ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٥٣٨
معارضة بما دل على التخيير مع أن دلالتها إنما يتوقف على ثبوت كون الأمر و ما في معناه في أخبار أهل البيت٧حقيقة في الوجوب و هو موضع تأمل كما نبهنا عليه مراد
و أما حجة القول الثالث فلأن الآية مخصصة ببعض الأخبار و نقل عن بعض المفسرين أنه قال في العدول من قوله مسافرين إلى قوله على سفر إيماء إلى أن من مسافر في بعض اليوم لم يفطر لأن لفظ على يدل على الاستيلاء و الاستعلاء فيكون المراد إن كنتم على سفر يعتد به فيعد سفرا و فيه تأمل و الرواية التي احتج بها لهذا القول ضعيف السند جدا لا يصلح لمعارضة غيرها من الأخبار
و أما حجة القول الرابع فلمعارضة الروايات بغيرها و عدم وضوح دلالتها على المقصود و أجيب عن احتجاج المحقق بمنع منافاة العزم على السفر لنية الصوم كما لا ينافيه احتمال طرو المسقط من الحيض و نحوه إذ الذي ينوي الواجب من الصوم و غيره فإنما ينويه مع بقائه على شرائط التكليف و قبل تحقق السفر الموجب القصر يجب الصوم قطعا إذ من الممكن عدم السفر و إن حصل العزم عليه فيجب نيته على هذا الوجه كما هو واضح و المسألة مشكلة لاختلاف الأخبار المتعلقة بها و الظاهر تحقق التخيير مطلقا و رجحان الإفطار إذا خرج قبل الزوال أو خرج مع نية السفر من الليل و ينبغي رعاية الاحتياط في أمثال هذه المواضع و إذا كان شرائط قصر الصلاة و الصوم واحدة
فلا يحل الإفطار حتى يتوارى الجدران و يخفى الأذان و قد مر تحقيق هذه المسألة في كتاب الصلاة إذ الظاهر عدم الفرق بين الصّلاة و الصوم في الحكم المذكور فيكفر لو أفطر قبله مع العلم بالتحريم و هل يسقط بعد تحقق الخفاء و وجوب الإفطار فيه قولان تقدّم الكلام فيه و كذا في وجوب الكفارة على الجاهل خلاف قد مر بيانه و ينبغي التنبيه على أمور الأول كل سفر يجب فيه قصر الصلاة يجب فيه قصر الصوم و بالعكس و مستند ذلك قول المصنف٧في صحيحة معاوية بن وهب هما واحد إذا قصرت أفطرت و إذا أفطرت قصرت و استثني من الكلية الثانية صيد التجارة على قول الشيخ في النهاية و المبسوط فإنه ذهب فيهما إلى أن الصائد للتجارة يقصر صومه و يتم صلاته
قال المحقق في المعتبر و نحن نطالبه بدلالة الفرق و نقول إن كان مباحا قصر فيهما و إلا أثم فيها و استثني من الكلية الثانية السفر في مواضع التخيير في الصلاة فإن تقصير الصّوم هناك متعين الثاني اختلف الأصحاب في جواز السفر في شهر رمضان فذهب الأكثر إلى جوازه و أنه مكروه إلى أن يمضي من الشهر ثلاثة و عشرون يوما و عن أبي الصلاح أنه قال إذا دخل الشهر على حاضر لم يحل له السفر مختارا و الأقرب الجواز مع أفضلية الإقامة
لنا ما رواه ابن بابويه عن العلاء عن محمّد بن مسلم في الصّحيح عن أبي جعفر٧أنه سئل عن الرّجل يعرض له السفر في شهر رمضان و هو مقيم و قد مضى منه أيام فقال لا بأس بأن يسافر و يفطر و لا يصوم قال ابن بابويه و قد روى ذلك أبان بن عثمان عن المصنف٧و طريقه إلى أبان بن عثمان صحيح و ما رواه الكليني عن محمد بن مسلم في الصّحيح عن أحدهما٧في الرجل يشيع أخاه ميسرة يوم أو يومين أو ثلاثة قال إن كان في شهر رمضان فليفطر قلت أيّما أفضل يصوم أو يشيعه قال يشيعه إن اللّٰه عز و جل قد وضعه منه و روى الصّدوق عن الوشاء عن حماد بن عثمان في الحسن قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧رجل من أصحابي جاءني خبره من الأعواض و ذلك في شهر رمضان أتلقاه قال نعم قلت أتلقاه و أفطر قال نعم قلت أتلقاه و أفطر أو أقيم الصوم قال تلقه و أفطر
و رواه الكليني عنه بإسناد فيه ضعف و روى الكليني عن زرارة بإسناد لا يقصر عن الموثقات عن أبي جعفر٧قال قلت الرّجل يشيع أخاه في شهر رمضان اليوم و اليومين قال يفطر و يقضي قيل له فذلك أفضل أو يقيم و لا يشيعه قال يشيعه و يفطر فإن ذلك حق عليه و يدل على أفضلية الإقامة ما رواه ابن بابويه عن الحلبي في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال سألت عن الرجل يدخل شهر رمضان و هو يقيم لا يريد براحا ثم يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أنه يسافر فسكت فسألته غير مرة فقال يقيم أفضل إلا أن يكون له حاجة لا بد من الخروج فيها أو يتخوف على ماله
و رواه الكليني عن الحلبي في الحسن بإبراهيم بن هاشم و في الكافي إلا أن يكون جماعة لا بد من الخروج فيها و ما رواه الشيخ عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه٧قال قلت له جعلت فداك يدخل على شهر رمضان فأصوم بعضه فيجهز في نية في زيارة قبر أبي عبد اللّٰه٧فأزوره فأفطر ذاهبا و جائيا أو أقيم حتى أفطر و أزوره بعد ما أفطر بيوم أو يومين فقال أقم حتى تفطر قلت له جعلت فداك فهو أفضل قال نعم أما تقرأ في كتاب اللّٰه فمن شهد منكم الشهر فليصمه
