ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٥٢
سبيل الاستحباب فإذن ظهر مما ذكرنا أن قول الصدوق في هذه المسألة قوي و طريق الاحتياط واضح و تبطل الصلاة بترك الطهارة كذلك أي عمدا أو سهوا للإجماع و الأخبار و بتعمد التكفير هذا هو المشهور بين الأصحاب و نقل المرتضى و الشيخ إجماع الفرقة و خالف فيه ابن الجنيد فجعل تركه مستحبا و أبو الصلاح حيث جعل فعله مكروها و استوجهه المحقق في المعتبر احتج المانعون بالاحتياط بأن أفعال الصلاة متلقاة من الشارع و لا شرع هنا و بأنه فعل كثير خارج من الصلاة ربما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما٧قال قلت له الرجل يضع يده في الصلاة اليمنى على اليسرى قال ذاك التكفير فلا تفعل
و عن حريز عن رجل عن أبي جعفر٧قال لا تكفر إنما يصنع ذلك المجوس و يوافقه قوله٧في حسنة زرارة لا تكفر فإنما فعل ذلك المجوس و هذه الأدلة لا تصفو عن التأمّل و النهي في الروايات المنقولة عنهم غير واضح في التحريم خصوصا في رواية حريز المشتملة على عدة من المكروهات و على تقدير التسليم فالتحريم لا يستلزم البطلان لأن النهي متعلق بأمر خارج عن حقيقة الصلاة قال المحقق في المعتبر الوجه عندي الكراهية أما التحريم فيشكل لأن الأمر بالصلاة لا يتضمن حال الكفين فلا يتعلق بها تحريم لكن الكراهية من حيث هي مخالفة لما دلت عليه الأحاديث عن أهل البيت٧من استحباب وضعهما على الفخذين محاذيتين للركبتين و احتجاج علم الهدى بالإجماع غير معلوم لنا خصوصا
و قد وجد من أكابر العلماء من يخالف في ذلك و لا نعلم من وراه من الموافق كما لا يعلم أنه لا موافق له و قوله هو فعل كثير في غاية الضعف لأن وضع اليدين على الركبتين ليس بواجب و لم يتناول النهي وضعهما في موضع معين و كان للمكلف وضعهما كيف شاء و أما احتجاج الطوسي ره بأن أفعال الصلاة متلقاة قلنا حق لكن كما لا يثبت تشريع وضع اليمنى لم يثبت تحريم وضعها فصار للمكلف وضعها كيف شاء و عدم تشريعه لا يدل على تحريمه لعدم دلالة التحريم و قوله الاحتياط يقتضي طرح ذلك قلنا متى إذا لم يوجد ما يدل على الجواز أم إذا وجد لكن الأوامر المطلقة بالصلاة دالة بإطلاقها على عدم المنع
ثم قال و أما الرواية فظاهرها الكراهة لما تضمنه من قوله إنه تشبه بالمجوس و أمر النبي٦بمخالفتهم ليس على الوجوب لأنهم قد يفعلون الواجب من اعتقاد الإلهية و أنه فاعل الخير فلا يمكن حمل الحديث على ظاهره فإذن ما قاله أبو الصلاح أولى
و يؤكد ما ذكرناه أن النبي٦لم يأمر به الأعرابي و كذا رواية أبي حميد حكاية صلاة رسول اللّٰه٦هذا كلام المحقق و هو جيّد و اعلم أنّ التكفير في اللغة هو الخضوع و أن ينحني الإنسان و يطأطئ رأسه قريبا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه و اختلف كلام الأصحاب في تفسيره هاهنا ففسره المحقق و المصنف بوضع اليمين على الشمال و قيده المصنف في المنتهى و التذكرة بحال القراءة و قال الشيخ لا فرق بين وضع اليمين على الشمال و بالعكس و تبعه ابن إدريس ففسر التكفير بوضع اليمين على الشمال أو بالعكس
