ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٦٣
على الصّفا فسألهما فقالا إن الصدقة لا تحلّ إلا في دين موجع أو عزم مقطع أو فقر مدقّع ففيك شيء من هذا قال نعم فأعطياه و قد كان الرجل سأله عبد اللّٰه بن عمر و عبد الرّحمن بن أبي بكر فأعطياه و لم يسألاه عن شيء فرجع إليهما فقال لهما ما لكما لم تسألاني عما سأله عنه الحسن و الحسين و أخبرهما بما قالا فقالا إنّهما غذيا بالعلم غذاء في الوجهين نظر
أمّا الأوّل فلأن القدر المعلوم فضل التقسيط بالنسبة إلى من يثبت فقره لا إلى كلّ فقير في الواقع و التحاشي عن الحلف نشأ من قبل الفقير فله الحلف و الأخذ فلا يكون حرمانه بدونه تقصيرا للمالك نعم إن قلنا بتوقف الإعطاء على البينة يلزم حرمان كثير من الفقراء و في كون ذلك موجبا للتعويل على الدعوى مطلقا إشكال
و أمّا الثاني فلضعف سند الرواية و عدم موافقة الحصر المفهوم منه لما يثبت بالأدلة
و بالجملة جواز إعطاء الفقير بدون البيّنة أو الحلف محلّ إشكال ينشأ من عدم دليل دال عليه فلا يحصل اليقين بالبراءة و من أنّه لم يعهد عنهم٧شيئا من ذلك و الظاهر أنّه لو كان النقل لكن المصنف في المنتهى و المختلف ادّعى الإجماع على جواز إعطاء العاجز إذا ادعى العجز عن الكسب إذا لم يعرف له أصل مال من غير بينة و لا يمين و أمّا إذا لم يكن عاجزا في الظّاهر و ادعى العجز عن الاكتساب لنفسه و لم يعرف له أصل مال و لم يقم البينة على دعواه و لكنه حلف فلا أعرفه خلافا في الجواز إذا كان المدّعي عدلا لكن التعويل على مجرّد ذلك لا يخلو عن إشكال و أمّا إذا كان فاسقا ففيه الخلاف من جهة أخرى و هي منع الفاسق من الزكاة و التعويل على دعواه مشكل لآية التثبت
و التحقيق أن تحصيل العلم بالفقر غير معتبر و إلا لزم حرمان أكثر الفقراء و انتفاء ذلك معلوم من عادة الأئمّة٧و كذا السّلف و هل يكفي الظن الحاصل من الأمارات أو من دعواه مطلقا و إذا كان أمينا مطلقا أو عند تعذّر البيّنة أم لا بل يحتاج إلى البينة مطلقا أو في بعض صور المسألة أو يحتاج إلى الحلف كذلك لي فيه توقف إلى أن يفتح اللّٰه علي طريق معرفته
و يصدق مدعي الفقر في ادعائه تلف ماله إذا عرف له أصل مال و خالف فيه الشيخ في ظاهر حيث ذهب إلى أنّه يكلّف بينة و نقل المحقّق في الشرائع قولا بأنّه يحلف و قيل إن هذا القول منقول عن الشيخ ره و الكلام في هذه المسألة يعلم ممّا سبق
و يصدّق في ادعاء الكتابة إذا لم يكذبه المولى و شرح المسألة أن العبد إذا ادعى الكتابة و علم صدق دعواه أو أقام بينة عليها فلا كلام و إلا فلا يخلو إمّا أن يكذبه المولى أو يصدقه أو لم يعلم حال السّيد من تصديق أو تكذيب فإن كذبه المولى فإنه لا يقبل قوله إلا ببيّنة و إن صدقه المولى فالمشهور بينهم أنّه يقبل قوله من غير بيّنة
و أطلق الشيخ أنه لا يقبل قول المكاتب في ادّعاء الكتابة إلا ببيّنة و قطع المصنف في التذكرة بالأوّل و نقل عن الشافعي أنه لا يقبل إلا ببينة لجواز التواطؤ لأخذ الزكاة و علّل الأوّل بأصالة العدالة و بأن الحقّ في العبد لموالي فإذا أقر بالكتابة قبل و في التعليلين ضعف و نقل عن الشيخ أنّه قال الأوّل أولى فيمن عرف أنّ له عبدا و الثاني أحوط فيمن لا يعرف ذلك من حاله و لو لم يعلم تصديق السيد و لا تكذيبه إمّا لبعده أو لغير ذلك فالمشهور بين المتأخرين قبول دعواه من غير بينة
