ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٣٥
الآخر و اختاره المصنف في المنتهى و نسبه في التذكرة إلى الفقهاء الأربعة و في المعتبر إلى ثلاثة منهم و ذهب الشيخ و ابن الجنيد و أبو الصّلاح و ابن البراج إلى أنّه يجب فيها أربع شياه حتّى يبلغ أربعمائة فيؤخذ من كلّ مائة شاة فلا يتغير الفرض حتّى يبلغ خمسمائة و اختاره المصنف في المختلف و نسبه المحقّق في المعتبر إلى الشهرة
و نقل الشّيخ في الخلاف إجماع الفرقة عليه و هاهنا قول ثالث قاله ابن زهرة في الغنية و هو أنّ في ثلاثمائة و واحدة أربع شياه فإذا زادت على ذلك سقط هذا الاعتبار و أخرج عن كلّ مائة شاة و نقل عليه إجماع الفرقة
و احتج الأوّلون بما رواه الشيخ عن محمّد بن قيس في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال ليس فيما دون الأربعين من الغنم شيء فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين و مائة فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى المائتين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم إلى ثلاثمائة فإذا كثرت الغنم ففي كلّ مائة شاة و لا يؤخذ هرمة و لا ذات عوار إلا أن يشاء المصدق و لا يفرق بين مجتمع و لا يجمع بين متفرق و يعد صغيرها و كبيرها
و عد المصنف في المنتهى هذه الرواية من الصّحاح و اعترضها في المختلف بأن محمّد بن قيس مشترك بين أربعة أحدهم ضعيف فلعلّه إياه و أجاب عنه الشّهيد الثاني في بعض فوائده بأنّ محمّد بن قيس الّذي يروي عن الصادق٧غير محتمل للضّعيف و إنّما المشترك بين الثّقة و الضّعيف من يروي عن الباقر٧نعم يحتمل كونه ممدوحا و موثّقا فيحتمل حينئذ كونها من الحسن و من الصّحيح
و فيه أن في جملة من يروي عن المصنف٧من ليس بموثق و لا ممدوح لكن المستفاد من كلام الشّيخ و النّجاشي أن محمّد بن قيس هذا هو البجليّ بقرينة رواية عبد الرّحمن بن أبي نجران عن عاصم بن حميد عنه و قد وثقه النجاشي فيكون الخبر صحيحا
و استدل المصنف في المنتهى على هذا القول أيضا بما رواه ابن بابويه عن زرارة في الصّحيح عن الباقر٧قال قال فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة فإذا كثر الغنم سقط هذا كلّه و أخرج عن كلّ مائة شاة و لا يخفى أنّ هذه العبارة موجودة في الفقيه بعد رواية لزرارة و الظاهر أنّه من جملة الرواية كما يظهر عند التأمّل في سابقه و لاحقه و ظنّ أن المصنف و هم في المنتهى و لهذا لم ينقلها المصنف في غير المنتهى و لا غيره من الأصحاب فيما أعلم إلا بعض المتأخرين حيث وافق المصنف في ذلك
احتج الآخرون بما رواه الكليني و الشّيخ عنه عن زرارة و محمّد بن مسلم و بريد العجليّ و الفضيل عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه٧في الشّاة في كلّ أربعين شاة شاة و ليس فيما دون الأربعين شيء ثم ليس فيها شيء حتى يبلغ عشرين و مائة فإذا بلغت عشرين و مائة ففيها مثل ذلك شاة واحدة فإذا زادت على مائة و عشرين ففيها شاتان و ليس فيها أكثر من شاتين حتى يبلغ مائتين فإذا بلغت المائتين ففيها مثل ذلك فإذا زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه ثم ليس فيها شيء أكثر من ذلك حتّى يبلغ ثلاثمائة فإذا بلغت ثلاثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه فإذا زادت واحدة ففيها أربع شياه حتّى يبلغ أربعمائة فإن تمّت أربعمائة كان على كلّ مائة شاة و سقط الأمر الأوّل