و وافقه الشهيدان في التفسير المذكور و قال المصنف في المنتهى قال الشيخ في الخلاف يحرم وضع الشمال على اليمين و عندي فيه تردد إذ رواية محمد بن مسلم يتضمن العكس و رواية حريز تدل على المنع من التكفير و في رواية محمد بن مسلم أن التكفير هو وضع اليمين على الشمال فحسب فنطالب الشيخ بالمستند انتهى كلامه و هو حسن
و الظاهر أنه لا فرق في الكراهية أو التحريم بين أن يكون الوضع فوق السرة أو تحتها و لا بين أن يكون بينهما حائل أم لا و لا بين أن يكون الوضع على الزند أو الساعد كما صرّح به جماعة من الأصحاب نظرا إلى عموم المستند و استشكل المصنف في النهاية الأخير و لا ريب في جواز التكفير في حالة التقية بل قد يجب و لو تركه و الحال هذه فالظاهر عدم بطلان صلاته لتوجه النهي إلى أمر خارج عن العبادة
و يبطل الصلاة أيضا بتعمد الكلام بحرفين ممّا ليس بقرآن و لا دعاء لا خلاف في ذلك بين الأصحاب نقل اتفاقهم على ذلك جماعة منهم كالفاضلين و الشهيدين و غيرهم و يدل عليه الأخبار المستفيضة من طرق العامة و الخاصة فمن طريق العامة ما روي عن النبي٦أنه قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح و التكبير و قراءة القرآن و في دلالته على المدعى نظر و عن زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة يتكلم أحدنا صاحبه و هو إلى جنبه حتى نزلت وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ فأمرنا بالسكوت و نهتنا عن الكلام رواه مسلم و في الدلالة على البطلان تأمّل
و من طريق الخاصة أخبار كثيرة منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي جعفر٧قال سألته عن الرجل يأخذه الرعاف أو القيء في الصلاة كيف يصنع قال ينفتل فيغسل أنفه و يعود في الصلاة و إن تكلم فليعد الصلاة و رواه الشيخ عن محمد بن مسلم بإسناد آخر صحيح و الكليني عنه بإسناد آخر صحيح زاد في الرواية و ليس عليه وضوء
و منها ما رواه الشيخ عن إسماعيل بن عبد الخالق في الصحيح قال سألته عن الرجل يكون في جماعة من القوم يصلّي المكتوبة فيعرض له رعاف كيف يصنع قال يخرج فإن وجد ماء قبل أن يتكلم فليغسل الرعاف ثم ليعد و ليبن على صلاته و منها ما رواه الشيخ و الكليني عن الحلبي في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه٧قال سألته عن الرجل يصيبه الرعاف و هو في الصلاة فقال إن قدر على ماء عنده يمينا و شمالا بين يديه و هو مستقبل القبلة فليغسله عنه ثم ليصلّ ما بقي من صلاته و إن لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته و منها صحيحة الفضيل السابقة عند شرح قول المصنف و تبطل بفعل كل ما يبطل الطهارة و ينبغي التنبيه على أمور
الأول قطع الأصحاب بأن الحرف الواحد غير المفهم غير مبطل للصلاة و نقل الإجماع عليه المصنف في التذكرة و الشهيد في الذكرى و الشارح الفاضل و استندوا مع ذلك إلى عدم صدق الكلام عليه في عرف العرب قيل لا يصدق الكلام عليه في عرف العرب بل في اللغة أيضا لاشتهار الكلام لغة في المركب من الحرفين قاله الشيخ الرضي رضي اللّٰه عنه
