ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٥٤
صدعين ثم خيره فأيّهما اختار فلا تعرض له و لا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق اللّٰه تبارك و تعالى من ماله فإذا بقي ذلك فأقبض حق اللّٰه منه و إن استقالك فأقله ثم اخلطهما و اصنع مثل الّذي صنعت أوّلا حتى تأخذ حق اللّٰه في ماله فإذا قبضته فلا توكل به إلا ناصحا شفيقا أمينا حفيظا غير معنف بشيء منها
ثم احدر كل ما اجتمع عندك عنك من كلّ ناد إلينا نصيّره حيث أمر اللّٰه عز و جلّ فإذا انحدر بها رسولك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة و بين فصيلها و لا يفرق بينهما و لا يمصرن لبنها فيضر ذلك بفصيلها و لا يجهد بها ركوبا و ليعدل بينهنّ في ذلك و ليوردهن كلّ ماء تمرّ به و لا يعدل بهنّ عن نبت الأرض إلى جواز الطّريق في السّاعة الّتي فيها تربح و تعتق و ليرفق بهنّ جهده حتّى تأتينا بإذن اللّٰه سحاحا سمانا غير متعبات و لا مجهدات فيقسمن بإذن اللّٰه على كتاب اللّٰه و سنة نبيّه٦على أولياء اللّٰه فإن ذلك أعظم لأجرك و أقرب لرشدك ينظر اللّٰه إليها و إليك و إلى جهدك و نصيحتك لمن بعثك و بعث في حاجته فإنّ رسول اللّٰه٦قال ما ينظر اللّٰه إلى ولي له يجهد نفسه بالطّاعة و النّصيحة له و لإمامه إلا كان معنا في الرفيق الأعلى
قال ثم بكى أبو عبد اللّٰه٧ثم قال يا بريد لا و اللّٰه ما بقيت للّه حرمة إلا انتهكت و لا عمل بكتاب اللّٰه و لا سنّة نبيّه٦في هذا العالم و لا أقيم في هذا الخلق حدّا لا منذ قبض اللّٰه أمير المؤمنين٧و لا عمل بشيء من الحق إلى يوم النّاس هذا ثم قال أما و اللّٰه لا يذهب الأيّام و الليالي حتى يحيي اللّٰه الموتى و يميت الأحياء و يرد اللّٰه الحقّ إلى أهله و يقيم دينه الّذي ارتضاه لنفسه و نبيّه فأبشروا ثم أبشروا ثم أبشروا فو اللّه ما الحقّ إلا في أيديكم قوله٧أوعز إليه أي تقدّم إليه و أمره و مصر النّاقة أو الشّاة حبلها بأطراف الأصابع الثلاث أو بالإبهام و السبابة فقط و التمصر حلب بقايا اللّبن في الضّرع
قال في المنتهى بعد نقل قوله٧و لا نعدل بهنّ عن نبت الأرض إلى جواد الطّرق في السّاعات الّتي تريح و تعنق قال محمّد بن إدريس سمعت من يقول تريح و تغبق بالغين المعجمة و الباء يعتقده أنّه من الغبوق و هو الشرب بالعشي و هذا تصحيف فاحش و خطأ قبيح و إنما هو بالعين غير المعجمة و النون المفتوحة و هو ضرب من سير الإبل و هو سير شديد
قال الزّاجر يا ناق سيري عنقا فسيحا إلى سليمان فتستريحا لأن معنى الكلام أنّه لا تعدل بهنّ عن نبت الأرض إلى جواد الطرق في السّاعات التي فيها راحة و لا في السّاعات الّتي عليها فيها مشقة و لأجل هذا قال تريح من الرّاحة و لو كان من الرّواح لقال تروح و ما كان يقول تريح و لأن الرّواح عند العشي يكون قريبا منه و الغبوق هو شرب العشي على ما ذكرناه فلم يبق له معنى و إنما المعنى ما بيّناه و إنما أوردت هذه اللفظة في كتابي الأخبار لأبي سمعت جماعة من أصحابنا الفقهاء يصحفونها انتهى كلامه
و الصنف الرابع من أصناف المستحقين للزكاة
المؤلّفة قلوبهم
