ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٩٥
و هي صائمة فدعا رسول اللّٰه٦بطعام فقال لها كلي فقالت إني صائمة فقال كيف تكونين صائمة و قد سببت جاريتك أن الصوم ليس من الطعام و الشراب
قال و قال أبو عبد اللّٰه٧إذا صمت فليصم سمعك و بصرك من الحرام و القبيح و دع المراء و أذى الخادم و ليكن عليك وقار الصائم و لا تجعل يوم صومك كيوم فطرك
و عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّٰه عن آبائه٧قال قال رسول اللّٰه٦ما من عبد صالح يشتم فيقول إني صائم سلام عليك لا أشتمك كما تشتمني إلا قال الرب تبارك و تعالى استجار عبدي بالصوم من شر عبدي قد أجرته من النار و عن حصين عن أبي عبد اللّٰه٧قال قال أمير المؤمنين٧عليكم في شهر رمضان بكثرة الاستغفار و الدعاء فأما الدعاء فيدفع عنكم به البلاء
و أما الاستغفار فيمحى به ذنوبكم و عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد اللّٰه يقول إن الصيام ليس من الطعام و الشراب وحده إن مريم٧قالت إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً أي صمتا فاحفظوا ألسنتكم و غضوا أبصاركم و لا تحاسدوا و لا تنازعوا فإن الحسد يأكل الإيمان كما يأكل النار الحطب و عن حماد بن عثمان و غيره في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه٧قال لا تنشد الشعر بليل و لا تنشد في شهر رمضان بليل و لا نهار فقال له إسماعيل يا أبتاه فإنه فينا قال و إن كان فينا
الرابعة صوم شهر رمضان واجب بالكتاب و السنة و الإجماع قال اللّٰه تبارك و تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ .. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ و اختلف في الأيام المعدودات فقيل إنها غير شهر رمضان و كانت ثلاثة أيام من كل شهر و قيل هي مع صوم عاشوراء ثم اختلفوا فقيل إنه كان تطوعا و قيل كان واجبا و اتفق هؤلاء على نسخها بصوم رمضان و أكثر المفسرين على أن المراد بها صوم شهر رمضان فقيل إنه أوجب الصوم أولا مجملا ثم بين أنها أيام معدودات ثم بين بقوله شَهْرُ رَمَضٰانَ تقريرا و تأكيدا و قيل إنه لم يكن واجبا عينيا بل كان مخيرا بينه و بين الفدية و الصوم أفضل و ذلك قوله تعالى وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ثم نسخ بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ و قيل إن معناه و على الذين كانوا يطيقونه ثم صاروا بحيث لا يطيقونه و على هذا فلا نسخ
و أما السنة فمتواترة و الإجماع على وجوب شهر رمضان ثابت من جميع المسلمين و هو من ضروريات الدين و اختلف في رمضان فقيل إنه علم للشهر كرجب و شعبان و منع الصرف للعلمية و الألف و النون و اختلف في اشتقاقه فقيل إنه من الرمض بتسكين الميم و هو مطر يأتي في وقت الخريف يطهر وجه الأرض من الغبار سمي الشهر بذلك لأنه يطهر الأبدان عن الأوزار و في الكشاف رمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء سمي بذلك إما لارتماضهم فيه من حر الجوع كما سموه ناتقا لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم إضجارا لشدته عليهم أو لأن الذنوب ترمض فيه أي تحترق و قيل إنما سمي بذلك لأن الجاهلية كانوا يرمضون أسلحتهم فيه ليقضوا منها أوطارهم في شوال قبل دخول الأشهر الحرم
و قيل لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر و قيل إنه اسم من أسماء اللّٰه تعالى سبحانه و على هذا فمضى شهر رمضان شهر اللّٰه
روى الكليني عن هشام بن سالم في الصحيح عن سعد عن أبي جعفر٧قال كنا عنده ثمانية رجال فذكرنا رمضان فقال لا تقولوا هذا رمضان و لا ذهب رمضان و لا جاء رمضان فإن رمضان اسم من أسماء اللّٰه تعالى لا يجيء و لا يذهب و إنما يجيء و يذهب الزائل و لكن قولوا شهر رمضان فإن الشهر مضاف إلى الاسم و الاسم اسم اللّٰه عن ذكره و هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن جعله مثلا و عيدا
و عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّٰه عن أبيه٧قال قال أمير المؤمنين لا تقولوا رمضان و لكن قولوا شهر رمضان فإنكم لا تدرون ما رمضان و النظر في هذا الكتاب في ماهيته أي ماهيته الصوم و أقسامه و لواحقه
[النظر] الأول [في ماهيته]
