ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٥٣
في التذكرة و الشهيد في الدروس و المحقق في النافع من جواز تناول الزكاة لمن كان له مال يتعيّش به من ضيعة يستقلّها إذا كان بحيث يعجز عن استنماء الكفاية و إن كان بحيث يكفي رأس المال أو ثمن الضّيعة لكفاية السّنة
و نقل التّصريح بذلك عن الشيخ أيضا و ذكر ابن إدريس أيضا جواز أخذ الزكاة لمن كان له دار لا يكفيه غلته و الأقرب في المسألة أنّه إن كان له مال يتّجر به أو ضيعة يستقلّها و كفاه الرّبح أو الغلّة له و لعياله لم يجز له أخذ الزكاة و إن لم يكفه جاز و لا يكلّف الإنفاق من رأس المال و لا من ثمن الضّيعة و إن لم يكن كذلك فالظاهر أن المعتبر قصور أمواله عن مئونة السنة له و لعياله أمّا الأول فيدلّ عليه مضافا إلى صدق الفقر و الاحتياج عليه عرفا روايات يستفاد المطلوب بانضمام بعضها إلى بعض و إن لم يكن كلّ واحد منها ناهضا بالدّلالة على تمام المدّعى
منها ما رواه الكليني عن معاوية بن وهب في الصّحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الرّجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم و له عيال و هو يحترف فلا يصيب نفقته فيها أ يكتب فيأكلها و لا يأخذ الزكاة قال لا بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه و من وسعه ذلك من عياله و يأخذ البقيّة من الزكاة و يتصرّف بهذه لا ينفقها
و الظاهر أن خصوصيّة مقدار الثلاثمائة و الأربعمائة غير معتبرة إذ الظاهر عدم القائل بالفصل و في حكمها العقار و الضياع بالتقريب المذكور و عدم الاختلاف في صدق الغنى و الفقر بين الأمور المذكورة و عن سماعة في الموثّق قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الزكاة هل يصلح لصاحب الدار و الخادم فقال نعم إلا أن يكون داره دار غلّة فيخرج له من غلّتها دارهم ما يكفيه لنفسه و عياله فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه و عياله في طعامهم و كسوتهم و حاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة فإن كانت غلّتها تكفيهم فلا
و رواه الشيخ عن سماعة في الموثّق و ابن بابويه عنه بإسناد لا يبعد أن يعدّ موثّقا و خصوصيّة الدّار غير معتبرة كما لما أشرنا إليه و منها ما رواه الشّيخ عن هارون بن حمزة في القويّ قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧يروى عن النبيّ٦أنه قال لا تحلّ الصدقة لغني و لا لذي مرة سوي فقال لا يصلح لغنيّ قال فقلت له الرّجل يكون له ثلاثمائة درهم في بضاعة و له عيال فإن أقيل عليها أكلها عياله و لم يكتفوا بربحها قال فلينظر ما يستفضل منها فيأكله هو و من يسعه ذلك و ليأخذ لمن لم يسعه من عياله
و منها ما رواه ابن بابويه عن أبي بصير في الضّعيف و الكليني عنه في الضّعيف قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل من أصحابنا له ثمانمائة درهم و هو رجل خفاف و له عيال كثير أ له أن يأخذ من الزكاة فقال يا با محمد أ يربح في دراهمه ما يقوت به عياله و يفضل قال قلت نعم قال كم يفضل قلت لا أدرى قال إن كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة و إن كان أقلّ من نصف القوت أخذ الزكاة قلت فعليه في ماله زكاة تلزمه قال بلى قلت كيف يصنع قال يوسع بها على عياله في طعامهم و شرابهم و كسوتهم و إن بقي منها شيء يناوله غيرهم و ما أخذ من الزكاة فضّه على عياله في طعامهم و شرابهم و كسوتهم و إن بقي حتى لا يلحقهم بالنّاس
و لعلّ تقدير الفاضل عن القوت بنصف القوت مبني على متعارف ذلك الزمان فيكون الكسوة و سائر الحوائج الضّرورية مقدرا في ذلك الزّمان بهذا المقدار و الأزمان مختلفة في هذا الباب
و منها ما رواه الكليني عن إبراهيم بن هاشم في الحسن عن إسماعيل بن عبد العزيز و هو غير موثق و لا ممدوح عن أبيه و هو مجهول قال دخلت أنا و أبو بصير على أبي عبد اللّٰه٧فقال له أبو بصير إن لنا صديقا و هو رجل صدوق يدين اللّٰه بما تدين به فقال من هذا يا با محمّد الذي تزكيه فقال العبّاس بن الوليد بن صبيح فقال رحم اللّٰه الوليد بن صبيح ماله يا با محمّد قلت جعلت فداك له دار تسوى أربعة آلاف درهم و له جارية و له غلام يستقي على الجمل كلّ يوم ما بين الدرهمين إلى الأربعة سوى علف الجمل و له عيال أ له أن يأخذ من الزكاة قال نعم قال و له هذه العروض فقال يا با محمّد فتأمر في أن أمره ببيع داره و هي عزه و مسقط رأسه أو يبيع جاريته التي تقيه الحرّ و البرد و تصون وجهه و وجه عياله أو أمره أن يبيع غلامه أو جمله و هو معيشته و قوته بل يأخذ الزكاة فهي له حلال و لا يبيع داره و لا غلامه و لا جمله
ففي قوله أو جمله و هو معيشته و قوته دلالة ما على المطلوب
