ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٣٨
يضع القائمة اليسرى من عند الرجل على الكتف اليمنى ثم يعود إلى القائمة التي من عند رأس الميّت فيضعها على كتفه اليسرى ثم ينتقل إلى اليمنى من عند رجليه فمراده من مقدم السرير الأيمن جانبه الذي يلي يمين الميّت كما يدلّ عليه في الحاصل لكن ما ذكر من أنه يضع الجانب الذي يلي اليد اليمنى للميت على اليسار فغير واضح بل الظاهر أنه يضعه على اليمن كما قاله بعض أعاظم الشارحين لأنه أخف و أسهل مع خلوه عن مشقة الدخول تحت الجنازة و لأنه أبعد من الحمل بين العمودين
و يمكن فهمه من رواية علي بن يقطين الآتية و ظاهر كلام الشهيد في الدروس هو المعنى الذي ذكرناه و جعله بعض أفاضل الشارحين هو المشهور و المنقول على الظاهر قال و هو المفهوم من بعض عبارات الأصحاب و ذهب جماعة من المتأخرين منهم الشهيد في الذكرى و الشيخ علي و الشارح الفاضل إلى أنه يبدأ بمقدم السرير الأيمن و هو الذي يلي يسار الميّت
و الّذي وصل إلينا في هذا الباب من الأخبار ما رواه الشيخ و الكليني في الصحيح عن إبراهيم بن هاشم عن بعض أصحابه عن الفضل بن يونس الثقة الواقفي قال سألت أبا إبراهيم٧عن تربيع الجنازة قال إذا كنت في موضع تقية فابدأ باليد اليمنى ثم بالرجل اليمنى ثم ارجع من مكانك إلى ميامن الميّت لا تمر خلف رجليه البتة حتى تستقبل الجنازة فيأخذ يده اليسرى ثم رجله اليسرى ثم ارجع إلى مكانك لا تمر خلف الجنازة البتة حتى تستقبلها تفعل كما فعلت أولا و إن لم تكن تتقي فيه فإن تربيع الجنازة التي جرت به السنة أن تبدأ باليد اليمنى ثم بالرجل اليمنى ثم بالرجل اليسرى ثم باليد اليسرى تدور حولها
و الظاهر أن اليد و الرجل المذكور في الرواية يد الميّت و رجله فيكون دالا على ما ذكرناه و ما رواه الكليني و الشيخ في الحسن أو الموثق عن العلاء بن سيابة و هو غير موثق عن أبي عبد اللّٰه٧قال تبدأ في حمل السرير من الجانب الأيمن ثم تمر عليه من خلفه إلى الجانب الآخر حتى ترجع إلى المقدم كذلك دوران الرحى عليه و في هذا الخبر إجمال لأن الجانب الأيمن كما يحتمل أن يكون المراد منه جانب السرير الذي يلي يمين الميّت
يحتمل أن يكون المراد منه جانبه الذي يلي يمين المشيعين لكن يتعين حمله على الأول توفيقا بينه و بين الخبر الأول و بما رواه الشيخ و الكليني عن علي بن يقطين بإسناد فيه إبراهيم بن هاشم عن غير واحد عن أبي الحسن موسى٧قال سمعته يقول السنة في حمل الجنازة أن تستقبل جانب السرير بشقك الأيمن و تلزم الأيسر بكفك الأيمن ثم تمر عليه إلى الجانب الرابع مما يلي يسارك و هذا الخبر أيضا ظاهر فيما ذكرناه
و احتج من زعم أن البدأة بمقدم السرير الذي يلي يسار الميّت بالخبرين الأولين و جوابه ظاهر مما حررناه إذا عرفت هذا فاعلم أن الشيخ ذكر في النهاية و المبسوط أنه يبدأ بمقدم السرير الأيمن ثم يمر معه و يدور من خلفه إلى الجانب الأيسر فيأخذ برجله اليسرى و يمرّ معه إلى أن يرجع إلى المقدم كذلك دور الرحى و نحوه قال جماعة من الأصحاب و قال في الخلاف صفة التربيع أن يبدأ بيسرة الجنازة و يأخذها بيمنته و يتركها على عاتقه و يرجع الجنازة تمشي إلى رجليها و يدور دور الرحى إلى أن يرجع إلى يمنة الجنازة فيأخذ ميامن الجنازة بمياسره و نقل إجماع الطائفة عليه و حمل الشهيد و جماعة ممن تأخر عنه مقدم السرير الأيمن و الأيسر في كلامه على جانبه الّذي يلي يمين المشيعين و الجانب الذي يلي يسارهم فحكموا بالاختلاف بين كلاميه
