ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٢١
في أوائل هذا المقصد و عدم انتهاضها بالدلالة على التحريم خصوصا إذا لم يكن القول بذلك مشهورا بين الأصحاب و الأحوط عدم الإقدام عليه
و الخطبة بعدها أي بعد صلاة العيد و استماعها مستحب قد مر الدلالة على ترجيح استحباب الخطبة و يدل على رجحان فعلها التأسي بالنبي٦و الأخبار الكثيرة مضافا إلى كون ذلك إجماعيا و هما بعد الصلاة و قبلها بدعة و الظاهر أنه مجمع عليه بين الأصحاب بل قال في الذكرى إنه إجماعي و قال في المنتهى إنه لا نعرف فيه خلافا إلا من بني أمية
و قيل إن بني أمية فعلوا ذلك و كذا ابن الزبير ثم انعقد الإجماع من المسلمين على كونهما بعد الصلاة و في صحاح العامة أخبار دالة عليه و أخبارنا به مستفيضة فقد مر صحيحة محمد بن مسلم و رواية معاوية و هو ابن عمار في تحقيق كيفية هذه الصلاة
و روى الشيخ عن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّٰه٧قال و الخطبة بعدها و الظاهر استحباب الخطبة لمن يصلّي جماعة و إن لم يتحقق شرائط الوجوب صرح به المصنف و الظاهر سقوطها مع الانفراد لفقد الدليل على شرعيتها حينئذ و استماعها مستحب و إن قلنا بوجوبها و حكى المصنف في المنتهى و التذكرة إجماع المسلمين على ذلك مع أنه قائل في الكتابين بوجوبها
و روى العامة عن عبد اللّٰه بن الصائب قال شهدت مع رسول اللّٰه٦صلاة العيد فلما قضى الصلاة قال إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس و من أحب أن يذهب فليذهب و هما خطبتان كخطبة الجمعة لكن ينبغي أن يذكر في خطبة الفطر ما يتعلق بالفطرة و وجوبها و شرائطها و قدر المخرج و جنسه و مستحقه و في الأضحى أحكام الأضحية كذا ذكر جماعة من الأصحاب و هو حسن للتأسي
و في وجوب القيام فيهما و الجلوس بينهما نظر و كذا في استحباب الجلوس قبلها و نفاه المصنف في بعض كتبه لأن استحبابه في الجمعة لأجل الأذان كما ورد في بعض الأخبار أن النبي٦يجلس حتى يفرغ المؤذنون و هو منفي هنا و هو حسن
و لو اتفق العيد و الجمعة تخير من صلى العيد في حضور الجمعة اختلف الأصحاب في هذه المسألة فقال الشيخ ره في جملة من كتبه إذا اجتمع عيد و جمعة تخير من صلى العيد في حضور الجمعة و عدمه و نحوه قال المفيد في المقنعة و رواه ابن بابويه في كتابه و اختاره ابن إدريس و إليه ذهب أكثر المتأخرين بل نسبه المصنف في المنتهى إلى من عدا أبي الصلاح و في الذكرى إلى الأكثر و قال ابن الجنيد في ظاهر كلامه باختصاص الترخيص بمن كان قاصي المنزل و اختاره المصنف في بعض كتبه
و قال أبو الصلاح قد وردت الرواية إذا اجتمع عيد و جمعة أن المكلف مخير في حضور أيهما شاء و الظاهر في المسألة وجوب عقد الصلاتين و حضورهما على من خوطب بذلك و قريب منه كلام ابن البراج و ابن زهرة و الترجيح للأول لما رواه الصدوق عن الحلبي في الصحيح أنه سأل أبا عبد اللّٰه٧عن الفطر و الأضحى إذا اجتمعا يوم الجمعة قال اجتمعا في زمان علي٧فقال من شاء أن يأتي الجمعة فليأت و من قعد فلا يضره و ليصلّ الظهر و خطب٧خطبتين جمع فيهما خطبة العيد و خطبة الجمعة
