ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٠٦
و عن معاوية بن عمار في الموثق قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧في كم أقصر الصلاة فقال في بريد أ لا ترى في أهل مكة إذا خرجوا إلى عرفة كان عليهم التقصير و روى الشيخ عن معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال إن أهل مكة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم و رجعوا إلى منى تموا الصلاة و إن لم يدخلوا منازلهم قصروا و روى الكليني في كتاب الحج عن معاوية بن عمار بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه٧قال أهل مكة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم أتموا و إذا لم يدخلوا منازلهم قصروا
و عن الحلبي في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه٧قال إن أهل مكة إذا خرجوا حجاجا قصروا و إذا زاروا و رجعوا إلى منازلهم أتموا و روى الصدوق عن معاوية بن عمار في الصحيح و رواه الشيخ أيضا عنه بأسانيد متعددة صحيحة و رواه الكليني بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧إن أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات قال ويلهم أو ويحهم و أي سفر أشد منه لا يتم
و روى الشيخ عن أبي ولاد في الصحيح قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧إني كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة و هو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخا في الماء فسرت يومي ذلك أقصر الصلاة ثم بدا لي في الليل الرجوع إلى الكوفة فلم أدر أصلي في رجوعي بقصر أو بتمام و كيف كان ينبغي أن أصنع فقال إن كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت أن تصلي بالتقصير لأنك كنت مسافرا إلى أن تصل إلى منزلك قال و إن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا فإن عليك أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير تمام من قبل أن تؤم من مكانك ذلك لأنك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت فوجب عليك قضاء ما قصرت و عليك إذا رجعت أن تتم الصلاة حتى يصير إلى منزلك
و عن إسحاق بن عمار بإسناد فيه جهالة قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧في كم التقصير فقال في بريد ويحهم كأنهم لم يحجوا مع رسول اللّٰه٦فقصروا و في الضعيف عن أبي الجارود قال قلت لأبي جعفر٧في كم التقصير فقال في بريد و اختلف الأصحاب في وجه الجمع بين هذه الأخبار و بين الروايات السابقة الدالة على التحديد بثمانية فراسخ فحمل الشيخ في أحد وجهيه و جماعة من الأصحاب منهم المصنف هذه الأخبار على ما إذا أراد المسافر الرجوع ليومه
و احتجوا لهذا الحمل بما رواه ابن بابويه عن زرارة بن أعين في الصحيح قال سألت أبا جعفر٧عن التقصير فقال بريد ذاهب و بريد جاء و كان رسول اللّٰه٦إذا أتى ذبابا قصر و ذباب على بريد و إنما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ
و ما رواه الشيخ عن معاوية بن وهب في الصحيح قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧أدنى ما يقصر فيه المسافر الصلاة قال بريد ذاهبا و بريد جائيا و عن محمد بن مسلم في الموثق عن أبي جعفر٧قال سألته عن التقصير قال في بريد قلت بريد قال إنه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا شغل يومه و اعترض عليه بوجوه صحيحة منها أن إطلاق الأمر بالتقصير في الأربعة فراسخ في هذه الروايات الكثيرة مع كونه مشروطا بشرط لا يفهم من اللفظ و لا يكون غالبا أكثريا بعيد جدا بل ربما كان قبيحا فيمتنع صدوره من الحكيم لكونه مخلا لغرض التفهيم و التعليم موجبا بفهم خلاف إطلاق الغرض
و منها أن ما استدل به على هذا الجمع غير واضحة الدلالة عليه أما روايتا زرارة و معاوية بن وهب فإن غاية ما يستفاد منهما ثبوت التقصير إذا كانت المسافة بريدا ذاهبا و جائيا و ليس فيهما دلالة على اعتبار كون الذهاب و العود في يوم واحد
و أما رواية ابن مسلم فإنها و إن كانت مشعرة بذلك إلا أنه غير صريحة فيه بل ربما لاح منها أن التعليل بكونه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا شغل يومه إنما وقع على سبيل التقريب إلى الأفهام كما يشعر به إطلاق البريد أولا
و منها أن الظاهر من رواية معاوية بن عمار المتضمنة لتوبيخ أهل مكة على الإتمام بعرفات كون الخروج للحج و قد وقع التصريح بذلك في روايتي حسنة الحلبي و إسحاق بن عمار السابقتين و الخروج للحج لا يتحقق معه الرجوع ليومه و جمع الشيخ في كتابي الأخبار بين هذه الروايات بوجه آخر و هو تنزيل أخبار الثمانية على الوجوب و أخبار الأربعة على الجواز و هو المحكي عن الشارح الفاضل في فتاويه و لو حمل أخبار الأربعة على الأفضلية كما قال إليه الشارح هاهنا كان أحسن فإن أخبار الأربعة يتضمن رجحان التقصير و التوبيخ على تركه
