ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٣٤
ما ذهب إليه من عدم الوجوب بأن المدفون خرج بدفنه عن أهل الدنيا فيساوي من فني في قبره و لأنه لو جازت الصلاة عليه بعد دفنه لصلّي على الأنبياء في قبورهم و الصلحاء و إن تقادم العهد و يؤيد ذلك ما رواه عمار و تلا بعض الروايات المذكورة و ما ذكره من التعليل الأول وجه استحساني ضعيف
و أما الثاني فيمكن الجواب عنه بما ذكره الشيخ في المختلف من استلزامه الفتنة لما روي عنه٧لا تتخذوا قبوري وثنا يعبد لعن اللّٰه اليهود فإنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد أو لما روي عنه٧أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري أكثر من ثلاثة أيام مع أن ما ذكره من التعليل لا ينهض حجة على القائلين بالتحديد و أما الروايات فقد مر الجواب عنها
و يكره تكرار الصلاة
على الجنازة اختلف الأصحاب في هذه المسألة فقال المصنف في المختلف المشهور كراهة تكرار الصلاة على الميّت و قال الشهيد في الذكرى ظاهرهم اختصاص الكراهة بمن صلى على الميّت لما تلوناه عنهم من جواز الصلاة ممن فاتته على القبر أو يريدون بالكراهة قبل الدفن حتى ينتظم الكلام و قيد ابن إدريس الكراهية بالصلاة جماعة لتكرار الصحابة الصلاة على النبي٦فرادى
و يظهر من كلام الشيخ في الخلاف اختصاص الكراهية بالمصلّي المتحد و احتمل الشيخ في الإستبصار استحباب التكرار من المصلّي الواحد و غيره و للمصنف قول بكراهة تكرار الصلاة إذا خاف على الميّت و له أيضا قول بكراهة التكرار عند الخوف عليه أو مع منافاة التعجيل و قيد الشارح الفاضل الكراهة بكون التكرار من المصلّي الواحد و يكون منافيا للتعجيل و المسألة محل إشكال لاختلاف الأخبار
فيدل على المنع ما رواه الشيخ عن وهب بن وهب في الضعيف عن جعفر عن أبيه٧أن رسول اللّٰه٦صلى على جنازة فلما فرغ جاء ناس فقالوا يا رسول اللّٰه لم ندرك الصلاة عليها فقال لا تصلى على جنازة مرتين و لكن ادعوا له
و عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّٰه٧قال إن رسول اللّٰه٦صلى على جنازة فلما فرغ جاء قوم فقالوا فاتتنا الصلاة عليها فقال٦إن الجنازة لا تصلى عليها مرتين ادعوا له و قولوا له خيرا و في طريق هذه الرواية غياث بن كلوب و هو عامي لم يوثقوه في كتب الرجال إلا أنه قد يعمل الأصحاب برواياته كما يظهر من كلام الشيخ في العدة
و مما يدل على الجواز موثقة عمار و موثقة يونس بن يعقوب المشار إليهما في المسألة المتقدمة و ما رواه الشيخ عن عمر بن شمر عن جابر في الضعيف عن الصادق٧أن رسول اللّٰه٦خرج على جنازة امرأة من بني النجار فصلى عليها فوجد الحفرة لم ينكتوا فوضع الجنازة فلم يجئ قوم إلا قال لهم٧صلّوا عليها
و ما رواه الشيخ عن الحلبي في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه٧قال كبر أمير المؤمنين٧على سهل بن حنيف و كان بدريا خمس تكبيرات ثم مشى ساعة ثم وضعه و كبر عليه خمسة أخرى فصنع ذلك حتى كبر عليه خمسا و عشرين تكبيرة و عن عمرو بن شمر في الضعيف قال قلت لجعفر بن محمّد٧جعلت فداك أنا نتحدث بالعراق أن عليّا٧صلّى على سهل بن حنيف فكبر عليه ستا ثم التفت إلى من كان خلفه فقال إنه كان بدريا قال فقال جعفر٧إنه لم يكن كذا و لكنه صلى عليه خمسا ثم رفعه و مشى به ساعة ثم وضعه و كبر عليه خمسا ففعل ذلك خمس مرات حتى كبر عليه خمسا و عشرين تكبيرة