و هذه الرواية معتضدة بالشهرة و الأصل مؤيد بغيرها فروى الكليني و الشيخ عنه بإسناد فيه شيء عن أبان بن عثمان عن سلمة عن أبي عبد اللّٰه٧قال اجتمع عيدان على عهد أمير المؤمنين٧فخطب بالناس فقال هذا يوم أجمع فيه عيدان فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل و من لم يفعل فإنه له رخصة يعني من كان متنحيا
و روى العامة عن زيد بن أرقم أن النبي٦صلّى العيد و رخص في الجمعة و روي أن ابن الزبير لما صلّى العيد و لم يخرج إلى الجمعة قال ابن عباس أصاب السنة حجة ابن الجنيد على ما نقل عنه ما رواه الشيخ بإسناد غير نقي عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه٧أن علي بن أبي طالب٧كان يقول إذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فإنه ينبغي للإمام أن يقول للناس في خطبته الأولى إنه قد اجتمع لكم عيدان فأنا أصلّيهما جميعا فمن كان مكانه قاصيا فأحب أن ينصرف عن الآخر فقد أذنت له
و الجواب بعد تسليم السند منع الدلالة على اختصاص الترخيص بالنائي فإن تصريح الإمام بالتأذين للنائي لا يستلزم وجوب الحضور على غيره قال في الذكرى القرب و البعد من الأمور الإضافية فيصدق القاصي على من بعد بأدنى بعد فيدخل الجميع إلا من كان مجاورا للمسجد و ربما صار بعض إلى تفسير القاصي بأهل القرى دون أهل البلد لأنه المتعارف انتهى و الظاهر إحالته إلى العرف و هو بحسب العرف لا يختص بأهل القرى و لا يعم من عدا جار المسجد
حجة القائل بوجوب الصلاتين أن دليل الحضور فيهما قطعي و خبر الواحد المتضمن لسقوط الجمعة و الحال هذه إنما يفيد الظن فلا يعارض القطع قال في الذكرى و يجاب عنه بأن الخبر المتلقى بالقبول المعمول عليه عند معظم الأصحاب في قوة المتواتر فيلحق بالقطعي و لأن نفي الحرج و العسر يدلّ على ذلك أيضا فيكون الخبر معتضدا بالكتاب العزيز و فيه نظر
و الصحيح عندي في الجواب أن شمول دليل الحضور لمحلّ النزاع ليس إلا بحسب الظاهر و ليس من قبيل النص فغاية ما يستفاد منه عند سلامته عن المعارض ليس إلّا الظن الغالب و ما مر من النص دال على الترخيص بصريحه فيكون حاكما على دليل الحضور دافعا للظن الحاصل منه فإن الخاص حاكم على العام
و بالجملة الظن حاصل مع النص الدال على الترخيص و غاية ما يستفاد من الأدلة الفرعية ليس إلا الظن كما نبهنا عليه مرارا و الاحتياط غير خفي و هل يجب الحضور على الإمام حتى إذا اجتمع العدد صلى الجمعة و إلا الظهر أم لا قيل نعم و إليه ذهب جماعة منهم المرتضى و هو المستفاد من كلام أبي الصلاح و ابن البراج و اختاره المحقق في المعتبر و المصنف في المنتهى و الشهيد في الذكرى و ظاهر كلام الشيخ في الخلاف ثبوت التخيير بالنسبة إلى الإمام أيضا و الأول أقرب استنادا إلى ما دل على وجوب الحضور مع سلامته عن المعارض هاهنا
و يعلم الإمام ذلك أي التخيير في خطبته تأسيا بأمير المؤمنين٧و في وجوب التكبيرات الزائد و القنوت بينهما قولان اختلف الأصحاب في وجوب التكبيرات الزائدة فذهب أكثر الأصحاب منهم السيد المرتضى و ابن الجنيد و الشيخ في الإستبصار و أبو الصلاح و ابن إدريس إلى الوجوب و ذهب المفيد و الشيخ في التهذيب و الخلاف إلى الاستحباب و اختاره جماعة من المتأخرين منهم المحقق في المعتبر و قواه الشهيد في الذكرى
