ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٠٥
و الانتقال إلى الإيماء مع الضيق و الاقتصار على التسبيح إن خشي مع الإيماء و إن كان الخوف من لص أو سبع أو غرق و على ذلك فتوى علمائنا و تردد في ذلك المصنف في المنتهى و نقل عن بعض علمائنا قولا بأن التقصير في عدد الركعات لما يكون في صلاة الخوف من العدو خاصة
حجة الأول قوله تعالى وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا قالوا هو دال بمنطوقه على خوف العدو و بفحواه على ما عداه من المخوفات و الروايات السابقة كصحيحة زرارة و صحيحة عبد الرحمن و صحيحة علي بن جعفر و في دلالة الآية على ما ذكروه بالفحوى نظر و كذا في دلالتها على خوف العدو بالمنطوق كما مر
و أما الروايات فالمستفاد منها المساواة بين صلاة خائف الأسد و خائف العدو في الكيفية لا في الكمية فإذن الاقتصار على قصر الكيفية متجه و المذكور في الرواية العدو و اللص و السبع و إلحاق غيرها بها يحتاج إلى دليل قال الشارح و ألحق بمن ذكر الأسير في أيدي المشركين إذا خاف من إظهار الصلاة و المديون المعسر لو عجز عن إقامة البينة بالإعسار و خاف الحبس فهرب و المدافع عن ما له لاشتراك الجميع في الخوف انتهى
و غاية ما يمكن أن يتكلف في الحكم بالتعميم أن يقال يجب الصلاة على جميع المكلفين لعموم الأدلة الدالة عليه و الصّلاة بالإيماء و التكبير مع العجز صلاة شرعية في بعض الأحيان فحيث تعذر الأول يثبت الثاني و إلا يلزم التخصيص فيما دل على وجوب الصلاة على كل مكلف
و الموتحل و الغريق يصليان بحسب الإمكان و يجوز لهما الصلاة بالإيماء مع العجز عن استيفاء الأفعال و لا يقصران العدو إلا في سفر أو خوف أما الأول أعني الصلاة بالإيماء فعلل بأن غير الممكن ليس بواجب و المستفاد من ذلك عدم وجوب استيفاء الأفعال و أما وجوب الإيماء بدله فيحتاج إلى دليل آخر و كأنه إجماعي و التوصل إلى اليقين بالبراءة من التكليف الثابت إنما يحصل به
و أما عدم القصر بدون السفر أو الخوف المسوغ له فلأن مقتضى العمومات الدالة على وجوب الإتمام انسحاب هذا الحكم فيما لم يخرجه دليل عن العام كما في محل البحث و ذكر الشهيد في الذكرى أنه لو خاف من إتمام الصلاة استيلاء الغرق و رجا عند قصر العدد سلامته و ضاق الوقت فالظاهر أنه يقصر العدد أيضا و استحسنه الشارح الفاضل نظرا إلى أنه يجوز له الترك فقصر العدد أولى قال لكن في سقوط القضاء بذلك نظر لعدم النص على جواز القصر هاهنا
و وجه السقوط حصول الخوف في الجملة كما مر قال و الحاصل أن غلبة مطلق الخوف توجب تطرق القصر إلى كل خائف قال و وجهه غير واضح إذ لا دليل عليه و الوقوف على المنصوص عليه بالقصر أوضح و لا يخفى أن الحكم بوجوب القصر ينافي الحكم بوجوب القضاء لأن الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء و الحكم بوجوب القضاء إنما يكون عند عدم الأداء و أيضا الحكم بوجوب القصر محل تأمّل و ما علل به ضعيف إذ لا يلزم من جواز الترك للعجز جواز فعلها مقصورة و بالجملة عدم الدليل على القصير يقتضي مساواة حكم الركعتين للركعة فتأمّل
المقصد الرابع في صلاة السفر
يجب التقصير
