل الآفاق و هي الغرض الأعظم المقصود بالذكر المتبادر إلى الذّهن و حال غيرها يعلم بالمقايسة على أن تحصيل البراءة اليقينية من التكليف الثّابت يقتضي المصير إلى ما ذكرنا لو فرض تساوي التأويلين
و أمّا عدم وجوب الزّائد على ما ذكرنا فلظاهر موثقة معاوية بن عمّار فإن الاكتفاء بما ذكر فيه في مقام البيان يقتضي عدم وجوب الزائد و يعضده الأصل و الاختلاف الواقع في كمية التثليث في أخباره فإنّ مقتضى صحيحة سيف إطعام ثلث للأهل و ثلث للقانع و المعتر و ثلث للفقراء و فيه منافاة بحسب الظاهر لما يستفاد من موثقة شعيب و هو أكل الثلث و إهداء الثلث و التصدق بالثلث لأن الظّاهر من الإهداء أن يهدى إلى الغني و يعبر في القانع و المعتر بحسب الظاهر نوع فقر و لو صدق على الغني أيضا لكن الشائع المتبادر منهما من فيه نوع فقر و أيضا ليس في الأوّل حديث الأكل و في الثاني إطعام الأهل و الظاهر أن المراد بأكل الثلث تحصيل المسمّى و إمساك الباقي لنفسه و أهله إذ لكل شخص واحد ثلث من البدنة في زمان قليل حيث ثبت عدم جواز إخراج شيء منهما من منى غير معتاد و يدلّ عليه فعل النبي٦كما مر في الأخبار السّابقة و أن عدم ذكر الأكل في صحيحة سيف مبني على حصول الغيبة لكمال الظّهور و الشهرة بين الناس و بهذا ترتفع المنافاة بين الخبرين من الجهة الأخيرة و حديث أبي الصباح الكناني أيضا يقتضي عدم وجوب الإهداء كما لا يخفى
و بالجملة لا يمكن الاستدلال على وجوب تثليث القسمة على الوجه المشهور بين المتأخرين بصحيحة سيف لعدم دلالتها على الإهداء و اختصاصها لسياق الهدي و عدم ظهور الأمر في أخبارنا في الوجوب و منافاتها لظاهر موثقة معاوية بن عمار فيحمل على الاستحباب و قيل الحمل على الاستحباب متعيّن بالنّسبة إلى الأمر الأوّل أعني إطعام الأهل الثلث إذ لا قائل بوجوبه و كون هذا الأمر للاستحباب قرينة على أن ما بعده كذلك
كذا لا يمكن الاستدلال عليه بموثقة شعيب لبعض ما ذكر مضافا إلى اختصاصها لسياق العمرة و الأحوط اعتبار الإيمان في المستحق و في تعينه إشكال
و يكره
الثور و الجاموس و الموجوء يدلّ على الأول صحيحة أبي بصير السّابقة عند شرح قول المصنف إناثا من الإبل لكنّها مختصة بالتضحية فإن عمّت عم الحكم و إلا كان للتأمّل فيه مجال و أمّا الثاني فلا أعلم نصّا عليه بخصوصه و إجزاؤه مبني على أنّه مع البقر جنس كما تقدم في باب الزكاة و يستفاد من كلام بعض أهل اللغة خلاف ذلك و قد مر في بحث وحدة الهدي ما يدل على إجزائه في التضحية
و أمّا كراهة الموجوء و هو مرضوض الخصيتين حتى تفسدا فقد قطع الأصحاب به و استدلوا عليه بصحيحة محمد بن مسلم و روايات معاوية بن عمار السّابقات عند شرح قول المصنف و لا المهزول و المستفاد منها أفضلية غير الموجوء لا كراهيته بالمعنى المصطلح و لعلّ مراد الأصحاب مجرّد ما ذكرنا
و لو فقد الهدي و وجد الثمن خلفه عند من يذبحه عنه طول ذي الحجة اختلف الأصحاب في هذه المسألة فذهب الصدوقان و الشيخان و المرتضى و أبو الصّلاح و ابن حمزة إلى أن من فقد الهدي و وجد الثّمن خلفه عند من يثق به ليذبح عنه طول ذي الحجّة فإن تعذّر فمن القابل فيه و قال ابن إدريس الأظهر و الأصح أنه إذا لم يجد الهدي و وجد ثمنه لا يلزمه أن يخلفه بل الواجب عليه إذا فقد الهدي الصوم سواء وجد الثمن أم لا و اختاره المحقق و عن ابن الجنيد أنه خير بين الصّوم و بين أن يدع الثمن حتى يشترى عنه و بين الصدقة بالوسطى من قيمة الهدي تلك السنة و الأول أقرب
لنا ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن حريز في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه٧في متمتع يجد الثمن و لا يجد الغنم قال يخلف الثمن عند بعض أهل مكّة و يأمر من يشتري له و يذبح عنه و هو يجزي عنه فإذا مضى ذو الحجّة أخر ذلك إلى قابل من ذي الحجّة و عن أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصّحيح عن النضر بن قرواش قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فوجب عليه النسك فطلبه فلم يصبه و هو موسر حسن الحال و هو يضعف عن الصّيام فما ينبغي أن يصنع قال يدفع ثمن النّسك إلى من يذبحه بمكة إن كان يريد المضي إلى أهله و ليذبح عنه في ذي الحجّة فقلت إنه رفعه إلى من يذبح عنه فلم يصب في ذي الحجّة نسكا و أصابه بعد ذلك قال لا يذبح عنه إلّا في ذي الحجّة و لو أخره إلى قابل و حمل الشّيخ ما رواه عن أبي بصير عن أحدهما٧قال سألته عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي حتى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة أ يذبح أو يصوم قال بل يصوم فإن أيّام الذبح قد مضت على من صام ثلاثة أيّام ثم وجد الثمن معللا بما رواه الكليني عن حماد بن عثمان قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن متمتع صام ثلاثة أيّام في الحج ثم أصاب هديا يوم خرج من منى قال أجزأه صيامه و التأويل الذي ذكره الشيخ لا يخلو عن بعد لكن الوجه الوقوف على مدلول الخبرين
احتج ابن إدريس بأن اللّٰه تعالى نقلنا إلى الصّوم مع عدم الوجدان و النّقل إلى الثّمن يحتاج إلى دليل و الجواب أن الدّليل ما ذكرناه من الخبرين و ما ذكره ابن إدريس مبني على أصله من عدم العمل بأخبار الآحاد
و لو عجز عن الهدي و ثمنه صام عشرة أيام و في المنتهى لا خلاف في ذلك بين العلماء و الأصل فيه قوله تعالى فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كٰامِلَةٌ و المراد بصوم الثلاثة في الحج صومها في بقية أشهر الحجّ و هو شهر ذي الحجّة كما وقع في الأخبار عن أهل البيت : و فائدة قوله تعالى تِلْكَ عَشَرَةٌ كٰامِلَةٌ دفع توهّم كون الواو بمعنى أو التوصّل في ذلك إلى وصف العشرة بكونها كاملة في البدلية مساوية للمبدل في الفضيلة و المعتبر بالقدرة على الثّمن القدرة عليه في موضعه لا في بلده و قال في المنتهى