الصوم لغة هو الإمساك قال الجواهري الصوم الإمساك عن الطعم
و نقل عن أبي عبيده أنه قال كل ممسك عن طعام أو كلام أو غير فهو صائم و قال في القاموس صام صوما و صياما و اصطام أمسك عن الطعام و الشراب و الكلام و النكاح و عن ابن دريد كل شيء سكنت حركته فهو صائم و في المغرب الصوم في اللغة ترك الإنسان الأكل و إمساكه عنه و فيه أيضا صام سكت و قد استعمل في عرف الشرع في معنى أخص منه
و اختلف عبارات الفقهاء في تعريف المعنى الشرعي فقال المحقق في الشرائع أنه الكف عن المفطرات مع النية و نقض في طرده بالكف عن المفطرات وقتا ما مع النية و في عكسه بصورة تناول المفطر سهوا و أجيب عن الأول بأن المراد النية الشرعية و هي لا تتعلق بغير الزمان المخصوص و عن الثاني بأن التناول على وجه النسيان لا ينافي الكف أو بإضمار فيه يحترز به عنه و فيه نظر لأن الكف عبارة عن بعث النفس على ترك الفعل و هو يرجع إلى العزم على تركه و هو ينافي الفعل سواء كان عمدا أو سهوا و الاحتياج إلى الإضمار يكفي في حصول الاختلال في التعريف
و أورد عليه أيضا أن المفطر عبارة عما يفسد الصوم فيكون تعريفه به دوريا و أن الكف أمر عدمي فلا يصلح أن يكون متعلقا للتكليف و أجيب عن الأول بأن المراد بالمفطر ما صدق عليه ذلك فيكون المراد به الأكل و الشرب و ما يجري مجراها في إفساد الصوم و عن الثاني بمنع كون الكف أمرا عدميا بل هو أمر وجودي و هو بعث النفس على ترك ما تعلق به الكف
و أورد عليه أيضا أن الكف إن كان أمرا زائدا على النية و ترك المفطرات فليس بواجب مع استلزامه بطلان صوم الذاهل لعدم تحقق الكف عنه في حال الذهول و إن كان هو النية لم يكن التعريف صحيحا إذ الصوم غير النية و يكون اعتبار النية معه تكرارا قال بعض المتأخرين فالأولى أن يراد بالكف هنا نفس الترك بل الأصح أن ذلك متعلق النهي لأنه المتبادر منه و لتحقق الامتثال به و إن لم يتحقق معه بعث النفس عليه و هو مقدور للمكلف باعتبار استمراره إذ له أن يفعل الفعل فيقطع استمرار العدم و أن لا يفعله فيستمر فلا مانع من التكليف به
و لا يخفى أن هاهنا أمران أحدهما عدم الفعل و الثاني الأمر الذي يصير منشأ لانتزاع العدم و هو السكون أو حركة أخرى ضد للحركة المنهي عنها و الأول أمر اعتباري انتزاعي لا حصول له إلا في الأذهان و الأحكام الخارجية المثبتة له إنما يكون باعتبار منشإ انتزاعه و الأصل المأخوذة منه فمتعلق التكليف في الحقيقة منشأ انتزاع ذلك العدم فإن كان المقصود من الترك العدم ففي كونه متعلقا للنهي نظر و إن كان المقصود منه منشأ انتزاعه فهو متجه
و عرفه المصنف في القواعد بأنه توطين النفس على الامتناع من المفطرات مع النية و هو قريب من التعريف السابق و عرفه الشهيد في الدروس بأنه توطين النفس لله على ترك الثمانية الأكل و الشرب إلى آخره من طلوع الفجر الثاني إلى الغروب من المكلف أو المميز المسلم الخالي من التعريف و الموانع التي عددها و ظاهر لفظ التوطين يقتضي انتقاض التعريف بتناول المفطرات ساهيا و الأمر في التعريفات هين جدا كما نبهنا عليه مرارا و ما عرفه به المصنف هاهنا أجود من التعريفات السابقة حيث قال
و هو الإمساك مع النية
من طلوع الفجر الثاني إلى ذهاب الحمرة المشرقية أما كون أول وقت الإمساك طلوع الفجر الثاني فلا خلاف فيه و يدل عليه قوله تعالى كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ و المستفاد من الآية تحريم الأكل و الشرب بعد التبين و وجوب إتمام الصيام إلى الليل و يضاف إليه دعوى عدم القائل بالفصل بين التحريم و الإفساد إن قصد الاستدلال به على الإفساد
و يدل عليه أيضا ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن أبي بصير في الصحيح عندي قال سألت أبا عبد اللّٰه٧فقلت متى تحرم الطعام على الصائم و يحل الصلاة صلاة الفجر فقال لي إذا اعترض الفجر و كان كالقبطية البيضاء فثم يحرم الطعام و يحل الصلاة صلاة الفجر قلت فلسنا في وقت إلى أن يطلع شعاع الشمس فقال هيهات أين تذهب تلك صلاة الصبيان
و عن الحلبي بإسنادين أحدهما صحيح و الآخر حسن عن أبي عبد اللّٰه٧قال سألته عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود فقال بياض النهار من سواد الليل قال و كان بلال يؤذن للنبي و ابن أم مكتوم و كان