في الرباعية خاصة و الظاهر أنه لا خلاف فيه روى ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه عن زرارة و محمد بن مسلم في الصحيح أنهما قالا قلنا لأبي جعفر٧ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي و كم هي فقال إن اللّٰه عز و جل يقول وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر قالا قلنا إنما قال اللّٰه عز و جل فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ و لم يقل افعلوا فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر فقال٧أ و ليس قد قال اللّٰه عز و جل إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا أ لا ترون أن الطواف بهما واجب مفروض لأن اللّٰه عز و جل ذكره في كتابه وضعه نبيه٧و كذلك التقصير شيء صنعه النبي٦و ذكره اللّٰه تعالى ذكره في كتابه قالا قلنا فمن صلّى في السفر أربعا أ يعيد أم لا قال إن كان قرئت عليه آية التقصير و فسرت له فصلى أربعا أعاد و إن لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه و الصلوات كلها في السفر الفريضة ركعتان إلا المغرب فإنها ثلاث ليس فيها تقصير تركها رسول اللّٰه٦في السفر و الحضر ثلاث ركعات و قد سافر رسول اللّٰه٦إلى ذي خشب و هي مسيرة يوم إلى المدينة يكون إليها بريدان أربعة و عشرون ميلا فقصر و أفطر فصارت سنة
و قد سمى رسول اللّٰه٦قوما صاموا حين أفطر العصاة قال فهم العصاة إلى يوم القيامة و إنا لنعرف أبناءهم و أبناء آبائهم إلى يومنا هذا و إنما يجب التقصير
بستة شروط الأول المسافة و هي ثمانية فراسخ أو أربعة لمن رجع من يومه أجمع العلماء كافة على أن المسافة شرط في القصر و إنما اختلفوا في تقديرها فذهب علماؤنا أجمع إلى أن القصر يجب في مسيرة يوم تام بريدان ثمانية فراسخ أربعة و عشرون ميلا حكى ذلك عنهم جماعة من الأصحاب و يدل عليه روايات منها صحيحة زرارة و محمد بن مسلم السّابقتان
و منها ما رواه الشيخ عن أبي أيوب في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال سألته عن التقصير فقال في بريدين أو بياض يوم و عن علي بن يقطين في الصحيح قال سألت أبا الحسن الأول عن الرجل يخرج في سفره و هو مسيرة يوم قال يجب عليه التقصير إن كان مسيرة يوم و إن كان يدور في عمله و روى ابن بابويه بسند معتبر عن الفضل بن شاذان عن الرضا٧أنه قال و إنما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك و لا أكثر لأن ثمانية فراسخ مسير يوم للعامة و للقوافل و الأثقال فوجب التقصير في مسير يوم قال و لو لم يجب في مسير يوم لما وجب في مسير سنة لأن كل يوم يكون بعد هذا اليوم فإنما هو نظير هذا اليوم فلو لم يجب هذا اليوم لما وجب في نظيره
و منها ما رواه الشيخ عن أبي بصير في الصحيح قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧في كم يقصر الرجل قال في بياض يوم أو بريدين و عن عبد اللّٰه ابن يحيى الكاهلي قال سمعت أبا عبد اللّٰه٧يقول في التقصير في الصلاة قال بريد في بريد أربع و عشرون ميلا و عن سماعة في الموثق على الظاهر قال سألته عن المسافر في كم يقصر الصلاة فقال في مسيرة يوم و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ و من سافر قصر الصلاة و أفطر إلا أن يكون رجلا مسعيا لسلطان جائر أو خرج إلى صيد أو إلى قرية له يكون مسيرة يوم يبيت إلى أهل لا يقصر و يفطر و عن عيص بن القاسم في الحسن أو الموثق عن أبي عبد اللّٰه٧قال في التقصير حده أربعة و عشرون ميلا