و روى هذا المعنى عقبة عن جعفر٧و فيه ثم قال إنه بدري عقبي أحدي و كان من النقباء الذين اختارهم رسول اللّٰه٦من الاثني عشر فكانت له خمس مناقب فصلّى عليه لكل منقبة صلاة و روى الكليني في الضعيف عن أبي بصير عن أبي جعفر٧قال كبر رسول اللّٰه٦على حمزة سبعين تكبيرة و كبر علي٧عندكم على سهل بن حنيف خمسة و عشرين تكبيرة قال كبر خمسا خمسا كلما أدركه الناس قالوا يا أمير المؤمنين لم ندرك الصلاة على سهل فيضعه فيكبر عليه خمسا حتى انتهى إلى قبره خمس مرات
و عن زرارة في الضعيف عن أبي جعفر٧قال صلّى رسول اللّٰه٦على حمزة سبعين صلاة و المشهور في وجه الجمع بين هذه الأخبار حمل أخبار المنع على الكراهة و هو مشكل لأن الكراهة في العبادات إنما يتصور إذا كان لطبيعة ما مطلوبة شرعا فردان لكل منهما ثواب و أحدهما أقل ثوابا بالنسبة إلى الفرد الآخر مع تمكن المكلف من اختيار الفرد الذي هو أكثر ثوابا من الآخر و هذا المعنى لا يتصور هاهنا و أقلية الثواب بالنسبة إلى الصلاة على الميّت الذي لم يصل عليه غير نافع اللّٰهمّ إلا أن يخص الحكم بصورة المنافاة للتعجيل و يعم الكراهة بحيث يدخل في المكروه ما كان أقل ثوابا بالنسبة إلى طبيعة أخرى مطلوبة شرعا و إن لم يدخلا بحيث طبيعة واحدة مطلوبة شرعا فيقال هذه الصلاة أقل ثوابا من التعجيل مع أن التزام ارتكاب أمير المؤمنين٧للفعل المكروه خمس مرات و أمره به لا يخلو عن إشكال
و يمكن الجمع بين الأخبار بحمل أخبار المنع على صورة المنافاة للتعجيل و يكون معنى قوله لا يصلّى على جنازة مرتين أي على سبيل الوجوب و لا يبعد أن يقال برجحان تكرار الصلاة عليه في صورة عدم المنافاة للتعجيل لمن لم يدرك الصلاة و للإمام و إن أدركها استنادا إلى قضية سهل بن حنيف مع إمكان النزاع في عموم الحكم إذ يجوز اختصاص الحكم بميت له شرف و مزية في الدين و لهذا لم ينقل مثله في غير سهل
و أما من أدرك الصلاة غير الإمام فلا يدل على رجحان الصلاة بالنسبة إليه إلى عموم رواية عمار السابقة و الاستناد إلى مجرده لا يخلو عن إشكال و الذي يخدش هذا الاختيار عدم ظهور مصرّح به على هذا الوجه فإن قلت كيف يتعلق بقضية سهل في ترجيح رجحان التكرار للإمام و قد قال المصنف في المختلف إن حديث سهل بن حنيف مختص بذلك الشخص إظهارا لفضله كما خصّ النبي٦عمه حمزة بسبعين تكبيرة
و في كلام أمير المؤمنين٧في نهج البلاغة ما يدل عليه قلت هذا خلاف الظاهر إذ كون سهل بخصوصه مستثنى عن حكم شرعي كلي لا يخلو عن إشكال و النقل الذي ذكر لم يثبت على وجه ينهض حجة نعم لا يبعد اختصاص الحكم بميت له شرف و مزية في الدين كما أشرنا إليه و بالجملة طريق التردد غير منسد في هذه المسألة
و أولى الناس بها أولاهم بالميراث