و هم الكفّار الذين يستمالون للجهاد لا أعلم خلافا بين العلماء في أن للمؤلّفة قلوبهم سهما من الزكاة و الإجماع عليه منقول في كلامهم و يدلّ عليه الآية الشريفة و اختلفوا في اختصاص التأليف بالكفّار أو شموله للمسلمين فقال الشيخ في المبسوط الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ عندنا هم الكفّار الذي يستمالون بشيء من مال الصّدقات إلى الإسلام و يتألفون ليستعان بهم على قتال أهل الشّرك و لا يعرف علماؤنا مؤلّفة أهل الإسلام
و اختاره المصنف في هذا الكتاب و جماعة من الأصحاب منهم المحقّق في الشرائع و قال المفيد ره الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ضربان مسلمون و مشركون و اختاره جماعة من الأصحاب منهم ابن إدريس و قال ابن الجنيد الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ من أظهر الدين بلسانه و أعان المسلمين و إمامهم بيده و كان معهم إلا قلبه و المستفاد منه اختصاص التأليف بالمنافق
و يظهر من كلام الشيخ فخر الدّين أن في المسألة قولا باختصاصه بالكافر المقاتل و نقل الشيخ في ظاهر عن الشّافعي أنّه قال الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ضربان مسلمون و مشركون فالمسلمون ضربان أحدهما قوم لهم شرف و طاعة في النّاس و حسن نيّة في الإسلام يعطون استمالة لقلوبهم و ترغيبا لهم في الإسلام مثل صفوان ابن أمية و غيره و الثاني قوم [من المشركين] مشركون لهم قوة و شوكة و طاعة إذا أعطاهم الإمام كفوا شرهم من المسلمين و إذا لم يعطوا تألبوا عليه و قاتلوه فهؤلاء كان النّبي٦يعطيهم استكفافا لشرهم
و بعد النّبي٦هل لمن قام مقامه أن يعطيهم ذلك قولان و من أين يعطيهم من سهم المصالح أو من سهم الصّدقات فيه قولان و أمّا مؤلفة الإسلام فعلى أربعة أضرب أحدها قوم لهم شرف و سداد لهم نظراء إذا أعطوا هؤلاء نظر إليهم نظراؤهم فرغبوا في الإسلام فهؤلاء أعطاهم النبي٦مثل الزبرقان بن بدر و عديّ بن حاتم و غيرهما و الضرب الثّاني قوم لهم شرف و طاعة أسلموا و في نياتهم ضعف أعطاهم النّبي٦ليقوي نيّاتهم مثل أبي سفيان بن حرب أعطاه النّبي٦مائة من الإبل و أعطى صفوان مائة و أعطى الأقرع بن حابس مائة و أعطى عيينة بن الحصين مائة و أعطى العبّاس بن مرداس أقلّ من مائة فاستعتب فتمم المائة و لمن قام مقام النبي٦أن يعطي هذين قولان و من أين يعطيه فيه قولان
الضرب الثّالث هم قوم من الأعراب في طرف من بلاد الإسلام و بإزائهم قوم من المشركين إن أعطاهم قاتلوا عن المسلمين و إن لم يعطوا لم يقاتلوا و احتاج الإمام إلى مئونة في تجهيز الجيوش إليهم فهؤلاء يعطون و يتألّفون ليقاتلوا المشركين و يدفعونهم