قال في الذكرى و الشيخ في الخلاف عمل على خبر علي بن يقطين و نقل الخبر ثم قال و يمكن حمله على التربيع المشهور لأن الشيخ ادعى عليه الإجماع و هو في المبسوط و النهاية و باقي الأصحاب على التفسير الأول فكيف يخالف دعواه و لأنه قال في الخلاف يدور دور الرحى كما في الرواية و هو لا يتصور إلا على البدأة بمقدم السرير الأيمن و الختم بمقدم الأيسر و الإضافة قد يتعاكس
و الحق أن كلام الشيخ في النهاية و المبسوط و كذا كلام باقي الأصحاب ممن وافقوه غير ظاهر فيما فهمه فإن اعتبار اليمنة و اليسرة للسرير كما يمكن باعتبار المشيعين يمكن باعتبار الميّت فينبغي أن يحمل عليه حتى يوافق الروايات و كلامه في الخلاف كما فهمه المصنف في المنتهى و حينئذ ينتفي التنافي بين كلاميه كما قاله الراوندي حيث قال بعد حكاية كلام الشيخ في النهاية و الخلاف و معناهما غير متغير نقله الشهيد عنه و الشارح الفاضل أشار إلى الروايات و ذكر أن في رواية الفضل تصريح بأن المبدأ به أيمن السرير لا الميّت ثم قال فتحرر من ذلك أن أفضل هيئته أن يبدأ بمقدم السرير الأيمن و هو الذي يلي يسار الميّت فيحمله بكتفه الأيمن ثم ينتقل إلى مؤخر السرير الأيمن فيحمله أيضا بكتفه الأيمن ثم ينتقل إلى مؤخره الأيسر فيحمله بكتفه الأيسر ثم ينتقل إلى مقدمه الأيسر فيحمله بكتفه الأيسر هذا هو المشهور و كيفيته لا يخلو عن إجمال في عباراتهم و اشتباه
و محصّله ما ذكرنا و ممن صرّح بهذه الهيئة المصنف في المنتهى و الشيخ في المبسوط و جماعة انتهى كلامه و في مواضع من كلامه نظر لا يخفى على المتأمّل فيما ذكرنا
و يستحب الإعلام للمؤمنين لما فيه من الفائدة للميت بكثرة الداعين و للمدعوين باشتغالهم بالطاعات كالصلاة و الدعاء و الحمل و التربيع و التعزية و غير ذلك مما رغب فيه مع ما في ذلك من فوائد الاسترجاع و الاتعاظ و الاعتبار و التذكر لأمور الآخرة و حصول الألم الموجب لتنبيه القلب و زجر النفس و غير ذلك من الفوائد
و الأصل فيه ما رواه الكليني عن أبي ولاد عن عبد اللّٰه بن سنان بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه٧قال ينبغي لأولياء الميّت منكم أن يؤذنوا إخوان الميّت بموته فيشهدون جنازته و يصلون عليه و يستغفرون له فيكتب لهم الأجر و يكتسب للميت الاستغفار و يكتسب هو الأجر فيهم منهم و فيما اكتسب لميتهم من الاستغفار و عن ذريح المحاربي في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال سألته عن الجنازة يؤذن به الناس قال نعم و عن القاسم بن محمد عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه٧قال إن الجنازة يؤذن به الناس و لا يبعد تعميم الاستحباب للأولياء و غيرهم لعموم بعض الأخبار السابقة و العلة المفهومة من الخبر الأول و الاشتراك في الفوائد التابعة لذلك و هل يشرع النداء قال في الخلاف لا أعرف فيه نصا
و في المعتبر و التذكرة لا بأس به لما يتضمن من الفوائد و خلوه من منع شرعي