و المراد بالأولى هاهنا المستحق للميراث و هذا الحكم في الجملة مما لا خلاف فيه بين الأصحاب و إن كان لابن الجنيد خلاف في بعض جزئيات المسألة كما سيجيء و استدلوا عليه بقوله تعالى وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ و بما رواه الكليني عن ابن أبي عمير في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه٧قال يصلّي على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب و عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر في الضعيف عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه٧قال يصلّي على الجنازة أولى بها أو يأمر من يحب
و في عموم الآية على وجه يشمل محل النزاع تأمّل و كون المراد بالأولى في الأخبار المستحق للميراث غير متضح إلا أن فهم الأصحاب و عملهم يكفي لعدم العدول عنه و من الأصحاب من صرح بانسحاب الحكم في المعتق عند فقد القريب ثم أولاده ثم الإمام و قيل ضامن الجريرة ثم الحاكم ثم عدول المؤمنين و الحجة على ذلك غير واضحة و الوارث أولى من الموصى إليه بالصلاة عند المصنف و من تبعه
و قدم ابن الجنيد الموصى إليه وفاء بعهد الميّت و لاشتهار ذلك بين السلف كوصية أبي بكر لعمر و وصية عمر لصهب و وصية عائشة لأبي هريرة و وصية ابن مسعود لزبير و وصية ابن جبير لأنس و وصية ابن مسعود أبي شريحة لزيد بن أرقم فجاء عمرو بن حريث أمير الكوفة ليتقدم فأعلمه ابنه بوصيته فقدم زيدا و لأن إيصاءه إليه لظنه فيه مزية فلا ينبغي منعه منها و يدل على مختار المصنف عموم الأدلة السابقة و ما ذكر من الحجج لابن الجنيد لا ينتهض حجة في إثبات حكم شرعي و فعل المذكورين ليس بحجة مع احتمال حصول الإذن للوارث و لا منع فيه
نعم يمكن الاستناد إلى عموم ما دل على الوفاء بالوصيّة و المسألة محل تردد و اعلم أن ظاهر الأصحاب أن إذن الولي إنما يتوقف عليه الجماعة لا أصل الصلاة و قد صرّح به بعض الأصحاب و هو حسن تقديرا للحكم المخالف للأصل بالمقدار المستفاد من الدليل و هو أولوية الولي بالإمامة لأن هذا هو المتبادر من الخبرين السابقين و على هذا فالمراد بالأولويّة توقف الجماعة على تقدمه أو إذنه و يتعين الثاني إذا لم يكن أهلا للإمامة و لو أبى عن الإذن و التقدم مع استيهاله سقط اعتباره كما صرح به الشارح الفاضل
و للمناقشة فيه مجال فإنه إذا ثبت له الولاية كان سقوطها بمنعه محتاجا إلى دليل واضح و قد يعلل عدم توقف أصل الصلاة عليه بأنها واجبة على الكفاية فلا يناط برأي أحد من المكلفين
و قد يقال لا منافاة بين الوجوب كفاية و الإناطة برأي بعض المكلفين على معنى أنه إن أقام بنفسه أو بنصب غيره و قام ذلك الغير سقط عن الغير و إلا سقط اعتباره و انعقدت جماعة و فرادى بغير إذنه
و الأب أولى من الابن لا أعلم في ذلك خلافا بين الأصحاب و استدل عليه بأن الأب أرق على الميّت و أشفق فيكون دعاؤه أقرب إلى الإجابة و مجرد هذا التعليل لا يصلح لتأسيس الحكم و إثباته نعم يصلح توجيها للحكم بعد ثبوته
و الولد أولى من الجد على المشهور و نقل عن ابن الجنيد أنه جعل الجد أولى من الأب و الابن محتجا بأن منصب الإمامة أليق بالأب من الولد و الأقرب الأول لما علم من الأولوية المتقدمة لأن الجد لا يرث مع وجود الابن و الأخ من الأبوين أولى ممن يتقرب بأحدهما أما تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب خاصة فلا ريب فيه استناد إلى الأولوية السابقة لأنه يرث معه و أما على الأخ من الأم فلعله المصنف في المنتهى بأنه