ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٦٥٤
فلما وقف جعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته فيقفون إلى جانبه فنحاها ففعلوا مثل ذلك فقال أيها الناس إنه ليس موضع أخفاف ناقتي الموقف و لكن هذا كله موقف و أشار بيده إلى الموقف و قال هذا كله موقف و فعل مثل ذلك في المزدلفة فإذا رأيت خللا فتقدم فسده بنفسك و راحلتك فإن اللّٰه عز و جل يحب أن تسد تلك الخلال و انتقل عن الخضاب و اتق الأراك الحديث
و ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح عن محمد بن سماعة الصيرفي عن سماعة بن مهران قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧إذا كثر الناس بمنى و ضاقت عليهم كيف يصنعون قال يرتفعون إلى وادي محسر قلت فإذا كثروا بجمع و ضاقت عليهم كيف يصنعون فقال يرتفعون إلى المأزمين قلت فإذا كانوا بالموقف و كثروا و ضاقت عليهم كيف يصنعون قال يرتفعون إلى الجبل و قف في ميسرة الجبل فإن رسول اللّٰه٦وقف بعرفات فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته و يقفون إلى جانبها فنحاها رسول اللّٰه٦ففعلوا مثل ذلك فقال أيها الناس إنه ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف
و لكن هذا كله موقف و أشار بيده إلى الموقف و قال هذا كله موقف فتفرق الناس و فعل ذلك بالمزدلفة و إذا رأيت خللا فتقدم فسده بنفسك و راحلتك فإن اللّٰه يحب أن تسد تلك الخلال و أسهل عن الهضبات و اتق الأراك و نمرة و هي بطن عرنة و ثوية و ذو المجاز فإنه ليس من عرفة فلا يقف فيه
و يدل على رجحان الوقوف في سفح الجبل ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار في الموثق قال سألت أبا إبراهيم٧عن الوقوف بعرفات فوق الجبل أحب إليك أم على الأرض قال على الأرض و ما رواه الكليني عن مسمع عن أبي عبد اللّٰه٧قال عرفات كلها موقف و أفضل الموقف بسفح الجبل و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا وقفت بعرفات فادن من الهضبات و الهضبات هي الجبال فإن النبي٦قال إن أصحاب الأراك لا حج لهم يعني الذين يقفون تحت الأراك
و يستحب الدعاء له و لوالديه و للمؤمنين بالمنقول هذا هو المشهور قال في المنتهى بعد نقل نبذة من الأدعية مستحبة و ليست بواجبة إنما الواجب الوقوف و لا نعلم في ذلك خلافا و قال في المختلف و عد ابن البراج من أقسام الواجب الذكر للّه تعالى و الصلاة على النبي٦في الموقفين و المشهور الاستحباب و قال في مسألة أخرى قال أبو الصلاح يلزم افتتاحه بالنسبة و قطع زمانه بالدعاء و التوبة و الاستغفار ثم قال و هذا يوهم وجوب هذه الأشياء و الحق أن الواجب المحبة دون وجوب شيء من الأذكار و كذا قال في المشعر و هو اختيار ابن البراج
احتج للأول بالأصل و بما رواه الشيخ عن جعفر بن عامر بن عبد اللّٰه بن خزانة الأزدي قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧رجل وقف بالموقف فأصابه دهشة الناس فبقي ينظر إلى الناس و لا يدعو حتى أفاض الناس قال يجزئه وقوفه ثم قال أ ليس قد صلى بعرفات الظهر و العصر و قنت و دعا قلت بلى قال فعرفات كلها موقف و ما قرب من الجبل فهو أفضل و عن أبي يحيى زكريا الموصلي قال سألت العبد الصالح٧عن رجل وقف بالموقف فأتاه نعي أبيه أو نعي بعض ولده قبل أن يذكر اللّٰه بشيء أو يدعو فاشتغل بالجزع و البكاء عن الدعاء ثم أفاض الناس فقال لا أرى عليه شيئا و قد أساء فليستغفر اللّٰه أما لو صبر و احتسب لأفاض من الموقف بحسنات أهل الموقف جميعا من غير أن ينقص من حسناتهم شيئا
و احتج لابن البراج بالأمر في الآية و الأمر للوجوب و أجيب المنع من الكبرى و على كل تقدير فلا ريب في تأكد رجحان فعل الدعاء و الذكر و الاستغفار في يوم عرفة لأنه يوم عظيم كثير الشرف و البركة و الأدعية المأثورة منها الدعاء المنقول عن الحسين بن علي٧و الدعاء المنقول عن علي بن الحسين زين العابدين٧المذكور في الصحيفة