و الضرب الرّابع قوم من الأعراب في طرف من بلاد الإسلام بإزائهم قوم من أهل الصدقات إن أعطاهم الإمام جبوا الصدقات و حملوها إلى الإمام و إن لم يعطوهم لم يجبوها و احتاج الإمام في إنفاذ من يجبّها إلى مئونة كثيرة فيجوز أن يعطيهم لأن فيه مصلحة و من أين يعطيهم أعني هذين الفريقين فيه أربعة أقوال أحدها من سهم المصالح الثاني من سهم المؤلفة من الصّدقات الثالث يعطون من سهم سَبِيلِ اللّٰهِ لأنّه في معنى الجهاد الرابع يعطون من سهم المؤلفة و من سهم سبيل اللّٰه ثم قال الشّيخ و هذا التفصيل لم يذكره أصحابنا غير أنه لا يمتنع أن نقول أنّ للإمام أن يتألّف هؤلاء القوم و يعطيهم إن شاء من سهم المؤلّفة و إن شاء من سهم المصالح لأن هذا من فرائض الإمام و فعله حجّة و ليس يتعلّق علينا في ذلك حكم اليوم فإنّ هذا قد سقط على ما بيناه و فرضنا تجويز ذلك و الشّك فيه و أن لا نقطع على أحد الأمرين انتهى كلام الشيخ ره
و نقل المحقّق في المعتبر عن الشّافعي تقسيم المؤلّفة إلى الأقسام السبعة المذكورة ثم قال و لست أرى بهذا التفصيل بأسا فإن ذلك مصلحة و نظر المصلحة موكول إلى الإمام و قال الشهيد في البيان بعد ذكر الأقسام الأربعة للمسلمين و لقائل أن يقول مرجع هذه إلى سَبِيلِ اللّٰهِ و إلى العمالة و هو حسن
و ذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره نقلا من العالم٧في تفسير المؤلّفة قلوبهم قال هم قوم وجدوا اللّٰه و خلعوا عبادة من دون اللّٰه و لم يدخل المعرفة قلوبهم أنّ محمّدا رسول اللّٰه فكان رسول اللّٰه٦يتألّفهم و يعلمهم و يعرفهم كيما يعرفوا فجعل لهم نصيبا في الصّدقات لكي يعرفوا و يرغبوا
و روى الكليني و الشّيخ عنه عن زرارة و محمّد بن مسلم في الحسن بإبراهيم بن هاشم أنّهما قالا لأبي عبد اللّٰه٧أ رأيت قول اللّٰه عز و جلّ إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ الآية فريضة من اللّٰه أ كلّ هؤلاء يعطى و إن كان لا يعرف فقال إن الإمام يعطي هؤلاء جميعا لأنّهم يقرون له بالطّاعة قال قلت فإن كانوا لا يعرفون قال يا زرارة لو كان يعطى من يعرف دون من لا يعرف لم يوجد لها موضع و إنما يعطى من لا يعرف ليرغب في الدّين فيثبت عليه فأمّا اليوم فلا تعط أنت و أصحابك إلا من يعرف فمن وجدت من هؤلاء المسلمين عارفا فأعطه دون النّاس
ثم قال سهم المؤلفة قلوبهم و سهم الرقاب عام و الباقي خاص قال قلت فإن لم يوجدوا قال لا يكون فريضة فرضها اللّٰه عز و جلّ إلا أن يوجد لها أهل الحديث و استدلّ بعضهم بهذا الخبر على قول المفيد بناء على أنّ قوله ليرغب في الدّين نصّ على العلّة و يقتضي التعدّي و فيه تأمّل
و منهم من استوجه الاستدلال به بقوله و سهم المؤلّفة عام و هو غير بعيد و اختلف الأصحاب في سقوط سهم المؤلّفة بعد النبي٦فقيل يسقط و إليه ذهب ابن بابويه و هو قول لبعض العامّة معلّلين بأن اللّٰه سبحانه أعز الدين و قوى شوكته فلا يحتاج إلى التأليف و هو استدلال ضعيف
و قال المحقّق في المعتبر الظاهر بقاؤه لأن النبي٦كان يعتمد التأليف إلى حين وفاته و لا نسخ بعده و قال الشيخ إنّه يسقط في زمن غيبة الإمام دون زمن حضوره لأنّ الغرض من التأليف إنما يكون للجهاد السّاقط في زمان غيبة الإمام و قال المصنف في المنتهى و نحن نقول قد يجب الجهاد في حال غيبة الإمام بأن يدهم المسلمين و العياذ باللّٰه عدو يخاف منه عليهم فيجب عليهم الجهاد لدفع الأذى لا للدّعاء إلى الإسلام فاحتيج إلى التأليف حينئذ و جاز صرف السّهم إلى أربابه من المؤلّفة و بعض أصحابنا المتأخرين قوى هذا القول تمسكا بظاهر