و ذكر بعضهم أنه جنس لما يتكلم به سواء كان على حرف واحد أو أكثر و قد يقال إن الإطلاق أعمّ من الحقيقة فلا دلالة في هذا الكلام على خلاف المدعى و فيه عدول عن ظاهره و لا يخفى أن الواقع في أكثر الروايات لفظ التكلم و كان الظاهر صدقه على الحرف الواحد لكنها محمولة على الشائع الغالب وقوفا على الإجماع المنقول و إن كان الاحتياط يقتضي الاجتناب عنه
و من هنا يعلم أن الظاهر أن الحرف الواحد المفهم مبطل و به صرّح جماعة من الأصحاب بل يصدق الكلام عليه في اللغة و العرف بل في صناعة أهل العربية أيضا لتضمنه الإسناد و استشكله المصنف في التّذكرة نظرا إلى أنه يحصل به الإفهام فأشبه الكلام و من دلالة مفهوم النطق بحرفين على عدم الإبطال و كلامه محل نظر و استوجه المصنف في المنتهى الإبطال به نظرا إلى صدق الكلام عليه و مقتضى التقريب الذي ذكر إبطال الصلاة لو كان بعد الحرف الواحد غير المفهم مدّة و اختاره الشهيد و استشكله المصنف نظرا إلى أنه قد يتفق لاجتماع الحركة و لا يعد حرفا و من حيث إنها أحد حروف العلة فضمّها إلى الحرف كضم حرف آخر إليه
الثاني لا يعتبر في الكلام المبطل الوضع فالتكلم بالمهملات يوجب بطلان الصلاة بلا خلاف و يدل عليه التقريب الذي ذكرنا
الثالث الظاهر أن التنحنح غير مبطل للصلاة كما صرّح به جماعة من الأصحاب لعدم صدق التكلم عليه لغة و عرفا و روى الشيخ عن عمار الساباطي في الموثق أنه سأل أبا عبد اللّٰه٧عن الرجل يسمع صوتا بالباب و هو في الصلاة فيتنحنح ليسمع جاريته و أهله لتأتيه فيشير إليها بيده ليعلمها من بالباب لتنظر من هو قال لا بأس به و قال المصنف في المنتهى لو تنحنح بحرفين و سمى كلاما بطل صلاته و هو متجه لكن مجرد التنحنح لا يوجب صدق الكلام عليه فهو مجرد الفرض و الظاهر أن النفخ بحرفين بحيث يصدق عليه الكلام مبطل و كذا التأوه بهما كما صرح به جماعة من الأصحاب لصدق التكلم
و لو تأوه كذلك خوفا من النار ففي البطلان وجهان أحدهما نعم لصدق التكلم و ثانيهما لا و اختاره المحقق في المعتبر استنادا إلى أن ذلك منقول عن كثير من الصلحاء في الصلاة قال و وصف إبراهيم بذلك يؤذن بجوازه و الأنين بحرفين بحيث يصدق التكلم مبطل للصلاة و روى الشيخ عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد٧أن عليا ٧ قال من أنّ في صلاته فقد تكلّم و حمله الأصحاب على الأنين بحرفين
الرابع لا فرق في بطلان الصلاة بين أن يكون الكلام لمصلحة الصلاة أم لا عند الأصحاب و لا بين أن يكون الكلام لمصلحة أخرى غير الصلاة كإنقاذ الأعمى و الصّبي إذا خاف عليهما التردي في بئر أم لا على المشهور بين الأصحاب و يفهم من المعتبر و المنتهى أنه إجماعي عند الأصحاب و ذكر المصنف في النهاية أنه غير مبطل و لا يبعد ترجيح الأول لصدق التكلم
و يؤيده ما روى الشيخ عن إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عن علي ٧ أنه قال في رجل يصلّي و يرى الصّبي يحبو إلى النار أو الشاة يدخل البيت ليفسد الشيء قال فلينصرف و ليحرز ما يتخوف و يبني على صلاته ما لم يتكلم و يجوز التنبيه بتلاوة القرآن و الدعاء و الذكر و الإشارة باليد كالوارد و الإذن لقوم فقال ادخلوها بسلام آمنين أو لمن أراد التخطي على البساط بنعله لا اخلع نعليك إنك بالواد