و روى الكليني عن معاوية بن عمار بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم و الآخر قوي عندي عن أبي عبد اللّٰه٧قال قف بميسرة الجبل و ساق الكلام إلى أن قال فإذا وقفت بعرفات فاحمد اللّٰه و هلله و مجده و أثن عليه و كبره مائة تكبيرة و اقرأ قل هو اللّٰه أحد مائة مرة و تختر لنفسك من الدعاء ما أحببت و اجتهد فإنه يوم دعاء و مسألة و تعوذ باللّٰه من الشيطان فإن الشيطان لن يذهلك في موضع أحب إليه من أن يذهلك في ذلك الموضع و إياك أن تشتغل بالنظر إلى الناس و أقبل قبل نفسك فليكن فيما تقول اللّٰهمّ رب المشاعر كلها فك رقبتي من النار و أوسع علي من الرزق الحلال و ادرأ عني شر فسقة الجن و الإنس اللّٰهمّ لا تمكن بي و لا تخدعني و لا تستدرجني يا أسمع السامعين و يا أبصر الناظرين و يا أسرع الحاسبين و يا أرحم الراحمين أسألك أن تصلي على محمد و آل محمد و أن تفعل بي كذا و كذا
و ليكن فيما تقول و أنت دافع يديك إلى السماء اللّٰهمّ حاجتي التي إن أعطيتنيها لم يضر في ما منعتني و إن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني أسألك خلاص رقبتي من النار اللّٰهمّ إني عبدك و تلك يدك و ناصيتي بيدك و أجلي بعلمك أسألك أن توفقني فيما يرضيك عني و أن تسلم مني مناسكي التي أديتها إبراهيم خليلك صلى اللّٰه عليه و دللت عليها حبيبك محمدا٦و ليكن فيما تقول اللّٰهمّ اجعلني ممن رضيت عمله و أطلت عمره و أحييته بعد الموت حياة طيبة
و عن عبد اللّٰه بن ميمون في الصحيح قال سمعت أبا عبد اللّٰه٧يقول إن رسول اللّٰه٦وقف بعرفات فلما همت الشمس أن تغيب قبل أن يندفع قال اللّٰهمّ إني أعوذ بك من الفقر و من تشتت الأمر و من شر ما يحدث بالليل و النهار أمسى ظلمي مستجيرا بعفوك و أمسى خوفي مستجيرا بأناتك و أمسى ذلي مستجيرا بعزك و أمسى وجهي الفاني مستجيرا بوجهك الباقي يا خير من سئل و يا أجود من أعطى جللني برحمتك و ألبسني عافيتك و اصرف عني شر جميع خلقك قال عبد اللّٰه بن ميمون و سمعت أبي يقول يا خير من سئل و يا أوسع من أعطى و يا أرحم من استرحم ثم سل حاجتك
و روى الشيخ عن عبد اللّٰه بن سنان في الصحيح عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه٧قال قال رسول اللّٰه٦لعلي٧أ لا أعلمك دعاء يوم عرفة و هو دعاء من كان قبلي من الأنبياء : قال تقول لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو حي لا يموت بيده الخير و هو على كل شيء قدير اللّٰهمّ لك الحمد كالذي نقول و خير ما نقول و فوق ما يقول القائلون اللّٰهمّ لك صلاتي و نسكي و محياي و مماتي و لك براءتي و بك حولي و منك قوتي اللّٰهمّ إني أعوذ بك من الفقر و من وساوس الصدر و من شتات الأمر و من عذاب القبر اللّٰهمّ إني أسألك خير الرياح و أعوذ بك من شر ما تجيء به الرياح و أسألك خير الليل و خير النهار اللّٰهمّ اجعل في قلبي نورا و في سمعي و بصري نورا و لحمي و دمي و عظامي و عروقي و مقعدي و مقامي و مدخلي و مخرجي نورا و أعظم لي نورا يا رب يوم ألقاك إنك على كل شيء قدير
و يستحب أن يكثر الإنسان الدعاء لإخوانه المؤمنين و يؤثرهم على نفسه بذلك روى الكليني عن إبراهيم بن هاشم في الحسن به قال رأيت عبد اللّٰه بن جندب بالموقف فلم أر موقفا كان أحسن من موقفه ما زال مادا يده إلى السماء و دموعه تسيل على خديه حتى يبلغ الأرض فلما انصرف الناس قلت يا با محمد ما رأيت موقفا أحسن من موقفك قال و اللّٰه ما دعوت فيه إلا لإخواني و ذلك لأن أبا الحسن موسى٧أخبرني أنه من دعا لأخيه بظهر الغيب نودي من العرش و لك مائة ألف ضعف مثله و كرهت أن أدع مائة ألف ضعف مضمونة لواحد لا أدري يستجاب أم لا
و عن ابن أبي عمير قال كان عيسى بن أعين إذا حج فصار إلى الموقف أقبل على الدعاء لإخوانه حتى يفيض الناس قال فقيل له تنفق مالك و تتعب يديك حتى إذا صرت إلى الموضع الذي تثبت فيه الحوائج إلى اللّٰه عز و جل أقبلت على الدعاء لإخوانك و تركت نفسك قال إني على ثقة من دعوة الملك لي و في شك من الدعاء لنفسي
و عن إبراهيم بن أبي البلاد أن عبد اللّٰه بن جندب قال كنت في الموقف فلما أفضت أتيت إبراهيم بن شعيب فسلمت عليه و كان مصابا بإحدى عينيه و إذا عينه الصحيحة حمراء كأنها علقة دم فقلت له قد أصبت بإحدى عينيك و أنا و اللّٰه مشفق على الأخرى فلو قصرت من البكاء قليلا قال و اللّٰه يا با محمدا دعوت لنفسي اليوم بدعوة فقلت فلمن دعوت قال دعوت لإخواني فإني سمعت أبا عبد اللّٰه٧يقول من دعا أخيه بظهر الغيب وكل اللّٰه عز و جل به ملكا يقول و لك مثلاه فأردت أن أكون أنا أدعو لإخواني و يكون الملك يدعو لي لأني في شك من دعائي لنفسي و