و الدعاء عند المشاهدة روى الكليني و الشيخ عن أبي حمزة في الصحيح قال كان علي بن الحسين٧إذا رأى جنازة قد أقبلت قال الحمد اللّٰه الذي لم يجعلني من السواد المخترم و روى الكليني ذلك من فعل أبي جعفر٧في مرفوعة أبي الحسن النهدي السواد و الشخص المخترم الهالك أو المستأصل قال في الذكرى و لا ينافي هذا حب لقاء اللّٰه لأنه غير مقيد بوقت فيحمل على حال الاحتضار كما روينا عن الصادق٧و رووه في الصحاح عن النبي٦أنه قال من أحب لقاء اللّٰه أحب اللّٰه لقاءه و من كره لقاء اللّٰه كره اللّٰه لقاءه فقيل له٦إنا لنكره الموت فقال ليس ذلك و لكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان اللّٰه و كرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء اللّٰه و أحب اللّٰه لقاءه و إن الكافر إذا حضر بشر بعذاب اللّٰه فليس شيء أكره إليه مما أمامه كره لقاء اللّٰه و كره اللّٰه لقاءه و بقية عمر المؤمن نفيسة كما أشار إليه النبي٦في الصحاح لا يتمنى أحدكم الموت و لا يدع به من قبل أن يأتيه أنه إذا مات انقطع عمله و أنه لا يزيد المؤمن عمره الأخير أو قال علي٧بقية عمر المؤمن لا ثمن لها يدرك بها ما فات و يحيا بها ما مات وجب البقاء للطاعة و الاستعداد للآخرة لا ينافيه حب لقاء اللّٰه
و يمكن إذا يكون في هذا الدعاء إشارة إلى مقام التفويض إلى اللّٰه و التوكل عليه فإنه لما رأى الميّت و علم بموته علم أن اللّٰه اختار للميت موته رعاية لما هو الأصلح بحاله و أن اللّٰه اختار له الحياة رعاية للأصلح بحاله حمد اللّٰه تعالى على ذلك لكون الحياة مصلحة له و إحسانا بالنسبة إليه و إلا لأماته لما علم من الأخبار الكثيرة أن اللّٰه تعالى لا يفعل بعباده المؤمنين إلا ما كان مصلحة لهم سواء كان محبوبا أو مكروها عندهم
قال في الذكرى و يجوز أن يكنى بالمخترم عن الكافر لأنه الهالك على الإطلاق بخلاف المؤمن أو يراد بالمخترم من مات دون أربعين سنة
و يستحب الدعاء بما رواه الكليني و الشيخ عن عنبسة بن مصعب عن أبي عبد اللّٰه٧قال قال رسول اللّٰه٦من استقبل جنازة أو رآها فقال اللّٰه أكبر هذا ما وعدنا اللّٰه و رسوله و صدق اللّٰه و رسوله اللّٰهمّ زدنا إيمانا و تسليما الحمد للّه الذي تعزز بالقدرة و قهر العباد بالموت لم يبق في السماء ملك إلا بكى رحمة لصوته
خاتمة
لأحكام الميّت يذكر فيها دفنه و ما يتقدمه و يتبعه من الأحكام ينبغي على وجه الاستحباب وضع الجنازة مما يلي رجلي القبر للرجل و نقله في ثلاث دفعات و إنزاله في الثالثة و الأصل في ذلك ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن سنان في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال ينبغي أن يوضع الميّت دون القبر هنيئة ثم واروه و في الصحيح عن محمد بن عطية قال إذا أتيت بأخيك إلى القبر فلا تفدحه ضعه أسفل من القبر بذراعين أو ثلاثة حتى يأخذ ثم ضعه في لحده و ألصق خده بالأرض و تحسر عن وجهه و يكون أولى الناس به مما يلي رأسه ثم ليقرأ فاتحة الكتاب و قل هو اللّٰه أحد و المعوذتين و آية الكرسي ثم ليقل ما يعلم حتى ينتهي إلى صاحبه فدحه أي أثقله قاله الجوهري و غيره
و عن محمد بن عجلان قال سمعت صادقا يصدق على اللّٰه يعني أبا عبد اللّٰه٧قال إذا جئت بالميت إلى قبره فلا تفدحه بقبره و لكن ضعه دون قبره بذراعين أو ثلاثة أذرع و دعه حتى يتأهب للقبر و لا تفدحه به فإذا أدخلته إلى قبره فليكن أولى الناس به عند