و ليس على ما دون المائة بعد ذلك شيء و ليس في النّيف شيء و قالا كلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربّه فلا شيء عليه فإذا حال عليه الحول وجبت عليه و المحقق في المعتبر أورد الرّوايتين من غير تعرّض لترجيح أحدهما على الآخر
و المصنف في المنتهى رجّح الرّواية الأولى لكونها أصحّ من الثّاني و اعتضده بالأصل و نفي البعد عنه بعض الأصحاب و زاد عليه أن الرّواية الثانية مخالفة لما عليه الأصحاب في النّصاب الثّاني و ذلك ممّا يضعف الحديث و عندي أنّ الحسان بإبراهيم بن هاشم لا يقصر عن الصّحاح فترجيح غيره عليه لا يخلو عن إشكال مع أنّ هذا التّرجيح إنّما ينفع عند التساوي من جهات أخرى و هو ممنوع كما ستعلم و الأصل معارض بوجوب تحصيل اليقين بالبراءة من التكليف الثّابت بل هو حاكم عليه دافع له و مخالفة الرّواية الثانية المعمول بينهم في النصاب الثّاني مقصورة على ما نقله المصنف في المنتهى وفاقا لبعض نسخ التهذيب حيث قال فيه فإذا بلغت عشرين و مائة ففيها شاتان
و أما على الوجه الّذي أوردنا الخبر نقلا عن الكافي فلا يلزم المحذور المذكور و على هذا الوجه أورده الشّيخ في الإستبصار و المصنف في التذكرة و صاحب المنتقى و يوافقه بعض نسخ التهذيب و منهم من رجّح الرواية الثانية بكثرة رواته و فضلهم و كونها عن الباقر و الصّادق ٨ و اعترض عليه بأن الكثرة لا ينفع مع الانتهاء إلى الواحد و الرّواية عن واحد منهم كالرّواية عن الجميع
و لا يخفى أن التعدّد في بعض المراتب له رجحان ما بالنسبة إلى الوحدة في جميع المراتب و كذا الرّواية عن إمامين لأنّ احتمال السّهو و الاشتباه في غيره أقوى و لكن مجرّد هذا الترجيح لا يكفي في هذا المقام و زعم بعض أفاضل المتأخّرين أنّه لا تعارض بين الخبرين لخلوّ رواية محمّد بن قيس عن التعرض لذكر زيادة الواحد على الثّلاث مائة فإنّ قوله فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم إلى ثلاثمائة يقتضي كون بلوغ الثلاث مائة غاية لفرض الثّلاث داخلة في المغيا كما هو الشّأن في أكثر الغايات الواقعة فيه و في غيره من الرّوايات المتضمّنة لبيان نصب الإبل و الغنم و الكلام الّذي بعده يقتضي إناطة الحكم بثبوت وصف الكثرة و فرض زيادة الواحدة ليس من الكثرة في شيء فلا يتناوله الحكم ليقع التعارض بل يكون خبر الفضلاء مشتملا على بيان حكم لم يتعرّض له في الخبر الآخر لحكمة و لعلّه التقيّة