و ما رواه الشيخ عن الحسين بن مختار في القوي عن أبي عبد اللّٰه٧قال لا تخرج في رمضان إلا الحج أو العمرة أو مال يخاف عليه الفوت أو الزرع بحين حصاده و ما رواه الكليني و الصدوق و الشيخ عن أبي بصير قال سألت أبا عبد اللّٰه٧من الخروج في شهر رمضان قال لا إلا فيما أخبرك به خروج إلى مكة أو غزو في سبيل اللّٰه أو مال يخاف هلاكه أو أخ يريد وداعه و أنه ليس بأخ من الأب و الأم و في التهذيب و الفقيه أو أخا تخاف هلاكه و لعل هذا الخبر مستند أبي الصلاح في القول بالتحريم و هو قاصر عن الدلالة عليه و كيف ما كان فحمله على الكراهة متعين جمعا بين الأدلة و أما انتفاء الكراهة بعد مضي ثلاثة و عشرين يوما من الشهر
و استدل عليه بما رواه الشيخ عن علي بن أسباط عن رجل عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا دخل شهر رمضان فللّه فيه شرط قال اللّٰه تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ و ليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج إلا في حج أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه و ليس له أن يخرج في إتلاف مال غيره فإذا مضت ليلة ثلاث و عشرين فليخرج حيث يشاء و الرواية ضعيفة السند و مقتضاها انتفاء الكراهة في اليوم الثالث و العشرين
النظر الرابع في الاعتكاف
و هو لغة الاحتباس و الإقامة على الشيء بالمكان قال الجوهري عكفه أي حبسه و وقفه يعكفه و يعكفه عكفا و منه قوله تعالى وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً و منه الاعتكاف في المسجد و هو الاحتباس و عكف على الشيء يعكف و يعكف عكوفا أي أقبل عليه مواظبا قال اللّٰه تعالى يَعْكُفُونَ عَلىٰ أَصْنٰامٍ لَهُمْ و عكفوا على الشيء استداروا و نحوه في القاموس و في النهاية الاعتكاف و العكوف فهو الإقامة على الشيء بالمكان و نقل في عرف الشرع إلى معنى آخر أخص من المعنى اللغوي و عرفه الفاضلان بأنه اللبث الطويل للعبادة و في المنتهى و التذكرة أنه اللبث المخصوص للعبادة و في الدروس أنه اللبث في مسجد جامع ثلاثة أيام فصاعدا صائما للعبادة و قيل إنه لبث في مسجد جامع مشروط بالصوم ابتداء و هذه التعريفات لا يخلو من خلل لكن الأمر في ذلك هين
و هو بأصل الشرع مندوب
لا أعلم خلافا في ذلك و يدل على شرعيته قوله تعالى وَ لٰا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عٰاكِفُونَ فِي الْمَسٰاجِدِ و قوله عز و جل أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ و يدل على رجحان فعله من جهة الأخبار ما رواه ابن بابويه عن أبي عبد اللّٰه بن علي الحلبي في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧أنه قال لا اعتكاف إلا بصوم في المسجد الجامع قال و كان رسول اللّٰه٦إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد فرتب له قبة من شعر و شمر المئزر و طوى فراشه فقال بعضهم و اعتزل النساء فقال أبو عبد اللّٰه أما اعتزال النساء فلا قال الصدوق ره بعد إيراد هذين الخبرين المراد من نفيه٧لا اعتزال النساء أنه لا يمنعهن من خدمته و الجلوس معه فأما المجامعة فإنه امتنع منها قال و معلوم من معنى قوله و طوى فراشه ترك المجامعة
و ما رواه الكليني عن الحلبي في الحسن بإبراهيم عن أبي عبد اللّٰه٧قال كان رسول اللّٰه٦إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد فضربت له قبة من شعر و شمر المئزر و طوى فراشه و قال بعضهم و اعتزل النساء فقال أبو عبد اللّٰه٧أما اعتزال النساء فلا و عن الحلبي في الحسن بإبراهيم عن أبي عبد اللّٰه٧قال كانت بدر في شهر رمضان فلم يعتكف رسول اللّٰه٦فلما أن كان من قابل اعتكف عشرا لعامه و عشرا قضاء لما فاته و عن أبي العباس في الضعيف عن أبي عبد اللّٰه٧قال اعتكف رسول اللّٰه في شهر رمضان في العشر الأول ثم اعتكف في الثانية في عشر الوسطى ثم اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر ثم لم يزل يعتكف في العشر الأواخر
قال ابن بابويه و في رواية السكوني بإسناده قال قال رسول اللّٰه٦اعتكاف عشر في شهر رمضان يعدل حجتين و عمرتين
و يجب بالنذر و شبهه
و قيل لو اعتكف يومين وجب الثالث اختلف الأصحاب في هذه المسألة و نقل المصنف في التذكرة فيها أقوالا ثلاثة الأول أنه لا يصير واجبا بالنية و الدخول نقله عن الشيخ في بعض مصنفاته أبو الصّلاح الثاني وجوب الثالث بعد مضي اليومين نقله عن ابن الجنيد و ابن البراج و ظاهر الشّيخ في النهاية الثالث