و روى ابن بابويه عن زكريا بن آدم في الصحيح أنه سأل أبا الحسن الرضا٧عن التقصير في كم يقصر الرجل إذا كان في ضياع أهل بيته و أمره جائر فيها يسير في الضياع يومين و ليلتين و ثلاثة أيام و ليالين فكتب التقصير في مسيرة يوم و ليلة و لعل المراد أن التقصير في المسافة التي يسار فيها في يوم و ليلة بحسب التعارف و إن حصل بعض التوقف في الأثناء أو الواو بمعنى أو و اختلف الأصحاب في مسيرة أربعة فراسخ فذهب جمع من الأصحاب منهم المرتضى و ابن إدريس و كثير من المتأخرين إلى أنه يجب عليه التقصير إذا أراد الرجوع و المنع من التقصير إن لم يرد الرجوع ليومه و اختاره المصنف
و قال الصدوق في من لا يحضره الفقيه و إن كان سفره أربعة فراسخ و أراد الرجوع من يومه فالتقصير عليه واجب و إن كان سفره أربعة فراسخ و لم يرد الرجوع من يومه فهو بالخيار إن شاء أتم و إن شاء قصر و نحوه قال المفيد و الشيخ في النهاية إلا أنه منع من التقصير في الصوم و قال الشيخ في كتابي الأخبار إن المسافر إذا أراد الرجوع من يومه فقد وجب عليه التقصير في أربعة فراسخ ثم قال على أن الذي نقوله في ذلك إنه إنما يجب التقصير إذا كان مقدار المسافة ثمانية فراسخ و إذا كان أربعة فراسخ كان بالخيار في ذلك إن شاء أتم و إن شاء قصر
و ظاهر هذا الكلام العدول إلى القول بالتخيير و إن أراد الرجوع ليومه و لهذا نقل الشهيد في الذكرى عن الشيخ في التهذيب القول بالتخيير إذا كان المسافة أربعة فراسخ و أراد الرجوع ليومه و نقل ذلك عن المبسوط و ابن بابويه في كتابه الكبير و قواه
و قال ابن أبي عقيل كل سفر كان مبلغه بريدين و هما ثمانية فراسخ أو بريد ذاهبا و بريد جائيا و هو أربعة فراسخ في يوم واحد أو ما دون عشرة أيام فعلى من سافره عند آل الرسول٧إذا خلف حيطان مصره أو قريته وراء ظهره و غاب عنه منها صوت الأذان أو يصلي صلاة السفر ركعتين و نقل في المختلف عن سلار أنه إن كانت المسافة أربعة فراسخ و كان راجعا من يومه قصر واجبا و إن كان من غده فهو مخير بين القصر و الإتمام و نقله عن ابني بابويه و مرادهم بالغد إن كان معناها الحقيقي كان قولا مخالفا للأقوال السابقة و إن كان المراد به ما عدا اليوم كان بعينه قول المفيد
و حدّ المسافة ابن الجنيد بمسير يوم للماشي و راكب السفينة و منشأ هذا الاختلاف اختلاف الأخبار ففي كثير منها إناطة التقصير في الثمانية فراسخ و ما في معناها كما مر و في كثير منها علق بالأربعة فراسخ و هاهنا ما رواه الشيخ عن أبي أسامة زيد الشحام في الصحيح قال سمعت أبا عبد اللّٰه٧يقول يقصر الرجل الصلاة في مسيرة اثني عشر ميلا و عن إسماعيل بن الفضيل في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن التقصير فقال في أربع فراسخ
و عن زرارة في الصحيح و الحسن بإبراهيم بن هاشم و رواه الكليني أيضا عن زرارة في الحسن عن أبي جعفر٧قال التقصير في بريد و البريد أربعة فراسخ و عن أبي أيوب في الحسن بإبراهيم قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧أدنى ما يقصر فيه المسافر فقال بريد و عن عبد اللّٰه بن بكير في الموثق قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن القادسية أخرج إليها أتم أو أقصر قال و كم هي قلت هي التي رأيت قال قصر