و ظاهر إطلاق الشيخ في المبسوط العدم و يظهر من الشرائع وجود قول بتوقف القبول على البينة مطلقا و الحلف حجّة الأوّل نحو ممّا مر في مسألة ادعاء الفقر و لي في المسألة توقّف و إشكال و إن كان القول بتوقف القبول على البيّنة مطلقا أحوط بل أقرب
و كذا يصدق في ادعاء الغرم إن لم يكذبه الغريم سواء صدقه أو لم يعلم حاله من التصديق و التكذيب على المشهور بينهم في الشرائع و قيل لا يقبل فيحتمل أن يكون المراد بدون الحلف أو البيّنة قيل و موضع الخلاف الغارم لمصلحة نفسه أمّا الغارم لمصلحة ذات البين فلا يقبل دعواه إلا بالبيّنة قولا واحدا
و لا يجب إعلامه أي الفقير أو غيره من أصناف المستحقين للزكاة أنّها زكاة عند استجماع الشّرائط من الاستحقاق و البيّنة و غيرها فيجوز الدّفع إلى المترفع منها على هذا الوجه و قال المصنف في التذكرة أنّه لا يعرف فيه خلافا و الحجّة عليه انتفاء ما دلّ على وجوب الإعلام مع أنّ الأصل عدمه لحصول الامتثال بدونه
و يدلّ عليه أيضا ما رواه ابن بابويه عن أبي بصير في الحسن بإبراهيم بن هاشم و الكليني عنه في الضّعيف قال قلت لأبي جعفر٧الرّجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذ من الزكاة فأعطيه من الزكاة و لا أسمي له أنّها من الزكاة فقال أعطه و لا تسم له و لا تذل المؤمن و أمّا ما رواه الكليني عن محمّد بن مسلم في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال قلت لأبي جعفر٧الرّجل يكون محتاجا فنبعث إليه بالصدقة فلا يقبلها على وجه الصدقة يأخذه من ذلك زمام و استحياء و انقباض أ فنعطيها إياه على غير ذلك الوجه و هي منّا صدقة فقال لا إذا كانت زكاة فله أن يقبلها على وجه الزكاة فإن لم يقبلها على وجه الزكاة فلا تعطها إياه و ما ينبغي له أن يستحيي ممّا فرض اللّٰه عز و جلّ إنما هي فريضة اللّٰه فلا يستحيي منها
فيمكن الجمع بينها و بين الرواية السّابقة بوجهين أحدهما حمل المنع في هذه الرّواية على الكراهية و ثانيهما حملها على المنع من إعطائه على غير وجه الزكاة بأن يصرّح بأنّه من غير الزكاة و الرّواية الأولى على عدم تسمية كونه زكاة من غير تصريح بأنه غير الزكاة و اعلم أنّه يعلم من هذه الرّواية أنه لا ينبغي عدم قبول الزكاة من المستحق و قد روى الكليني في غير واحد من الروايات و ابن بابويه عن أبي عبد اللّٰه٧تارك الزكاة و قد وجبت له كمانعها و قد وجبت عليه
و لو ظهر عدم الاستحقاق بعد أن أعطاه المالك من الزكاة بعد ادعائه الفقر أو غيره من وجوه الاستحقاق أو قيام البينة على ذلك أو الحلف إن قلنا بالاحتياج إليه ارتجعت الزكاة إلى المالك مع المكنة و إلا أي و إن لم يمكن الارتجاع أجزأت عنه و لا يجب عليه الإعادة أمّا الارتجاع مع المكنة فظاهر لأنّ الأخذ عاص محض بأخذه فيتعلّق به وجوب الردّ مع بقاء العين و المثل و القيمة مع التلف و ذلك إذا علم الأخذ أنّها زكاة أمّا مع انتفاء علمه بذلك فاختلف الأصحاب فيه فقطع المحقّق في المعتبر بعدم جواز الارتجاع لأن الظاهر أنّها صدقة