و فيه نظر لأن الظاهر في مقام البيان حيث ذكر نصب الغنم على سبيل الترتيب و ذكر غاية كلّ نصاب إلى إن وصل إلى ثلاثمائة ثم قال فإذا كثرت الغنم ففي كلّ مائة شاة أنّ مبدأ لكثرة التي يثبت بها هذا الحكم ما بعد الثلاثمائة و قد سبق نظيره في أخبار الإبل و لا ينافيه مفهوم الغاية في قوله إلى ثلاثمائة إذ يجوز أن يكون التّحديد باعتبار النصاب الّتي يتعلّق الفريضة به لا باعتبار الفريضة فيتعلّق الفريضة بالمائتين و واحدة و عفو إلى ثلاثمائة و واحدة فإنّ النصاب حينئذ كلّ مائة و قد اشتملت رواية الفضلاء على غير نظيره و قوله فرض زيادة الواحدة ليس من الكثرة في شيء محلّ نظر إذ لو صحّ ذلك لزم أن لا يكون للكثرة في شيء من المراتب مبدأ أصلا
و الظّاهر عندي أن الرّوايتين معتبرتان متعارضتان فلا بدّ من الجمع بحمل الأولى على التقيّة لموافقتها لمذهب العامّة
و لعلّ في قوله٧فإذا كثرت الغنم حيث غير أسلوب الكلام و لم يصرّح بالمقصود بل أبهم في التعبير إشارة إلى ذلك فإن دأبهم٧في مواضع التقيّة إيراد المبهمات و المجملات و الإشارات الدّقيقة إلى المقصود أحيانا تقديرا للعدول عن التّصريح بالحقّ بمقدار الحاجة كما لا يخفى على من تتبع كلامهم و قد سبق نظيره في بعض أخبار الإبل فإنه٧قد عبر بمثل هذه العبارة في موضع الاختلاف بيننا و بينهم
و لعلّ في مفهوم الغاية في قوله إلى ثلاثمائة تأييدا لما ذكرنا إذ لا يبعد أن يقال التحديد باعتبار مقدار الفريضة لا ما يتعلّق به لكنّه لا يصلح للدلالة و يعضده توقّف اليقين بالبراءة من التّكليف الثابت عليه و لا يصحّ التمسّك بالأصل بعد ثبوت التكليف فظهر أن التّرجيح للقول الثاني
و اعلم أن هاهنا سؤالا مشهورا أورده المحقق في درسه و الأحسن في تقريره أن يقال إذا كان يجب في أربع مائة ما يجب في ثلاثمائة و واحدة فأيّ فائدة في جعلهما نصابين و ينحسب مثله في المائتين و واحدة و الثلاثمائة و واحدة على القول الآخر و الجواب أن الفائدة تظهر في الوجوب و الضّمان أما الأوّل فلأنّ محلّ الوجوب في الأربع مائة مجموعها و في الثلاثمائة و واحدة إلى أربعمائة الثلاثمائة و واحدة و ما زاد عنه عفو فهذا هو الفائدة في جعلهما نصابين و كذا الكلام في نظيره على القول الآخر و أما الضّمان فلأنه لو تلفت واحدة من أربعمائة بعد الحول بغير تفريط سقط من الفريضة جزء من مائة سبعين جزءا من شاة و لو كانت ناقصة عنها لم يسقط عن الفريضة شيء ما دامت الثلاثمائة و واحدة باقية لأن الزّائد عليها ليس محلّا للفريضة بل هو عفو و لو تلفت شاة من الثلاثمائة و واحدة سقط من الفريضة جزء من خمسة و سبعين جزءا و ربع جزء من شاة
هذا محصّل ما ذكره و لكن في عدم سقوط شيء من الفريضة في صورة النقص عن الأربعمائة نظر لأن الزكاة يتعلّق بالعين فيكون الفريضة حقا شائعا في المجموع و مقتضى الإشاعة توزيع التالف على المجموع و إن كان الزائد على النصاب عفوا و لا منافاة بين الأمرين و في عدم سقوط شيء في الصورة المذكورة و السقوط في الأربعمائة بعد و مخالفة للاعتبار لكن أمثال هذه الأمور بمعزل عن التأثير في إثبات الأحكام الشرعية و ذكر بعض الأصحاب في سياق تحرير الفائدة أنّه لو تلفت الشّاة من الثلاثمائة و واحدة سقط من الفريضة جزء من خمسة و سبعين جزءا من شاة إن لم نجعل الشّاة الواحدة جزءا من النصاب و إلا كان السّاقط منه جزءا من خمسة و سبعين جزءا