حجة الأول التأسي بالنبي و الأئمّة : و الأخبار المذكورة و فيه تأمّل لأن وجوب التأسي يتبع وجوبها على النبي٦و هو ممنوع هنا إذا ثبت مواظبته٧عليها و هو غير واضح و الأخبار غير واضحة الدلالة على الوجوب إلا أن يستعان في ذلك بالشهرة
و استدل الشيخ على قول المفيد في التهذيب بما رواه عن زرارة في الصحيح أن عبد الملك بن أعين سأل أبا جعفر٧عن الصلاة في العيدين فقال الصلاة فيهما سواء يكبر الإمام تكبيرة الصلاة قائما كما يصنع في الفريضة ثم يزيد في الركعة الأولى ثلاث تكبيرات و في الأخرى ثلاثا سوى تكبيرة الصلاة و الركوع و السجود و إن شاء ثلاثا أو خمسا و إن شاء خمسا و سبعا بعد أن يلحق ذلك إلى وتر
و يؤيده ما رواه هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد اللّٰه٧قال سألته عن التكبير في الفطر و الأضحى فقال خمس و أربع فلا يضرك إذا انصرفت على وتر و ليس في طريق هذا الخبر من يتوقف في شأنه إلا يزيد بن إسحاق فإنه غير موثق في كتب الرجال إلا أن له كتابا يرويه غير واحد من الثقات الأجلاء و فيه إشعار بحسن حاله و ربما أيد بما رواه الشيخ عن عيسى بن عبد اللّٰه عن أبيه عن جده عن علي٧قال ما كان يكبر النبي٦في العيدين إلا تكبيرة واحدة حتى أبطأ عليه لسان الحسين٧فلما كان ذات يوم عيد ألبسته أمّه و أرسلته مع جده فكبر رسول اللّٰه٦فكبر الحسين حتى كبر النبي٦سبعا ثم قام في الثانية فكبر النبي٦و كبر الحسين حين كبر خمسا فجعلها رسول اللّٰه٦سنة و في هذا التأييد ضعف
و أجاب الشيخ في الإستبصار عن الخبرين الأوّلين بالحمل على التقية لموافقتهما لمذهب كثير من العامة قال و لسنا نعمل به و إجماع الفرقة المحقة على ما قدمناه و المسألة محل تردد فيمكن ترجيح القول الأول استنادا إلى الأخبار السابقة بمعونة الشهرة بين الأصحاب و استضعاف خبر هارون و حمل خبر زرارة على التقية
و يمكن ترجيح القول الثاني تمسكا بالخبرين المعتضدين بالأصل و حينئذ يحمل الأخبار السابقة على الاستحباب و يؤيد هذا أن التأويل أقرب إلى التأويل السابق فإن حمل الكلام على التقية إذا لم يكن مدلوله مذهبا لجمهور العامة أو أكثرهم لا يخلو عن بعد مع عدم جريان هذا التأويل في خبر هارون و بالجملة إن قلنا بأحد هذين الترجيحين فذاك و إلا فمقتضى التوقف الإتيان بها لتوقف البراءة اليقينية من التكليف الثابت عليه و اختلف الأصحاب أيضا في القنوت بعد كل تكبيرة فذهب الأكثر منهم المرتضى إلى وجوبه و جعله من متفردات الإمامية و نقل إجماعهم عليه
و ذهب الشيخ في الخلاف إلى استحبابه و اختاره المحقق في المعتبر حجة الأول صحيحة يعقوب بن يقطين و رواية إسماعيل بن جابر السابقتين في بيان كيفية هذه الصلاة و فيه تأمّل لعدم وضوح دلالتهما على الوجوب
و حجة الثاني الأصل و فيه تأمّل لأن اليقين بالبراءة من التكليف الثابت يتوقف على الإتيان به فلا ينفع الأصل في أمثال هذه المواضع كما مر في نظائر هذا المقام نعم يمكن الاستناد إلى الأخبار الواردة بحسب الظاهر في مقام البيان خالية عن ذكر القنوت و قد مر عدة منها فإذن لا يبعد ترجيح القول الثاني
و المشهور أنه لا يتعين في القنوت لفظ مخصوص و نقل عن ظاهر كلام أبي الصلاح وجوب الدعاء بالمرسوم و الأوّل أقرب لاختلاف الروايات في تعيينه و أكثرها بلفظ الدعاء و القنوت