و في المنتهى ليس للمالك الرّجوع لأن دفعه يحتمل للوجوب و التطوع و استقرب في التذكرة جواز الاسترجاع لفساد الدفع لأنه أبصر بينة و استجوده بعض المتأخرين بشرط بقاء العين و انتفاء القرائن الدالة على كونها صدقة و أمّا الإجزاء مع التعذر فلا أعلم فيه خلافا إذا كان الدّافع الإمام أو نائبه و في المنتهى أنّه لا خلاف فيه بين العلماء لأن المالك خرج من العهدة بالدفع إلى الإمام أو نائبه و الدّافع خرج من العهدة بالدفع إلى من يظهر منه الفقر و إيجاب الإعادة بأنّها تكليف بعد يد ينتفي [منفي] بالأصل
و أمّا إذا كان الدّافع هو المالك فاختلف الأصحاب فيه فقال جماعة من الأصحاب منهم الشيخ في المبسوط أنه لا ضمان عليه أيضا و قال المفيد و أبو الصّلاح يجب عليه الإعادة و استقرب المصنف في المنتهى و المحقق في المعتبر سقوط الضمان مع الاجتهاد و ثبوته بدونه
حجّة الأوّل أنّه دفعها إلى من ظاهره الفقر دفعا مشروعا فيحصل الامتثال و لا يستعقب الإعادة للأصل و فقد حجة واضحة عليها كالإمام و يرد عليه أنّ الحجّة على الإعادة رواية الحسين بن عثمان الآتية احتج الموجبون بوجهين أحدهما أنّه دفعها إلى غير مستحقّها فلا تقع مجزية كالدّين و الجواب أن الدّفع كان إلى المستحق بحسب الظاهر و إن كان غير مستحق بحسب الواقع فيكون مجزيا لأن التّكليف منوط بالاستحقاق الظّاهري و القياس على الدّين غير صحيح من غير حجة يصح التّعويل عليها
و ثانيهما ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن ابن أبي عمير عن الحسين بن عثمان في الصّحيح عمن ذكره عن أبي عبد اللّٰه٧في رجل يعطي زكاة ماله رجلا و هو يرى أنّه معسر فوجده موسرا قال لا يجزي عنه و في سند الرواية إرسال لكن في صحتها إلى ابن أبي عمير نوع قوة للرواية
حجّة المفصّلين وجهان الأوّل أن المالك أمين على الزكاة فيجب عليه الاجتهاد و الاستظهار في دفعها إلى مستحقها فبدونه يجب الإعادة الثّاني ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن عبيد بن زرارة في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال سمعت أبا عبد اللّٰه٧يقول ما من رجل يمنع درهما في حقّ اللّٰه إلا أنفق اثنين في غير حقّه و ما من رجل يمنع حقا من ماله إلا طوقه اللّٰه عز و جلّ به حيّة من نار يوم القيمة حية من نار يوم القيمة قال قلت له رجل عارف أدى الزكاة إلى غير أهلها زمانا هل عليه أن يؤدّيها ثانية إلى أهلها إذا علمهم قال نعم قال قلت فإن لم يعرف لها أهلها فلم يؤدها أو لم يعلم أنّها عليه فعلم بعد ذلك قال يؤدّيها إلى أهلها لما مضى قال قلت فإن لم يعلم أهلها فدفعها إلى من ليس لها هو بأهل و قد كان طلب و اجتهد ثم علم بعد سوء ما صنع قال ليس عليه أن يؤديها مرة أخرى
و في الكافي و التهذيب بعد نقل هذه الرواية و عن زرارة مثله غير أنّه قال إن اجتهد فقد برئ و إن قصر في الاجتهاد في الطّلب فلا و يرد على الأوّل أنّه إن أراد بالاجتهاد القدر المسوغ لدفع الزكاة إليه