و أمّا الحكم الثّاني فاستدلّ عليه بعضهم بأن الفقر لغة و عرفا الحاجة قال اللّٰه تعالى يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرٰاءُ إِلَى اللّٰهِ أي المحتاجون و من تصرف أمواله عن كفاية عامه فهو محتاج و فيه تأمّل و الأجود الاستدلال عليه بما رواه الكليني عن أبي بصير في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال سمعت أبا عبد اللّٰه٧يقول يأخذ الزكاة صاحب السّبعمائة إذا لم يجد غيره قلت فإن الصاحب السبعمائة يجب عليه الزكاة قال زكاته صدقة على عياله و لا يأخذها إلا أن يكون إذا اعتمد على السّبعمائة أنفذها في أقل من سنة فهذا يأخذها و لا تحل الزكاة لمن كان محترفا و عنده ما يجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة
و هذا الخبر محمول على من كانت عنده سبعمائة لا يستمنيها جمعا بين الأخبار و يرشد إليه قول الرّاوي فإنّ صاحب السّبعمائة يجب عليه الزكاة و أمّا ما رواه الشيخ عن زرارة و ابن مسلم في الموثق قال زرارة قلت لأبي عبد اللّٰه٧فإن كان بالمصر غير واحد قال فأعطهم إن قدرت جميعا قال ثم قال لا تحلّ لمن كانت عنده أربعون درهما يحول عليها الحول عنده أن يأخذها و إن أخذها أخذها حراما فيحتمل الحمل على التقية لموافقتها لمذهب جماعة من العامّة
احتجّ القائلون باعتبار ملك النّصاب بما روي عن النبي٦أنّه قال لمعاذ أعلمهم أن عليهم الصدقة تؤخذ من أغنيائهم و تردّ في فقرائهم و بأنّه يجب عليه دفع الزكاة فلا يحلّ له أخذها للتنافي بينهما و الجواب عن الأوّل أن الرواية عاميّة لا يصلح الاعتماد عليها مع جواز أن يكون المراد بالأغنياء المزكين نظرا إلى الغالب و احتمال كون الغنى الموجب لدفع الزكاة غير الغنى المانع من أخذها و إطلاق اللّفظ عليها بالاشتراك و على تقدير التسليم لا بدّ من صرف الخبر عن ظاهره جمعا بين الأدلّة و عن الثّاني بمنع التنافي بين وجوب الدّفع و جواز الأخذ و الاستبعاد غير نافع
و الصّنف الثّالث من أصناف المستحقين للزكاة
العاملون عليها
و هم السعاة لتحصيلها أي السّاعون في جبايتها و تحصيلها بأخذ و كتابه و حساب و حفظ و قسمة و نحو ذلك و في تفسير علي بن إبراهيم نقلا عن العالم٧وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا هم السّعاة و الجباة في أخذها و جمعها و حفظها حتى يؤدها إلى من يقسمها و الظاهر أنّه لا خلاف بين أصحابنا في استحقاق هؤلاء سهما من الزكاة و إن كانوا أغنياء و إليه ذهب أكثر العامة
و يدل عليه الآية و ما رواه الكليني عن زرارة و محمد بن مسلم في الحسن بإبراهيم بن هاشم أنّهما قالا لأبي عبد اللّٰه٧أ رأيت قول اللّٰه عز و جلّ إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ الْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّٰهِ أ كلّ هؤلاء يعطى و إن كان لا يعرف فقال إن الإمام يعطي هؤلاء جميعا لأنّهم يفرون له بالطّاعة الحديث و قال بعض العامّة إنّ ما يأخذه العامل يكون عوضا و أجرة لا زكاة لأنّه إنما يعطى مع العمل و الزكاة إنما يؤخذ استحقاقا لا عوضا و لأنّه يأخذ مع الغنى و الصدقة لا تحلّ للغنيّ
و الجواب عن الأوّل أنّهم يستحقون الزكاة لكن استحقاقهم مشروط بالعمل و عن الثّاني أنّ العامل لا يأخذ الزكاة باعتبار الفقر حتّى ينافيه الغنى بل استحقاقه باعتبار عمله كما يعطى ابن السبيل و إن كان غنيّا في بلده و ينبغي للإمام أن يبعث ساعيا في كلّ عام ليتحصّل الصّدقات من أربابها تأسيا بالنبي٦و لأنّ تحصيل الزكاة إنما يتم به غالبا و ينبغي أن يوصيه كما وصى به أمير المؤمنين ع
روى الكليني عن بريد بن معاوية في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال سمعت أبا عبد اللّٰه٧يقول بعث أمير المؤمنين٧مصدّقا من الكوفة إلى باديتها فقال له يا عبد اللّٰه انطلق و عليك بتقوى اللّٰه وحده لا شريك له و لا تؤثرن دنياك على آخرتك و كن حافظا لمن ائتمنك عليه راعيا لحق اللّٰه فيه حتّى تأتي نادي بني فلان فإذا قدمت فأنزل إليهم من غير أن تخالط أبياتهم ثم أنزل إليهم بسكينة و وقار حتى تقوم بينهم و تسليم عليهم ثم قل لهم يا عباد اللّٰه أرسلني إليكم ولي اللّٰه لآخذ منكم حق اللّٰه في أموالكم فهل لله في أموالكم من حقّ فتؤدّون إلى وليّه فإن قال لك قائل لا فلا تراجعه و إن أنعم لك منهم منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو تعدّه إلا خيرا فإذا أتيت ماله فلا تدخله إلا بإذنه فإن أكثره له فقل له يا عبد اللّٰه أ تأذن لي في دخول مالك فإن أذن لك فلا تدخله دخول تسلط عليه فيه و لا عنف به فاصدع المال صدعين ثم خيّره أي الصّدعين شاء فأيّهما اختار فلا تعرض له ثم اصدع الباقي