و هذا الجمع أحسن من الجمع السابق و على هذا يحمل رواية معاوية ابن عمار المتضمنة لنهي أهل مكة عن الإتمام بعرفات بالحمل على الكراهة أو النهي عن الإتمام على وجه اللزوم لكن لا يناسب هذا الجمع الروايات الثلاثة المذكورة في توجيه الجمع الأول و يمكن الجمع بين الأخبار بوجه آخر و هو أن يقال المعتبر في السفر الموجب للتقصير أن يكون المسافة التي أراد المسافر طيها ثمانية فراسخ و إن كان بحسب الذهاب و العود فلو أراد السفر في أربعة فراسخ و أراد الرجوع إلى المحل الذي سافر منه و إن لم يكن إرادة الذهاب و العود في يوم واحد كان عليه التقصير لصدق المسافة التي هي ثمانية فراسخ و يوافق هذا الجمع الأخبار الثلاثة المذكورة
و ما دل على توبيخ من يتم بعرفات و الأمر بالتقصير فيه و يؤيد هذا الوجه ما رواه الشيخ عن إبراهيم بن هاشم في الحسن به عن رجل عن صفوان قال سألت الرضا٧عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان و هي أربعة فراسخ من بغداد أ يفطر إذا أراد الرجوع و يقصر قال لا يقصر و لا يفطر لأنه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به المسير إلى الموضع الذي بلغه و لو أنه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا و الإفطار فإن هو أصبح و لم ينو السفر فبدا له من بعد أن يصبح في السفر قصر و لم يفطر يومه ذلك
و يعتبر فيه أن يكون الذهاب و العود فيما دون عشرة أيام بناء على أن المعتبر في المسافة أن لا ينوي إقامة العشرة في أثنائها كما سيجيء و على هذا ينطبق هذا الوجه من الجمع على قول ابن أبي عقيل و لعله أرجح الوجوه و بالجملة الاحتياط في القصر في أربعة فراسخ إذا رجع في عشرة أيام و أما فيما بعد العشرة فالاحتياط في الإتمام و ينبغي التنبيه على أمور
الأول اتفق العلماء كافة على أن الفرسخ ثلاثة أميال نقله جماعة من الأصحاب و هو مروي في الأخبار أيضا أما الميل فلم أطلع على تحديده في روايات الأصحاب سوى ما رواه ابن بابويه مرسلا عن الصادق٧أنه ألف و خمسمائة ذراع و هو متروك بين الأصحاب و في الكافي روى أنه ثلاثة آلاف و خمسمائة و في المعتبر نسبه إلى بعض أخبار أهل البيت٧و قد قطع الأصحاب بأن قدره أربعة آلاف ذراع
و في القاموس دلالة عليه حيث قال الميل قدر مدّ البصر و منار يبني المسافر أو مسافة من الأرض متراخية بلا حد أو مائة ألف إصبع إلا أربعة آلاف إصبع و قال المحقق في الشرائع الميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربعة و عشرون إصبعا تعويلا على المشهور بين الناس أو مد البصر من الأرض
و فيه إشعار بأن له نوع تردد في التفسير الأول و أسنده في المنتهى إلى المشهور و استدل عليه في المعتبر بأن المسافة تعتبر بمسير اليوم و هو مناسب لذلك و كذا الوضع اللغوي و هو مد البصر من الأرض و قال ابن إدريس في السرائر الميل أربعة آلاف ذراع بذراع الأسود و هو الذراع الذي وضعه المأمون الذراع الثياب و مساحة البناء و قسمة المنازل و الذراع أربعة و عشرون إصبعا و أسند ذلك إلى المسعودي في كتاب مروج الذهب
و بالجملة المذكور في كلام أهل اللغة أنه مد البصر من الأرض و التفسير الآخر مشهور بين الفقهاء و قد ذكره بعض أهل اللغة أيضا و أما تقدير الذراع بالأصابع فالتعويل فيه على الأغلب و قدرت الأصابع بسبع شعيرات عرضا و قيل بوضع بطن كل واحدة على ظهر الأخرى و قيل متلاصقات بالسطح و الأكبر و كان المراد الأول و الشعيرة سبع شعرات من شعر البرذون و ضبط مد البصر في الأرض بأنها ما يتميز به الفارس من الراجل للمبصر المتوسط في الأرض المستوية
الثاني يعلم المسافة بالأمرين الأذرع و مسير اليوم و المراد باليوم على ما فسره جماعة من الأصحاب يوم الصوم و فيه تأمّل و يدل عليه قول المصنف٧في صحيحة أبي أيوب أو بياض يوم فاعتبر الفاضلان مسير الإبل السير العام و هو حسن لأن ذلك هو الغالب فيحمل عليه المطلق و لقول الصادق٧في حسنة الكاهلي كان أبي يقول لم يوضع التقصير على البغلة السفوء و الدابة الناجية و إنما وضع على سير القطار يقال بغلة سفوء بالسين المهملة خفيفة و الناجية الناقة السريعة بنحو بمن ركبها قاله الجوهري و غيره و نقل في المنتهى عن عبد الرحمن بن الحجاج قلت له في كم أدنى ما يقصر فيه الصلاة فقال جرت السنة ببياض يوم فقلت له إن بياض اليوم يختلف فيسير الرجل خمسة عشر فرسخا في يوم و يسر الآخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم فقال أما إنه ليس إلى ذلك ينظر أ ما رأيت سير هذه الأبغال بين مكة و المدينة ثم أومأ بيده أربعة و عشرون ميلا تكون ثمانية فراسخ و في رواية الفضل بن شاذان السابقة عن الرضا٧لأن ثمانية فراسخ مسير يوم للعامة و القوافل و الأثقال و اعتبر الشهيدان اعتدال الوقت و السير و المكان و يحتمل عدم اعتبار اعتدال الوقت نظرا إلى عموم إطلاق الدليل